لبنان وسوريا.. بين لحظتي 1976 و2024

 

 

 

 

 

أحمد موفق زيدان
مستشار الرئيس السوري للشؤون الإعلامية.

 

 

من المفترض أن يكون حديث الرئيس السوري أحمد الشرع مع قناة المشهد قد وضع حدا لكل من لا يزال أسير لحظة الأول من يونيو/حزيران 1976، حين دخل جيش العصابة الأسدية لبنان، فعاث فيه فسادا وتخريبا، إلى أن أرغمته القرارات الدولية على الخروج منه، يوم 26 أبريل/نيسان 2005، نتيجة تورطه باغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري.

ومنذ ذلك التاريخ حتى الآن لم يتوقف الزمن في لبنان فحسب، وإنما تراجع بشكل كبير، وعلى الصعد كلها، نتيجة حروب الآخرين على أرضه، وحرب أهله على أهله، وغلبة الأجندات الخارجية على أجندته الوطنية، فغاب لبنان الخمسينيات والستينيات الذي عرفه العالم.

الدول التي تعيش لحظة وهم، فتخالها الحقيقة التي يمكن استحضارها في كل زمان ومكان، تصحو متأخرا، فتجد أن القطار قد فاتها، وربما تصحو على فرصة ذهبية فاتتها، أو كارثة قد ألمت بها، ولعل يوم الثامن من ديسمبر/كانون الأول واحدا من هذه اللحظات الاستثنائية التي التقطتها القيادة السورية الجديدة، ممثلة بالرئيس السوري أحمد الشرع، وهي ذات اللحظة التي فاتت لبنان، وإن كانت لا تزال حتى اليوم في متناول من يريد اقتناصها واستثمارها وتعظيمها، لكنها بكل تأكيد لا تختزن اليوم قوة الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 وزخمه.

ومع هذا ستظل ثمة إمكانية لتكون رافعة حقيقية للواقع اللبناني المرير، إذ إنه بعد أن فقد حزب الله حاضنته السورية، وخسر معها ممرات سلاحه وذخيرته القادمة إليه عبر الحدود، ظهرت فرصة ذهبية للدولة اللبنانية: أن تتقدم وتستعيد ما خسرته لصالحه على مدى عقود؛ تستعيده وبأقل الأثمان، إن كان على مستوى الدولة، أم على مستوى الحزب نفسه.

حزب الله اختطف لبنان طوال عقود لأجندة إيرانية، فدفع لبنان ثمنها باهظا من شخصيته وتاريخه، ورصيده المتراكم لعقود؛ رصيد شارك فيه كل شرائح شعبه، ليستيقظ فجأة على تجريده من كل أدواته الناعمة المصرفية، والسياحية والإعلامية، وحتى من علاقاته العربية المتنوعة والعميقة، فغدا كشجرة عارية الغصون والأوراق والثمار، لكن هذا كله كان يمكن استعادته في الثامن من ديسمبر/كانون الأول، لو ارتقت الدولة اللبنانية إلى مسؤولياتها وواجباتها.

يوم الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 كان لحظة فارقة للدولة اللبنانية في أن تتقدم، فتدرك أن ما بعد هذا التاريخ ليس كما قبله، وتعزز بذلك حضورها، وترفع من شأنها داخليا وخارجيا، لكن للأسف لم ترتق إلى تلك اللحظة، والغريب أن القوى المدنية اللبنانية، بأحزابها ونقاباتها ومؤسساتها الإعلامية، وكل قواها الناعمة لم ترفع صوتها عاليا، مستثمرة تلك اللحظة التي طال انتظارها، لتستلهم النموذج السوري، فتستعيد بذلك هيبة الدولة، وتتراجع سطوة ووحشية المليشيات التي دفع لبنان، ودفعنا في سوريا ثمن تدخلاتها لـ14 عاما.

ومما زاد الطين بلة إيواء حزب الله قتلة الشعب السوري في لبنان، بينما ميثاق الطائف الذي يشكل القانون اللبناني الذي يحكم لبنان منذ عام 1985 ينص على: (عدم جعل لبنان مصدر تهديد لأمن سوريا، وسوريا لأمن لبنان في أي حال من الأحوال. وعليه فإن لبنان لا يسمح بأن يكون ممرا أو مستقرا لأي قوة أو دولة أو تنظيم يستهدف المساس بأمنه أو أمن سوريا، وإن سوريا لا تسمح بأي عمل يهدد أمن لبنان واستقلاله وسيادته).

إن تصريحات الرئيس السوري أوضحت بلغة كريستالية أن التدخل السوري يكون عبر مساعدة الدولة في بسط سيطرتها على كامل التراب اللبناني، مع دعم العلاقة بين البلدين عبر بوابة التنمية، معززة بخطوط الاقتصاد، كبديل عن الخطوط العسكرية التي حكمت العلاقة السورية مع لبنان قبل لحظة الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، وذهب الرئيس السوري القارئ للمستقبل، والمنفك من عقد الماضي إلى الاستعداد للجلوس مع حزب الله إن كان ذلك لمصلحة وطنية سورية ولبنانية، والكل يعلم ما هي المصلحة الوطنية في كلا البلدين.

لكن هذه الجرأة السورية بحاجة إلى خطوات جريئة من الطرف اللبناني، وإن كانت قد بدأت تصريحات من بعض الجهات اللبنانية لطمأنة الشارع اللبناني، إذ ليس من المعقول أن ينتظر اللبناني العادي الرئيس السوري ليحدثه عن حاضره ومستقبله.

لقد نجح النموذج السوري يوم ارتقى للحظة الثامن من ديسمبر/كانون الأول، فانتصر لعقلية الدولة على عقلية المليشيات المتناحرة، ليهزم عقلية الثأر والانتقام، وانتصر أيضا بفتحه أبواب سوريا أمام كل المكونات السورية، بل فتحها أمام العالم كله، فخرجت بذلك سوريا من القوقعة التي قوقعها فيها النظام السوري منذ سطوه على السلطة في الثامن من مارس/آذار 1963.

ومع هذا لا يزال ثمة إمكانية لاستلهام النموذج السوري في لبنان من خلال نفس الوصفة السورية، وهي تغليب عقلية الدولة، على العقليات المليشياوية، مع السماح لأجهزة الدولة بالعمل بشكل سلس وسهل، بعيدا عن مصادرة حق لبنان وسيادته من أي طرف كان، فالهدوء الذي نعمت به سوريا خلال العام ونصف العام الماضيين، كان أساسه وجوهره قطع الأذرع التي عبثت بها على مدى عقود، وهو ما مهد وعبّد الطريق في تمكين الدولة من الاضطلاع بمهامها وواجباتها.

لقد شكلت معالجة الدولة السورية لملف “قسد” نموذجا يحتذى، إذ تم تفكيك ملف حساس داخليا وإقليميا ودوليا بشكل ناعم وسلس وهادئ، فخرج الكل رابحا منه، مما أعطى أملا بإمكانية استلهام هذا النموذج في لبنان، لكن ما يعوزه لبنان اليوم هو الإرادة، والشجاعة، وتوحيد البوصلة، مع تسليم الملفات والقرارات إلى جهة واحدة، تمحَض الثقة والقبول، وهي سلطة الدولة اللبنانية.

أما أن يبقى لبنان أسير أجندات حزبية ومليشياوية وإقليمية، فبكل تأكيد سنظل أسرى للحظة يونيو/حزيران 1976، وهي لحظة لا تعني الشعب السوري في شيء، إذ إن تلك اللحظة دفع ثمنها السوريون كما دفع اللبنانيون، وما يعنينا كسوريين اليوم هي لحظة الثامن من ديسمبر/كانون الأول، فهي التي تشبهنا، ونعتقد أنها تشبه أهلنا في لبنان.

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي عبر في غير مناسبة عن إعجابه بالرئيس أحمد الشرع، كان يردفها بقدرته على توحيد سوريا، وعلى اجتراح الحلول الهادئة، وهو الذي رفض الأسلوب العنفي التدميري في لبنان، مما عنى بشكل واضح أن تعويل الرئيس الأمريكي إنما هو على الحلول الهادئة، ولا حلول هادئة أمامنا كمثال للحل الهادئ، إلا الحل الذي تمت فيه معالجة ملف “قسد”، بعد أن سادت لغة الدولة على لغة المليشيات، فخرج الكل رابحا، وراضيا، وربما بمقدور العالم مساعدة السوريين اليوم في ضبط الحدود، من أجهزة متطورة حديثة لتلعب دورا في تجفيف برك السمك.

أعتقد أن كل اللبنانيين اليوم مدعوون إلى اقتناص لحظة الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، وذلك برفع أصواتهم عاليا، من أجل استعادة لبنان دوره الحضاري الذي يليق به، وذلك عبر تعزيز علاقاته مع جواره ومحيطه العربي، فذلك هو الضمان الحقيقي لاستعادة دوره، وبمثل هذا يستطيع كل لبناني أن يضع لبنة في صرح لبنان الجديد: لبنان ما بعد الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...