كيف أفسد الشرع على ترمب خطته في لبنان؟

 

 

 

 

 

عمر كوش
كاتب وباحث سوري.

 

 

أثار الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، جدلا واسعا، بعد أن كرر تلويحه بإمكانية قيام سوريا بتدخل عسكري داخل لبنان، لقتال “حزب الله” بدلا من جيش الاحتلال الإسرائيلي، وسط تساؤلات تمتد من دمشق إلى بيروت وصولا إلى واشنطن، حول الحيثيات التي دفعت ترمب لطرح مثل هذا الخيار، وحول الغاية من تصريحاته الهادفة إلى توريط سوريا في لبنان، وسط إجماع في الأوساط السياسية على عدم واقعيتها سياسيا وعسكريا.

الذريعة التي قدمها الرئيس ترمب، في تصريحاته، على هامش قمة مجموعة السبع، هي أن سوريا “ستقوم بالمهمة بشكل أفضل” من إسرائيل، لذلك اقترح على بنيامين نتنياهو أن تتولى سوريا المهمة بدلا من جيشه. لكن هذه الذريعة تعبر عن خفة طرحه، واستخفاف بكل من سوريا ولبنان، فضلا عن جهل بالصفحات المؤلمة في تاريخ علاقات البلدين خلال حقبة نظام الأسد البائد.

مواقف رافضة

تعكس هذه التصريحات رغبة أمريكية في إشراك سوريا الجديدة في ترتيبات إقليمية أوسع، خصوصا بعد التوصل إلى مذكرة التفاهم التي أنجزت بين واشنطن وطهران بوساطة باكستانية وقطرية. وتتقاطع مع سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة التي تقوم على إعادة رسم التوازنات الإقليمية، وفق نهج يهدف إلى الحد من أدوار المجموعات المسلحة الخارجة عن سيطرة دول المنطقة، ومن ضمنها “حزب الله” اللبناني، وفصائل “الحشد الشعبي” في العراق وسواهما.

على النقيض من ذلك جاءت تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع، كي تؤكد الموقف السوري الرافض لأي تدخل في لبنان، وإدراكه مدى خطورة تورط سوريا بأي عمل عسكري فيه، ما يعني أن الإدارة الحالية ليست في وارد الانخراط عسكريا في الساحة اللبنانية، أو العودة إلى الأدوار السابقة، التي لعبها النظام البائد في لبنان بعد عام 1975.

وينسجم هذا التوحه مع حالة أن سوريا التي خرجت من سنوات طويلة من الصراع، ليست في وارد فتح جبهات جديدة، أو تصدير أزماتها إلى محيطها، بل تسعى إلى إعادة بناء مؤسساتها وتعافي مجتمعها.

كذلك الأمر في لبنان، الذي أبدى رفضا قاطعا لمقترح ترمب، حيث اعتبرت الحكومة اللبنانية أن نزع سلاح “حزب الله”، هو مسؤولية الدولة اللبنانية. فيما رفضته أيضا عدة قوى لبنانية، واعتبرته دفعا نحو حرب سورية مفتوحة ضد “حزب الله”، ما سيؤدي إلى تغيير البيئة المحيطة به، ويؤثر سلبا على السلم الأهلي في البلاد.

كما قوبلت تصريحات ترمب بالتشكيك والسخرية من قبل أصوات أمريكية، حيث شكك عدد من أعضاء مجلس الشيوخ، وخبراء السياسة في الشرق الأوسط، في قدرة سوريا على أداء هذا الدور، واعتبروا مقترح ترمب يفتقر إلى الواقعية في ظل موازين القوى الحالية في المنطقة.

أما إسرائيل، فقد نظر ساستها وجنرالاتها بشيء من القلق إزاء المقترح الترمبي، ورفضته حكومة الاحتلال الإسرائيلي، التي لا تزال تضمر عداء شديدا للتحول السوري بعد سقوط نظام الأسد، ولم تكف عن اعتداءاتها منذ خلاص السوريين منه.

العلاقة مع لبنان

تعكس هذه المواقف في كل من سوريا ولبنان، وحتى في الولايات المتحدة، التخوف من أن أي تدخل عسكري سوري في لبنان، سيشعل فتيل مواجهات مذهبية وطائفية، قد تتجاوز نيرانها حدود سوريا ولبنان.

ولا تزال دمشق تواجه تحديات كبيرة، أمنية واقتصادية، وبالتالي فهي في غنى عن توريطها في فخ يريد ترمب أن يوقعها فيه، خاصة أنه لا يكترث بعواقب توريطها على الوضع الداخلي السوري، والعلاقات اللبنانية السورية، ودول المنطقة.

لا ينسجم مقترح ترمب مع أولويات سوريا الحالية، وليس في مصلحتها، فهي لا تزال تسعى إلى التخلص من أعباء بنيوية كثيرة، اقتصادية وأمنية ومجتمعية وسياسية. كما لا يخدم خطة الدولة اللبنانية الرامية لاحتكار السلاح، ولا يدعم موقفها الداخلي حيال “الحزب” الذي يريد ترمب الاستقواء بسوريا ضده.

خطّ الشرع تصورا واضحا، أعاد فيه رسم شكل وطبيعة علاقة سوريا الجديدة مع لبنان، وحددها في احترام سيادة لبنان على أرضه، وعدم تصدير الأزمات، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، واحترام التنوع في تركيبته المجتمعية. ولم يعتبر ترسيم الحدود السورية اللبنانية أولوية بالنسبة إلى سوريا، فيما رأى أن “مزارع شبعا أرض محتلة، وعندما نستعيدها نحتكم إلى الخرائط”.

تحرص الإدارة الحالية على بناء علاقات طبيعية وأخوية بين لبنان وسوريا، وهي ليست في وارد الانتقام لما عاناه السوريون على يد “حزب الله” خلال قتاله السوريين دفاعا عن نظام الأسد. وتعي تماما حقيقة الأوضاع في البلدين، وتعقيدات الملفات والقضايا المحلية والإقليمية والدولية فيهما.

وتتجسد العلاقة الجديدة مع لبنان بالتنسيق الأمني مع الحكومة اللبنانية، ودعم قرارها بحصر السلاح بيد الدولة، إلى جانب تكثيف السلطات السورية جهودها لمنع تهريب الأسلحة عبر الحدود، وتفكيك بقايا شبكات مرتبطة بـ”الحرس الثوري الإيراني” و”حزب الله” داخل الأراضي السورية.

منطلقات ترمب

ينطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في اقتراحه الساعي إلى توريط سوريا في لبنان من فرضية أن التخلص من “حزب الله” أو إضعافه كثيرا، يسهم في تراجع القدرة الإقليمية للنظام الإيراني، الأمر الذي ينعكس إيجابا على موقفه التفاوضي معه. وتسكن الرئيس الأمريكي وإدارته قناعة مفادها أن هذا الحزب يمثل الحلقة الأخيرة في سلسلة إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، فضلا عن أنه يمثل أهم عوامل النفوذ الإيراني فيها، لذلك يتوجب البحث عن سبل التخلص من قوته.

ولعل الرئيس الأمريكي استند إلى تمكن الإدارة السورية الجديدة من ضبط حدودها، والحد من قدرة “حزب الله” من التحرك عبرها أمنيا أو لوجيستيا. ولم يجد في الساحة اللبنانية قوة عسكرية قادرة موازِنة لقوة هذا “الحزب”، لذلك افترض في مقترحه إمكانية إسناد هذا الدور إلى سوريا، بالنظر إلى كونها تملك حدودا طويلة مع لبنان، وكذلك أدوات تأثير لا تتوافر لدى أي قوة أخرى.

يبدو أن الفريق المحيط بالرئيس الأمريكي يدفع أيضا في اتجاه اجتراح مقاربة جديدة للوضع في لبنان، وخاصة موفديه الخاصين إلى لبنان وسوريا. وسبق أن لوح المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق توم باراك، بإعاة لبنان إلى بلاد الشام، حين اعتبر أن “لبنان يحتاج إلى معالجة قضية سلاح “حزب الله”، وإلا فإنه قد يواجه تهديدا وجوديا، ويعود ضمن بلاد الشام مرة أخرى”.

الأرجح أن ترمب يدرك أن معظم القوى الإقليمية ترفض مقترحه، وخاصة سوريا، ولبنان، وتركيا، وإيران، إلا أنه يلوح به كورقة ضغط على مختلف الأطراف، ولا سيما إسرائيل و”الحزب”، لدفعهما نحو ترتيبات أمنية توقف إطلاق النار وتنهي القتال.

ولعل أحد أهداف ترمب من التلويح به، هو كبح جماح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المتعطش للحروب، حيث إن تواصل الحرب الإسرائيلية في لبنان تعرقل المفاوضات، لذلك أراد ترمب إيصال رسالة لنتنياهو بأنه فشل في إنهاء سلاح “حزب الله”، وغرق في حرب عبثية ولا نهاية لها، ولذلك من الأفضل تكليف الشرع للقيام بالمهمة حسب اعتقاده.

المحصلة النهائية يبقى لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وهذا في حد ذاته خطر كبير على وجود الكيان.

يريد ترمب توريط سوريا وابتزاز سلطاتها الجديدة، عبر تحويلها إلى ورقة، وإبقائها في حالة ارتهان، ويطمح إلى ربطها بأهداف السياسية الأمريكية في المنطقة، من أجل إعادة تشكيل موازين القوى، وخلق أوراق تفاوضية جديدة، بما يحقق مكاسب إستراتيجية للولايات المتحدة. لكن الطريق ليس ممهدا لتحقيق ما يطمح إليه.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...