في محاولة تبدو غريبة في ظاهرها ومناقضة للمنطق، كشف تقرير للجزيرة أعدته المذيعة أسماء علي عن تجربة علمية واقعية تُجرى حاليا لإنقاذ جليد القطب الشمالي من الذوبان، تعتمد ببساطة على سكب المزيد من المياه عليه.
ولفهم أبعاد هذا المشروع، يجب الإشارة إلى الخطر المناخي المحدق؛ فالجليد البحري في القطب الشمالي يعمل كمرآة طبيعية تعكس نحو 70% من أشعة الشمس إلى الفضاء. ومع ذوبانه، تنكشف مياه المحيط الداكنة التي لا تعكس سوى 7% فقط من الحرارة، مما يسرع وتيرة الاحترار العالمي بشكل خطير.
أمام هذا التحدي، بدأت شركة “ريال آيس” باختبار تقنية مبتكرة تقوم على ضخ مياه البحر فوق طبقات الجليد خلال فصل الشتاء لتتجمد بسرعة، مما يزيد من سماكة الجليد ويجعله أكثر قدرة على الصمود أمام حرارة الصيف الشديدة. وتظهر نتائج التجربة بوضوح عبر صور الأقمار الاصطناعية، حيث تبدو منطقة الاختبار كجزيرة بيضاء متماسكة وسط بحر أزرق داكن.
وقد أُجريت هذه التجربة في شمال كندا، حيث ضخ الباحثون 50 ألف طن من مياه البحر فوق جليد بسماكة متر ونصف المتر، مما أضاف إليه 50 سنتيمترا من السماكة الجديدة. ولم تقتصر المفاجأة على زيادة الحجم فحسب، بل تبين أن “التجميد السريع” حبس فقاعات هواء أكثر داخل الجليد، مما زاد من درجة بياضه وبالتالي رفع قدرته على عكس أشعة الشمس وحرارتها.
وفي مسار مواز، يختبر الفريق تقنية أخرى تعتمد على حفر ثقوب لتصريف برك المياه السطحية الذائبة، بهدف إعادة كشف الجليد الأبيض وإبطاء عملية الذوبان.
تحدي المساحة والمليارات المطلوبة
ورغم المؤشرات الأولية المشجعة، يصطدم المشروع بتحدي المساحة الهائل؛ فالقطب الشمالي يفقد سنويا نحو 3 ملايين كيلومتر مربع من جليده البحري، وهي مساحة تعادل تقريبا مساحة الهند. ولتجاوز هذه العقبة، يعمل الباحثون على تطوير طائرات وغواصات مسيّرة لتنفيذ هذه العملية على نطاق واسع، في خطوة قد تكلف مليارات الدولارات.
وتثير هذه المقاربة القائمة على “الهندسة المناخية” تساؤلات علمية وبيئية واسعة؛ إذ يخشى منتقدون أن يصرف هذا الحل الانتباه عن العلاج الجذري والأساسي للأزمة المتمثل في خفض الانبعاثات الكربونية، فضلا عن المخاوف المرتبطة بتأثير ضخ كميات ضخمة من المياه المالحة على النظام البيئي الهش في المنطقة القطبية.
من جانبهم، يؤكد القائمون على المشروع أن هدفهم الحالي ليس التطبيق الشامل الفوري، بل الإجابة عن ثلاثة أسئلة محورية:
- هل تنجح هذه التقنية في إبطاء الذوبان لفترات طويلة?
- هل تتسبب بأي آثار بيئية ضارة؟
- هل يمكن تطبيقها من الناحيتين الاقتصادية والتقنية على مساحات شاسعة؟
يبقى السؤال مفتوحا أمام المجتمع الدولي وقادة المناخ: هل يمثل التدخل الهندسي في الطبيعة الملاذ الأخير لإنقاذ الكوكب، أم أن خفض الانبعاثات الكربونية يظل الخيار الوحيد المستدام؟
المصدر: الجزيرة





