قبل 3 أشهر من انتخابات 2026.. دراسة ميدانية تكشف أن 90% من المغاربة يتهمون المنتخبين بنقض الوعود وربعهم يقاطعون صناديق الاقتراع
كشفت دراسة ميدانية واسعة أنجزتها جمعية “المواطنون”، وشملت نحو ثلاثة آلاف مغربي عبر مختلف جهات المملكة، عن مؤشرات مقلقة بشأن علاقة المواطنين بالعملية السياسية والأحزاب والمؤسسات المنتخبة، وذلك قبل أشهر قليلة فقط من موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026.
وأظهرت النتائج أن تسعة مغاربة من أصل عشرة يعتقدون أن المنتخبين لا يحترمون الوعود التي يقدمونها للناخبين، في وقت تتعمق فيه مشاعر عدم الثقة في الأحزاب السياسية والمؤسسات العمومية وتتسع دائرة العزوف الانتخابي رغم استمرار تمسك فئات واسعة بمبدأ الديمقراطية وأهمية التصويت في حد ذاته.
واعتمدت الدراسة التي أجريت بين شهري يناير وأبريل 2026 على آراء 2992 مشاركا من مختلف مناطق المملكة، مع الإشارة إلى أن العينة تتكون أساسا من مواطنين حضريين ومتعلمين ومنخرطين نسبيا في الشأن العام، وهو ما يمنح النتائج دلالة خاصة بالنظر إلى أن الفئات الأكثر قربا من النقاش العمومي هي نفسها التي تعبر عن مستويات مرتفعة من فقدان الثقة في المؤسسات السياسية.
وكشفت المعطيات الواردة في التقرير عن مفارقة لافتة فبينما يعتبر 66.6 في المائة من المشاركين أن التصويت واجب مدني مهم أو مهم جدا، فإن نسبة الذين يثقون في مصداقية نتائج الانتخابات الأخيرة لا تتجاوز 13.6 في المائة، مقابل 56.3 في المائة منحوا أسوأ تقييم ممكن لمصداقية تلك النتائج، كما أن الثقة في المؤسسات العمومية تبدو في مستويات متدنية للغاية، إذ لم تتجاوز نسبة من يعبرون عن ثقتهم فيها 8.3 في المائة فقط، فيما قدم 66.1 في المائة تقييما سلبيا لأدائها.
ولا تقف الأزمة عند حدود الثقة في الانتخابات أو المؤسسات بل تمتد إلى تقييم المواطنين لمكانة الشباب داخل الحياة السياسية، حيث اعتبر 86.7 في المائة من المستجوبين أن حضور الشباب وتأثيرهم في القرار السياسي ضعيف أو ضعيف جدا، بينما لم تتجاوز نسبة من يرون أن وضعية الشباب السياسية مرضية 2.2 في المائة فقط، ما يعكس شعورا واسعا بالإقصاء السياسي لدى الفئات الشابة.
وأبرزت نتائج الدراسة حجم الهوة المتزايدة بين الأحزاب السياسية والمجتمع، إذ أكد 79.5 في المائة من المشاركين أنهم لا تربطهم أي علاقة بالأحزاب السياسية بينما لا تتجاوز نسبة الذين يستفيدون من تواصل مباشر معها على أرض الواقع 2.4 في المائة فقط، في حين قال 6.1 في المائة إن تواصلهم مع الأحزاب يتم عبر الأنشطة الميدانية والرقمية معا، وتعتبر هذه الأرقام مؤشرا على تراجع قدرة الأحزاب على الحفاظ على قنوات تواصل مستمرة مع المواطنين خارج الفترات الانتخابية.
ويبدو الحكم الشعبي على أداء الأحزاب أكثر قسوة من ذلك، إذ يرى أكثر من 88 في المائة من المستجوبين أن الأحزاب لا تهتم فعليا بمشاكل المواطنين ولا تنشغل بقضاياهم اليومية، بينما اعتبر 90.4 في المائة أن المنتخبين لا يحترمون الالتزامات التي تعهدوا بها خلال الحملات الانتخابية، وهو ما يجعل هذا المؤشر من أكثر المؤشرات دلالة على حجم أزمة الثقة التي تعيشها الحياة السياسية المغربية قبل استحقاقات 2026.
كما حصلت أساليب التواصل الحزبي على تقييمات متدنية جدا، حيث منح 76.7 في المائة من المشاركين أسوأ نقطة ممكنة لطرق التواصل التي تعتمدها الأحزاب مع المواطنين، في مؤشر على تراجع فعالية الخطاب السياسي التقليدي وصعوبة وصول الرسائل الحزبية إلى الرأي العام.
وفي المقابل، أكدت الدراسة أن هذا التراجع في الثقة لا يعني انسحابا كاملا من الشأن العام، بل يعكس ما وصفه معدو التقرير بـ”الانسحاب النقدي”، حيث يواصل المواطنون متابعة الأخبار السياسية والنقاشات العمومية لكن عبر فضاءات جديدة خارج القنوات التقليدية، فقد أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي المصدر الأول للمعلومة السياسية بالنسبة لـ74 في المائة من المستجوبين، متقدمة بفارق كبير على الصحافة المكتوبة والإلكترونية التي لم تتجاوز حصتها 13.6 في المائة، بينما تراجعت التلفزة إلى 3.4 في المائة والإذاعة إلى 0.4 في المائة فقط.
وسلطت الدراسة الضوء أيضا على التحديات المرتبطة بالمشاركة الانتخابية. فرغم اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، فإن 53.1 في المائة فقط من المستجوبين أكدوا أنهم مسجلون في اللوائح الانتخابية، مقابل 38.7 في المائة غير مسجلين، فيما يجهل 8.2 في المائة وضعيتهم الإدارية بشكل كامل كما صرح 41.3 في المائة من الناخبين المؤهلين أنهم قاطعوا انتخابات 2021 بشكل متعمد في حين أكد 47.9 في المائة فقط أنهم سبق لهم التصويت مرة واحدة على الأقل في حياتهم.
أما بخصوص انتخابات 2026، فأظهرت المعطيات أن نوايا التصويت ما تزال هشة ومجزأة، فقد أكد 27.9 في المائة أنهم سيشاركون “بالتأكيد” بينما قال 14.4 في المائة إنهم سيصوتون “على الأرجح”، أي أن نسبة من لديهم توجه إيجابي نحو المشاركة لا تتجاوز 42.3 في المائة، وفي المقابل عبر 38.6 في المائة عن نية سلبية تجاه المشاركة بينما لا يزال 19.1 في المائة مترددين ولم يحسموا قرارهم بعد.
غير أن المعطى الأكثر إثارة للانتباه يتمثل في وجود ما وصفه التقرير بـ”النواة الصلبة للعزوف الانتخابي”، إذ أكد 24.1 في المائة من المشاركين أن أيا من الإجراءات المقترحة لن يكون كافيا لإقناعهم بالمشاركة في الاقتراع، وهو ما يطرح تحديات حقيقية أمام الأحزاب والمؤسسات المشرفة على العملية الانتخابية في أفق استحقاقات شتنبر المقبل.
وكشفت الدراسة أن أزمة الثقة تمثل العامل الرئيسي وراء العزوف الانتخابي فبالنسبة لغير المسجلين في اللوائح الانتخابية، اعتبر 53.4 في المائة أن السبب الأول هو انعدام الثقة، فيما يرى 20.3 في المائة أن التصويت لا يحقق أي تغيير ملموس.
أما بين الذين قاطعوا انتخابات 2021، فقد أرجع 51.9 في المائة قرارهم إلى فقدان الثقة في الأحزاب السياسية، و22.1 في المائة إلى اعتقادهم بأن التصويت لا يغير شيئا، بينما اعتبر 11.3 في المائة أن المرشحين لا يمثلون تطلعاتهم الحقيقية، وتشكل هذه الأسباب الثلاثة مجتمعة أكثر من 85 في المائة من دوافع عدم المشاركة السياسية.
وفي المقابل، حمل التقرير معطى مفاجئا يتعلق بالشباب المغربي إذ أظهر أن الفئة العمرية ما بين 18 و24 سنة تعد الأكثر استعدادا للمشاركة في الانتخابات مقارنة بباقي الفئات العمرية، حيث عبر 49.8 في المائة منهم عن نية إيجابية للتصويت، غير أن هذه الفئة نفسها هي الأكثر انتقادا لموقع الشباب داخل الحياة السياسية والأكثر تشكيكا في قدرة الأحزاب على تمثيل تطلعاتها.
كما بينت الدراسة أن النساء يبدين استعدادا أكبر للمشاركة الانتخابية مقارنة بالرجال، إذ بلغت نسبة من يؤكدن أو يرجحن التصويت 49 في المائة مقابل 39.6 في المائة لدى الرجال رغم استمرار العراقيل التي تحد من مشاركة النساء السياسية والإدارية.
وفي محاولة لاستشراف سبل استعادة الثقة، حدد المشاركون عددا من الإجراءات التي يمكن أن تدفعهم إلى المشاركة بشكل أكبر، أبرزها ضمان نزاهة الانتخابات بنسبة 47.5 في المائة، وتقديم برامج سياسية واضحة ومفهومة بنسبة 42.9 في المائة، وفتح المجال أمام الشباب للترشح بنسبة 40.6 في المائة، وتعزيز شفافية تمويل الأحزاب بنسبة 39.7 في المائة، فضلا عن تحسين إخبار المواطنين بمختلف مراحل العملية الانتخابية بنسبة 37.7 في المائة.
وخلصت الدراسة إلى أن انتخابات 2026 قد تشكل اختبارا حاسما لمستقبل المشاركة السياسية بالمغرب، في ظل تزايد مؤشرات فقدان الثقة وتنامي العزوف الانتخابي، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن أدوات إعادة بناء الثقة لا تزال متاحة، سواء من خلال تعزيز الشفافية الانتخابية أو تقوية آليات المراقبة أو تجديد النخب السياسية أو تحسين التواصل مع المواطنين، غير أن استمرار المؤشرات الحالية دون معالجة حقيقية قد يحول العزوف الانتخابي من ظاهرة ظرفية إلى سلوك سياسي دائم يهدد مستويات المشاركة وشرعية المؤسسات المنتخبة خلال السنوات المقبلة.
المصدر: الصحيفة





