* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
* بين القيمة السوقيّة وواجب تمثيل الوطن..!
بعض المنتخبات في تاريخ كرة القدم بقيت خالدة في ذاكرة الجماهير، ليس لأنها ضمّت أكبر النجوم، بل لأنها جسّدت فكرة أن اسم الوطن على صدر القميص أهم من الاسم المكتوب على ظهره.
هذه الفكرة هي التي تجعل الجماهير تتسامح مع الخسارة أحيانًا عندما ترى الإخلاص والروح القتالية والانضباط، لكنها نادرًا ما تتسامح مع الشعور بأن المصلحة الشخصية قد قُدِّمت على مصلحة المنتخب الوطني.
عندما يصبح الهدف الأول للاعب هو رفع قيمته السوقيّة أو صناعة صورة فرديّة لامعة، فقد يميل إلى الاحتفاظ بالكرة أكثر من اللازم، أو البحث عن الأهداف واللقطات الاستعراضية بدل التمريرة الأفضل، أو المخاطرة الفردية على حساب الحل الجماعي، أو التركيز على الإحصائيات الشخصية أكثر من تركيزه على مصلحة الفريق.
في المقابل، تبقى كرة القدم في جوهرها لعبة جماعية؛ إذ يعتمد النجاح فيها على حسن التمركز، والتغطية، والضغط المشترك، وتبادل الأدوار بين اللاعبين.
ولهذا نرى أحيانًا فرقًا تضم نجومًا كبارًا تفشل في تحقيق النتائج المتوقعة، بينما تنجح فرق أقل موهبة فردية بفضل الانضباط الجماعي والتنسيق المحكم.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن السعي إلى زيادة القيمة السوقية أو الشهرة يفسد كرة القدم دائمًا؛ فاللاعب الذي يطوّر مستواه الفني والبدني ويحقق أرقامًا مميزة قد يخدم فريقه ومنتخبه في الوقت نفسه.
غير أن المشكلة تبدأ عندما تتغلب المصلحة الفردية على المصلحة الجماعية.
في الأنديّة، تبدو العلاقة أقرب إلى مشروع رياضي واقتصادي؛ فاللاعب محترف، والنادي مؤسسة تسعى إلى البطولات والعوائد المالية، ومن الطبيعي أن تتداخل المصالح الاقتصادية مع الأداء الرياضي.
أما في كأس العالم، فإن الأمر يكتسب بعدًا رمزيًا أوسع.
فالمنتخب لا يمثل مالكًا أو مستثمرًا، بل يمثل وطنًا وشعبًا وهويةً وتاريخًا.
ولذلك يشعر المواطن، الذي يساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تمويل البنية الرياضية من خلال الضرائب والموارد العامة، بأن اللاعبين والجهاز الفني والإداري يحملون أمانة تتجاوز العقود الإعلانية والقيمة السوقية.
ومن هذا المنظور، يصبح المطلوب من اللاعب الدولي أن يقدّم مصلحة المنتخب على الاعتبارات الشخصية، وأن يلتزم بالخطة التكتيكية حتى لو قلّلت من فرص تألقه الفردي، وأن يبذل أقصى ما لديه بدنيًا وذهنيًا من أجل النتيجة الجماعية، وأن يدرك أنه يمثل ملايين المواطنين لا نفسه وحده.
ومع ذلك، يبقى من الضروري التمييز بين التوقع الأخلاقي والواقع المهني؛ فاللاعب في النهاية محترف له مسيرة ومصالح ومستقبل.
ومن ثم فإن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد التوازن الذي يمنع الحسابات الفردية من طغيانها على الواجب الوطني أثناء المنافسات الدولية.
* الخلاصة:
إن تحويل كرة القدم إلى منصة لزيادة القيمة السوقية وصناعة النجومية الفردية يضعف الروح الجماعية للفريق.
فعندما يقدّم اللاعب تألقه الشخصي على حساب التنسيق والتعاون والوعي التكتيكي، تتفكك المنظومة الجماعية وتفقد قدرتها على المنافسة، مهما بلغت المهارات الفردية للاعبين.
فالبطولات الكبرى لا تحسمها الأسماء وحدها، بل تحسمها أيضًا الروح الجماعيّة والإحساس بالمسؤولية تجاه الوطن الذي يمثله المنتخب.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





