“لوموند” ترسم صورة قاتمة عن تونس بعد خمس سنوات من تركيز السلطة في يد قيس سعيد.. عزلة دبلوماسية متصاعدة واحتقان اجتماعي وأزمة اقتصادية خانقة
رسمت صحيفة “لوموند” الفرنسية صورة قاتمة لتطور الأوضاع في تونس، معتبرة أن البلاد تعيش واحدة من أكثر المراحل تعقيدا منذ إعلان الرئيس قيس سعيّد الإجراءات الاستثنائية في الخامس والعشرين من يوليوز سنة 2021، حيث رأت الصحيفة أن الأزمة التونسية لم تعد تقتصر على الجوانب السياسية أو الاقتصادية فحسب، بل أصبحت أزمة متعددة الأبعاد تتداخل فيها العزلة الدبلوماسية، والاحتقان الاجتماعي، والانتقادات الحقوقية.
وخصصت الصحيفة جانبا مهما من تقريرها للحديث عن استدعاء السلطات التونسية للسفيرة الفرنسية في تونس يوم 24 يوليوز الجاري، معتبرة أن هذه الخطوة لا يمكن فصلها عن سلسلة من التوترات التي شهدتها علاقات تونس بعدد من الشركاء الأوروبيين خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب “لوموند”، فإن هذا التطور يعكس مستوى الحساسية التي أصبحت تطبع علاقة السلطات التونسية بالانتقادات الصادرة عن وسائل الإعلام الأجنبية أو المسؤولين الأوروبيين، خاصة عندما تتناول الوضع السياسي الداخلي أو ملف الحريات العامة.
وأوضحت الصحيفة أن استدعاء السفيرة الفرنسية جاء مباشرة بعد بث قناة “فرانس 24” مقابلتين مع الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي، الذي وجه انتقادات شديدة للرئيس قيس سعيّد، معتبرا أن البلاد تعيش “أزمة سياسية ذات خطورة استثنائية”، ومشيرا إلى أن تونس قد تكون مقبلة على “انفجار” نتيجة تراكم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
كما تحدث المرزوقي عن وجود بدائل سياسية يجري الإعداد لها داخل تونس وخارجها، وهي التصريحات التي أثارت ردود فعل رسمية تونسية دفعت إلى استدعاء السفيرة الفرنسية للتعبير عن احتجاج السلطات على ما اعتبرته تدخلاً إعلاميا يمس الشأن الداخلي.
واعتبرت “لوموند” أن هذه الواقعة تأتي ضمن سياق أوسع يتسم بتزايد التوتر بين تونس وعدد من العواصم الأوروبية، في ظل استمرار الانتقادات الغربية المتعلقة بملفات الحريات العامة، واستقلال القضاء، ومعاملة المعارضين السياسيين والصحفيين، حيث أن العلاقات بين تونس وبعض شركائها التقليديين لم تعد بنفس المستوى الذي كانت عليه قبل سنوات، خصوصا مع تواتر المواقف الأوروبية الداعية إلى احترام الحقوق الأساسية والمؤسسات الديمقراطية.
وأضافت الصحيفة أن الضغوط الاقتصادية التي تواجهها تونس تتجسد أيضاً في ارتفاع تكاليف المعيشة، واستمرار الضغوط على المالية العمومية، وتباطؤ النمو الاقتصادي، فضلا عن التحديات المرتبطة بالبطالة وتراجع القدرة الشرائية، وهي عوامل ترى أنها ساهمت في تعميق حالة الإحباط داخل قطاعات واسعة من المجتمع، خاصة في ظل غياب مؤشرات واضحة على انفراج اقتصادي سريع.
ويتزامن هذا التقرير مع استمرار الجدل بشأن واقع الحقوق والحريات في تونس منذ إعلان الإجراءات الاستثنائية في 25 يوليوز 2021، حيث تتحدث منظمات حقوقية محلية ودولية عن تراجع في عدد من المؤشرات المرتبطة بالحريات العامة، إلى جانب حملات اعتقال وملاحقات قضائية شملت شخصيات سياسية معارضة ومحامين وصحفيين ونشطاء، وهو ما أثار نقاشا واسعا داخل البلاد وخارجها حول طبيعة المرحلة التي تمر بها تونس.
وفي المقابل، تؤكد السلطات التونسية أن جميع الإجراءات التي تتخذها تندرج في إطار احترام القانون، وأن الملاحقات القضائية تستهدف أشخاصا يواجهون اتهامات محددة تتعلق بالفساد أو التآمر على أمن الدولة أو نشر الأخبار الزائفة، رافضة الربط بين هذه القضايا والانتماءات السياسية للمعنيين، ومشددة على أن القضاء هو الجهة المختصة بالفصل في مختلف الملفات.
المصدر: الصحيفة





