بعد نهاية “المنازلة الكبرى” انتعشت التشنيعات من جديد

إيطاليا تلغراف

 

 

 

إدريس عدار

 

 

أصبحت “المنازلة الكبرى”، الناتجة عن العدوان الأمريكي “الإسرائيلي” على إيران، على وشك النهاية. يوم الجمع يتم توقيع مذكرة تفاهم، وليست اتفاقية سلام، مذكرة من ورقة ونصف، سيتم تعزيزها ببروتوكولات تنفيذية تفصيلية خلال الستين يوما، قبل عرضها على مجلس الأمن.
من انتصر في الحرب ومن انهزم؟
ما دلالة شمول لبنان في المذكرة وذكره ثلاث مرات؟
أي انعكاس لنتائج الحرب، بعد أن تم تصريفها سياسيا، على المنطقة؟
ما قيمة العبارة التي انطلقت من جديد من “عاصمة الثوار الجدد” والتي تقول “لماذا تخلت إيران عن غزة” ولم يشملها الاتفاق؟
***
الحرب معادلة كبرى وليست “فري فاير” كما يعتقدها البعض. معادلة بدأت “تفاضلية مطلقا” وانتهت بانعكاس علامات الإيجاب والسلب. أمريكا تتوفر على جيش إمبراطوري، ميزانيته السنوية تريليون دولار، ما يعادل خمس مرات ميزانية جيوش الاتحاد الأوروبي مجتمعة. تتوفر على 850 قاعدة في العالم. بقياس القوة كانت أمريكا مقتنعة بأن الضربة الأولى ستحقق الأهداف الأربعة: إسقاط النظام الإيراني، ومنع البرنامج النووي، والقضاء على البرنامج الصاروخي وقطع العلاقة مع حركات المقاو/مة في المنطقة.
وبقياس الجغرافية تفوقت أمريكا على إيران بما لا يمكن عدُّه. تمتلك أمريكا جغرافية الهجوم على إيران، بينما لا تصل النار إلى حيث يوجد الشعب الأمريكي. تبعد عن إيران بحوالي 12 ألف كيلومتر.
اكتشفنا في الحرب الأخيرة أن الدولة الأمريكية الحقيقية توجد في الشرق الأوسط. قواعد ضخمة للهجوم على الخصوم والأعداء. رادارات تجسس غير موجودة في مكان آخر. مراكز للبيغ داتا. مراكز كبرى للتجسس. والشيء نفسه عن إسرائيل، التي تستفيد من أجواء الدول العربية، الممنوعة على إيران. وبالتالي هناك قرب جغرافي من جهة وبعد جغرافي من جهة أخرى.
غير أن الحرب لا تعتمد القوة وحدها، ضروري من الاقتدار، لكن الحرب هندسة. عندما تشكلها على هذا الأساس، يمكن أن تتحكم في وظائفها، وقلب إشارات المعادلة. وما كان تفاضلا لهذا الطرف قد يصبح للآخر.
من هنا نعود إلى السؤال: من انتصر ومن انهزم؟
حدد ترامب عنوانا كبيرا لنصره: لقد منعت إيران من امتلاك سلاح نووي.
واحتاج نتنياهو وقتا طويلا كي يصيغ خطابا يمكن من خلاله أن يقنع جمهوره، بعد صمت طويل، قال: لقد منعت إيران من إبادة الشعب الإسرائيلي. وأظهر أنه غير معني بالاتفاق عندما أكد أنه لن يخرج من غزة ولبنان وسوريا. إذا كانت غزة موضوعا معقدا فإن لبنان لن يبقى فيها، لكن سوريا هناك صمت مطبق لدى جماعة الجولاني.
تغيرت الأهداف من الأربعة السابقة إلى أهداف غير معلنة، بينما المفاوضات جرت حول فتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحا قبل الحرب، وإرغام إسرائيل بشمول المفاوضات الملف اللبناني.
إسرائيل التي يقول نتنياهو أنها انتصرت يراها المحلل السياسي الإسرائيلي آفي أشكنازي:
“إسرائيل ليست طرفًا في الاتفاق. بل الأصح أنها مُدرجة ضمنه، إذ إنه يحدد ما الذي ستقوم به إسرائيل وما الذي لن تقوم به. إسرائيل لم تنجح، بسبب فشل المستوى السياسي في التأثير على محتوى الاتفاق، فالمشروع النووي الإيراني لم يُنهَ، واليورانيوم المُخصّب سيبقى جزئيًا أو كليًا بيد إيران”.
فما حققه ترامب في هذه المفاوضات هو حل العُقد التي خلقتها إيران خلال الحرب، وهذا ما يسمى هندسة الحرب، عبر خلق إشكالات تُغير أهداف الحرب كلية، وعلى رأسها إغلاق مضيق هرمز واستعداد اليمن لإغلاق باب المندب حيث تم هنا استعمال وسيلة غير عسكرية في الحرب، وهو خناق كثير وصفته الصحافة “الإسرائيلية” بأن إيران “عصرت ترامب مثل الليمونة”.
لهذا إذا قيست الحرب بالخسائر تكون ستالين غراد، التي لم يبق فيها حجر على حجر، قد خسرت الحرب بينما صمودها الأسطوري هو الذي قلب نتائج الحرب وأدى إلى هزيمة هتلر. ولهذا خرج نتنياهو يعدد ما فعله في إيران من قتل للقادة وتدمير البنيات. لكن هذا قياس ما لا يقاس. فالحرب تقاس بالوظائف التي أنجزتها.
**
وبنظرة سريعة على بنود الوثيقة يمكن الحديث عن الربح والخسارة، لأن النصر غير مطروح في الحروب الهجينة، التي ليس فيها نزول إلى الأرض، باستثناء جبهة لبنان، التي فشلت إسرائيل في تحقيق أهداف واقعية، بعد أن حشدت حوالي 100 ألف جندي وفرق من النخبة ولم تتمكن خلال ثلاثة أشهر من تثبيت نقطة واحدة في لبنان.
وكما يقال فإن الحروب أحيانا يمكن أن تربحها بأبسط الأسلحة. المسيرات الانقضاضية معضلة للجيش الصهيوني. تطاردهم كالجردان. لقد قلبت المعادلة بشكل كبير، تم بناء على هذه النتائج صياغة معادلة جديدة، وهي أي قصف تتعرض الضاحية الجنوبية لبيروت ترد عليه إيران برد على شمال “الكيان الأزرق”.
رغم محاولات السلطة اللبنانية المشاركة في الهدف الأمريكي الإسرائيلي عبر فصل المسارين، فإن الضغط الإيراني فرض ربطهما.
وهنا يُرد على أصحاب مقولة: إيران تستعمل أذرعها لفائدتها وتحقيق مصالحها. من ألف أن يكون ذيلا يتحدث عن التحالف بأنه تبعية. فلنختبر ماذا استفادت إيران وماذا استفاد لبنان. مع الإشارة إلى أنه قبل تحرير سنة 2000 كان الحزب يُنعت بأنه يقوم بعملياته لأن سوريا تريد تحقيق مكاسب في المفاوضات حول الجولان. تحرر الجنوب وضاعت الجولان.
لو أرادت إيران أن يكون الجنوب ورقة في يدها لما قدمت تنازلات لأمريكا مقابل تأكيد ارتباط المسارين. يمكن التخلي عن لبنان مقابل مكاسب كبيرة جدا.
لماذا ارتبط لبنان بالملف بينما دخلت غزة ضمن جملة “وقف الحرب في كل الجبهات”؟
التسمية التي حظي بها لبنان لها جنبة لا يمكن القفز عليها. في غزة يوجد وقف لإطلاق النار له وسطاء وضامنون وهم أمريكا وتركيا وقطر ومصر ناهيك عن مجلس السلام. لا يسائلهم أحد عن موقفهم ودورهم.
في لبنان تعرضت المقاو/مة لهجومات كثيرة بعد انخراطها في إسناد غزة. من جهة مساندو حما/س اعتبروا مشاركتها ليست بالمستوى المطلوب بمن فيهم القيادي في الحركة خالد مشعل. ومن جهة تعرض للضغط الداخلي بل فقدت حتى حليفها “التيار الوطني الحر” بسبب هذا الإسناد. بغض النظر عن الموقف من هذه المعركة، يمكن القول إنها قوس تم إغلاقه باتفاق وقف إطلاق النار، والذي التزمت به المقاو/مة بشكل كامل بينما لم تلتزم إسرائيل بأي شيء.
وهذا أكده الرئيس عون وحتى نواف سلام قبل الانقلاب غير المفهوم، حيث أكثر من مرة قالوا إن لبنان نفذ ما عليه بينما إسرائيل لم تلتزم بشيء.
صبر الحزب 15 شهرا وكان يحذر بشكل مستمر. بعض اللبنانيين يتهمونه بخرق وقف إطلاق النار يوم 2 مارس الماضي. وهذه مغالطة، لأن وقف إطلاق النار كان من جانب واحد وكان من حق المقاو/مة أن ترد في أي وقت. استغلت الظرف فأرسلت ستة صواريخ أهدتها لروح الإمام الخامنائي. لكن كانت واضحة عندما قال الأمين العام للحزب إن ما نقوم به هو دفاع عن لبنان وإذا التزمت إسرائيل باتفاق 1701، فسوف نلتزم. إذن لم إسنادا ولكن دفاعا تم استهلاله بتحية الخامنائي.
هذه التحية أصبحت دينا في رقبة الإيرانيين، حيث في كل تظاهراتهم يرفعون شعارات تطالب بشمول الاتفاق للبنان، ورفض أي اتفاق لا يكون فيه لبنان، الذي ساندهم فكيف يتخلون عنه. لم تعد القيادة الإيرانية حرة في الأمر.
ورغم محاولات فك الارتباط، فإن هذا المسار لم ينجح، وعاد الرئيس اللبناني ليشيد بمذكرة التفاهم التي شملت لبنان. وهذا أمر مهم يمكن للدولة اللبنانية إذا أرادت التقاط الرسالة أن تبني عليه لتطلب بالانسحاب الشامل وعودة النازحين والأسرى وإعادة الإعمار. ولعل الجليد بدأ يذوب من خلال الاتصال الهاتفي الذي أجراه عباس عراقجي، وزير خارجية إيران مع الرئيس اللبناني، الذي لم يتلق لحد الآن أي إخبار رسمي أمريكي بالاتفاق، بينما قال نائب الرئيس الأمريكي إن تنفيذ الاتفاق سيتم من خلال الحوار مع “إسرائيل” والحبث عن قناة تواصل مع الحزب.
*****
ما إن تم الإعلان عن الاتفاق، حتى عادت ماكينة التشنيع إلى ما كانت عليه، وخرجت من عاصمة “الثوار الجدد” اللازمة، التي ظهرت باكرا في حساب الإسرائيلي إيلي كوهين “غزة تُركت لوحدها ولم يشملها الاتفاق”. مضحك هذا الأمر.
الوقاع كان يفرض أن تضغط الدولة اللبنانية على شمول الاتفاق لبنان، ووقف شامل للحرب، تم تنخرط هي في مفاوضات الانسحاب واستثمار هذا المعطى.
وبدل العودة إلى الشعار الملتبس “غزة تُركت لوحدها” كان الأحرى مطالبة تركيا وقطر ومصر الضغط على أمريكا واستثمار نقطة “وقف الحرب على كافة الجبهات” لتحقيق مكاسب في غزة. فمن ترك غزة لوحدها سوى هؤلاء؟ المحور كان ولا زال داعما بكل شيء. بينما أردوغان استمر في العلاقات مع إسرائيل والاتفاقيات التجارية ظلت سارية المفعول. لو كانت لدى إيران حسابات ضيقة مثلهم لالتقطت بيان حما/س الذي أدان ما أسمته الهجوم على الأشقاء العرب وهاجمتها. ولكن شملتها بالعبارة العامة “كافة الجبهات”، غير أن هذا مطلبا يمكن تحقيقه بتكاثف جهود أخرى نظرا لتعقيد الموضوع. خصوصا وأن غزة مشمولة باتفاق ترعاه تركيا وقطر حلفاء حركة حما/س.
******
الورقة التي سيتم توقيعها الجمعة، تعلن أن واقعا جديدا وُلد اليوم، ويمكن استثماره من قبل الجميع، إيران التي أريد الإطاحة بها هي اليوم قوة بمستوى من المستويات، منها أن فتح مضيق هرمز يخضع لترتيبات إيرانية، وهذا أكده أيضا دي فانس عندما قال “نأمل أن يفتح المضيق دون رسوم”، وكلمة نأمل ليست إلزامية، وهذا الأمر يخضع للبروتوكلات التنفيذية.
نعم خسرت إيران الكثير منها قيادتها وبينات تحتية، التي سيتم إعمارها بأموال “العرب”، الذين خسروا في الحرب ثمن الدفاع عن أمريكا، والإفراج عن أموالها المجمدة ورفع العقوبات على النفط الإيراني ومبيعات البتروكيماويات.
لكن هناك أمر مهم: هو أن الاتفاق النهائي بين إيران وأمريكا سيُعتمد بقرار من مجلس الأمن الدولي.
بينما ترى إيران أن ما خسرته من دماء وأموال وبنيات هو كلفة مواجهة عدوان تفادته بشكل كبير، بدليل وجودها على طاولة المفاوضات يومين قبل الهجوم عليها، وترى أنها حققت مكتسبات لها ولحلفائها، يمكن قراءتها من وظائف المعادلة لا من حسابات الخسائر، بينما هي كذلك شنت الصحف الإسرائيلية هجوما على نتنياهو، واعتبروا خطابه مجرد هروب في أهداف وهمية، لأن “إسرائيل غير الآمنة” أصبح ثابتا، وهاجمه السياسيون بل هاجمه حتى ترامب في خطاب أمام قمة السبع، الذي قال “لولا أنا لما بقيت إسرائيل” نتيجة الصواريخ الإيرانية، وليس حسب ما ادعاه هو أنه منع الإبادة عن طريق السلاح النووي. يعني إسرائيل يمكن القضاء عليها بالصواريخ بدون أمريكا.
لكن الاتفاق لم يشمل بتاتا النقاش حول البرنامج الصاروخي، بينما تتم مفاوضات حول البرنامج النووي في بعض التفاصيل لا في أصل البرنامج الذي سيتحول إلى حق مؤكد عن طريق مجلس الأمن، ولم يشمل العلاقة مع قوى المقاو/مة بدليل شمول لبنان في الاتفاق.
كانت الحرب تقصد تحقيق أٍبعة أهداف، فشلت فيها كاملة، وتحولت إلى حل العقد التي خلقها ترامب لنفسه، بتعبير عديد من الصحف الأمريكية.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...