مبادرة تشكيل لجنة تقصي الحقائق في “دعم المواشي” بمجلس النواب تصبح أحد أكثر الملفات إحراجا للأغلبية الحكومية

إيطاليا تلغراف متابعة

انتقل الجدل حول الدعم العمومي الموجه لقطاع المواشي من مستوى النقاش المرتبط بارتفاع أسعار اللحوم والأضاحي إلى مستوى المواجهة السياسية والبرلمانية المفتوحة بعدما تحولت مبادرة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بمجلس النواب إلى أحد أكثر الملفات إحراجا للأغلبية الحكومية خلال الأشهر القليلة لما تبقى من عمر الولاية التشريعية الحالية.

ففي الوقت الذي بدأت فيه ملامح اصطفاف سياسي تتشكل داخل البرلمان، ما يزال فريق التجمع الوطني للأحرار الذي يقود الحكومة ويتوفر على أكبر تمثيلية نيابية داخل مجلس النواب دون موقف رسمي معلن بشأن المبادرة رغم تصاعد الضغوط السياسية والإعلامية المحيطة بالملف بالموازاة مع غضب الشارع إزاء الموضوع في سياق الغلاء المستمر على مستوى اللحوم وأيضا الأضاحي خلال عيد الاضحى السابق والذي حرم أسر عدة من أداء الشعيرة.

وكشفت مصادر من داخل حزب التجمع الوطني للأحرار لـ”الصحيفة” أن الموضوع لم يحسم بعد داخل الحزب ولا داخل فريقه النيابي غير أنه ليس بعيدا عن موقف واضح، مؤكدة أن الملف سيكون موضوع تداول ونقاش خلال اجتماعات مرتقبة مع القيادة الحزبية من أجل بلورة موقف نهائي.

 وأوضحت المصادر ذاتها التي فضلت عدم الكشف عن هويتها لأسباب تنظيمية، أن ما يتم تداوله إعلاميا يجانب الواقع ولا يعكس وجود قرار رسمي وأن الحزب لم يصدر إلى حدود الساعة أي موقف واضح يؤيد أو يرفض تشكيل لجنة تقصي الحقائق وأن القرارات الحزبية “يتم تداولها داخليا بشكل ديمقراطي”.

من جهة ثانية، يضع هذا المعطى رئيس الفريق النيابي الجديد ياسين عوكاشا أمام أول اختبار سياسي حقيقي منذ انتخابه خلفا لمحمد شوكي الذي انتخب رئيسا لحزب التجمع الوطني للأحرار، سيما وأن الأمر يتعلق بقضية تمس بشكل مباشر حصيلة الحكومة التي يقودها حزبه وترتبط بإنفاق مئات الملايين من الدراهم من المال العام في سياق أزمة غير مسبوقة عرفها القطيع الوطني بسبب توالي سنوات الجفاف.

ويكتسي موقف الأحرار أهمية استثنائية بالنظر إلى الوزن العددي للفريق داخل مجلس النواب، فالحزب يتوفر على 102 نائب من أصل 395 عضوا ما يجعله أكبر فريق برلماني بالمؤسسة التشريعية كما يقود الأغلبية الحكومية التي تضم كذلك حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال.

وتزداد أهمية هذا المعطى بالنظر إلى أن تشكيل لجنة تقصي الحقائق يخضع لمقتضيات دستورية دقيقة، إذ ينص الفصل 67 من الدستور على أنه يمكن للملك أو لثلث أعضاء مجلس النواب أو لثلث أعضاء مجلس المستشارين إحداث لجان نيابية لتقصي الحقائق، يناط بها جمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة أو بتدبير المصالح أو المؤسسات أو المقاولات العمومية وإطلاع المجلس الذي أحدثها على نتائج أعمالها.

وبالنظر إلى أن مجلس النواب يتكون من 395 نائبا، فإن إحداث اللجنة يحتاج إلى توقيع ما لا يقل عن 132 نائبا، وهو رقم يصعب بلوغه عمليا دون مساهمة جزء من مكونات الأغلبية أو دون موافقة أحد الفرق الكبرى داخل المجلس.

وتنص المقتضيات التنظيمية كذلك على أن لجنة تقصي الحقائق تتمتع بصلاحيات واسعة في جمع المعلومات والوثائق والاستماع إلى المسؤولين والإدارات والمؤسسات المعنية، قبل إعداد تقرير نهائي يعرض على الجلسة العامة وينشر وفق المساطر المعمول بها.

ويأتي هذا النقاش في وقت ما تزال فيه الأرقام المرتبطة بدعم استيراد المواشي تثير الكثير من الجدل داخل الأوساط السياسية والاقتصادية فخلال سنتي 2023 و2024 اعتمدت الحكومة سلسلة من الإجراءات الاستثنائية لمواجهة أزمة ارتفاع أسعار اللحوم وتراجع القطيع الوطني، من بينها إعفاء الأغنام والأبقار المستوردة من الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة، إلى جانب تخصيص دعم مباشر لاستيراد الأغنام الموجهة لعيد الأضحى.

وكشفت الحكومة في وقت سابق أن الدعم المباشر المخصص لاستيراد الأغنام خلال موسمي عيد الأضحى لسنتي 2023 و2024 بلغ حوالي 437 مليون درهم، واستفاد منه 156 مستوردا مقابل استيراد ما يقارب 875 ألف رأس من الأغنام.

كما شملت الإجراءات الحكومية فتح باب استيراد الأبقار والأغنام وإلغاء الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة بهدف تعزيز العرض الوطني وخفض الأسعار.

غير أن هذه التدابير لم تنجح في إنهاء الجدل، بعدما استمرت أسعار اللحوم الحمراء في تسجيل مستويات مرتفعة خلال فترات طويلة، وهو ما غذى الانتقادات السياسية ودفع عددا من الفرق البرلمانية إلى المطالبة بالكشف عن المعطيات الكاملة المتعلقة بالمستفيدين وحجم الدعم وآثاره الفعلية على السوق الوطنية.

وخلال الأيام الأخيرة اكتسبت مبادرة لجنة تقصي الحقائق زخما إضافيا بعد إعلان قيادات وبرلمانيين من حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال استعدادهم لدعم المبادرة، في خطوة اعتبرها متابعون مؤشرا على وجود رغبة داخل جزء من الأغلبية في نقل النقاش من مستوى السجال الإعلامي إلى مستوى التحقيق البرلماني المؤسساتي.

وفي المقابل، اختار التجمع الوطني للأحرار إلى حدود الآن التريث وعدم إعلان موقف رسمي، وهو ما جعل الأنظار تتجه نحو القيادة الجديدة للفريق النيابي التي تجد نفسها أمام أول ملف سياسي ثقيل منذ إعادة ترتيب هياكل الحزب البرلمانية عقب انتخاب محمد شوكي رئيسا للحزب.

وتكمن حساسية الملف بالنسبة للأحرار في كونه لا يتعلق فقط بمبادرة رقابية عادية، بل بملف يرتبط مباشرة بأحد أكثر المواضيع استقطابا للرأي العام خلال السنتين الأخيرتين، أي أسعار اللحوم وفعالية الدعم العمومي وقدرة السياسات الحكومية على تحقيق أثر مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين.

كما أن الملف يأتي في سياق سياسي خاص يتسم باقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، حيث أصبحت مختلف الأحزاب أكثر حساسية تجاه الملفات ذات الصلة بالمعيش اليومي للمواطنين وبقضايا الحكامة وتدبير المال العام.

وبينما تواصل المعارضة تحركاتها لحشد الدعم اللازم لتفعيل اللجنة، تستمر المشاورات داخل الأغلبية بشأن الموقف النهائي من المبادرة، في وقت تؤكد فيه مصادر “الصحيفة” أن النقاش لم يحسم بعد داخل التجمع الوطني للأحرار وأن القرار النهائي سيصدر بعد التداول مع القيادة الحزبية.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...