تريليون ماسك… هل تتكرر أخطاء الفقاعات الكبرى؟

 

 

 

 

حيدر عبدالله الحسيني
أستاذ جامعي في علوم الإعلام والاتصال، وصحافي اقتصادي.

 

 

لم يكن إدراج “سبايس إكس” في البورصة هذا الأسبوع حدثاً مالياً عادياً، بل اختباراً حقيقياً لمدى استعداد المستثمرين لدفع أي ثمن مقابل الرهان على مستقبل غامض. فمن وول ستريت إلى الصناديق السيادية الخليجية، تدفقت الأموال نحو الشركة التي أوصلت إيلون ماسك إلى لقب أول تريليونير في التاريخ، وسط حماسة تثير الإعجاب بقدر ما تستدعي مباعث القلق.

وفيما تشتعل مدرجات كأس العالم بالمشجعين، يحتفي ماسك بثروة قائمة على أرقام مذهلة مع تركّز غير مسبوق للثروة والنفوذ. فالرجل بات يمتلك ما يكفي نظرياً لشراء “باي بال” أكثر من 25 مرة، أو الاستحواذ على جميع شركات السيارات الكبرى في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان مجتمعة، حسب تقديرات بلومبيرغ. كذلك فإن ثروته قادرة على تمويل عشرات الدورات الانتخابية الأميركية أو تغطية ميزانية وكالة الفضاء الأميركية “ناسا” مرات عدّة.

ماسك بات يمتلك ما يكفي نظرياً لشراء “باي بال” أكثر من 25 مرة، أو الاستحواذ على جميع شركات السيارات الكبرى في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان مجتمعة

لكن ثمة سؤال ينبغي أن يطرحه المستثمرون، وهو لا يتعلق بالمدى الذي بلغته ثروة ماسك، بل بكيفية وصول الأسواق إلى هذه التقييمات أصلاً. فمعظم هذه الثروة ليست أموالاً سائلة، بل قيم سوقية مبنية على توقعات مستقبلية. وهنا مَرْبط المخاطرة. فالتاريخ المالي زاخر جداً بشركات كبرى ومؤسّسين بدوا في لحظة نشوة استثمارية معينة أكبر من السوق نفسه قبل أن تعيدهم الوقائع إلى الأرض. فقد تحوّلت شركة “سيسكو” عام 2000 إلى الأعلى قيمة في العالم خلال فقاعة الإنترنت، ثم خسرت معظم قيمتها السوقية خلال فترة قصيرة. كذلك بدت “نوكيا” و”بلاك بيري” وكأنهما تهيمنان بلا منازع على مستقبل الاتصالات قبل أن تتغير قواعد اللعبة بسرعة مذهلة.

لا يعني ذلك أن “سبايس إكس” ستواجه المصير نفسه بالضرورة، فالشركة تمتلك إنجازات حقيقية غير مسبوقة في قطاع الفضاء، لكنها ليست محصّنة ضد مبالغات التقييم. فكلما ارتفع سعر الأصل نتيجة التوقعات أكثر من النتائج الفعلية، ازدادت حساسيته تجاه خيبات الأمل لاحقاً. وتتعزّز المخاوف عندما يتحوّل الاستثمار إلى رهان على شخص، لا على مؤسسة. فجزء كبير من الإقبال على السهم لا يستند إلى القوائم المالية بقدر ما يستند إلى الثقة بقدرة ماسك على تحقيق المستحيل. وهذه الظاهرة تحديداً كانت وراء كثير من موجات المضاربة التاريخية، حيث يصبح خوف تفويت الفرصة أقوى من رغبة تقييم المخاطر.

تحوّلت شركة “سيسكو” عام 2000 إلى الأعلى قيمة في العالم خلال فقاعة الإنترنت، ثم خسرت معظم قيمتها السوقية خلال فترة قصيرة. كذلك بدت “نوكيا” و”بلاك بيري” وكأنهما تهيمنان بلا منازع على مستقبل الاتصالات قبل أن تتغير قواعد اللعبة بسرعة مذهلة

اليوم، لا يشتري المستثمرون أسهماً في شركة فضاء فحسب، بل يشترون قصة عن المرّيخ والمستعمرات البشرية والمستقبل. وقد يكون هذا السيناريو صحيحاً في نهاية المطاف، لكن الأسواق علمتنا مراراً أن الفرق بين عظمة الاستثمار ومخاطر الفقاعة لا يكمن في جودة الحلم، بل في السعر المدفوع مقابل الرهان عليه.

ولهذا، فإن أكبر خطر يواجه مكتتبي “سبايس إكس” ليس احتمال فشلها، بل نجاحها في إقناع العالم بأن قيمتها يمكن أن ترتفع إلى ما لا نهاية. إذ حينما تتفوّق الرواية على الأرقام، وتتحوّل الثقة إلى اندفاع جماعي، يصبح تصحيح السوق مسألة وقت. عندها فقط يصبح ممكناً التمييز بين من كان يستثمر فعلاً في شركة ومن كان يشتري حلماً مؤجلاً.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف.


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...