من السكري إلى السرطان.. كيف تحاصر أزمة الدواء مرضى الضفة الغربية؟

إيطاليا تلغراف متابعة

في شوارع رام الله المزدحمة، حيث تبدو الحياة مستمرة بين حركة الناس والأسواق والمحال، يعيش آلاف الفلسطينيين معركة صامتة لا ترى في العيون بسهولة؛ معركة البحث عن دواء قد يعني غيابه تدهور صحتهم، وربما تهديد حياتهم.

“عندما يصبح الدواء رفاهية، للأسف يصبح المرض حكما بالإعدام”.. بهذه العبارة، اختصر محمود حربيات في تقرير أعده لـ “+ AJ” من الضفة الغربية الأزمة التي يعيشها مرضى الضفة، حيث لا يكفي أن يحمل المريض بطاقة تأمين صحي، لأن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصل إلى المستشفى ولا يجد الدواء الذي يحتاجه.

نصف الفلسطينيين تقريبا ممن لديهم تأمين صحي لا يستطيعون الاستفادة منه بسبب نقص الأدوية، ليجد المريض نفسه أمام خيارين قاسيين: الانتظار أو البحث عن المال لشراء علاجه من خارج النظام الصحي.

أحد المواطنين، وهو يجلس على كرسي متحرك، يصف حاله قائلا: “أفوض أمري إلى الله رب العالمين، لا يوجد نفع من نظام الضمان الصحي”، في إشارة إلى معاناته من تأمين لا يوفر له الدواء الذي يحتاجه.

وتشير المعطيات إلى أن نحو 40% من نفقات المواطن الفلسطيني تذهب لشراء الأدوية، ما يعني أن كثيرا من المرضى يضطرون إلى الاستدانة أو بيع ممتلكاتهم للحصول على علاجهم، في وقت أصبحت فيه أمراض مزمنة مثل السكري والضغط وغيرها مرتبطة بسؤال واحد: أين الدواء؟

في المستشفيات، تتكرر المعاناة يوميا. أحد المرضى يقول إنه يتناول ستة أنواع من الأدوية بسبب إصابته بجلطات، لكنه لا يجدها كاملة بشكل منتظم، مضيفا: “أحيانا نجد معظم الدواء، وأحيانا يكون هناك نقص في نوع أو نوعين، ومن النادر أن تجده كاملا”.

مستودعات وزارة الصحة

ورغم أن الصيدليات قد تبدو مليئة بالأدوية، فإن الأزمة الأكبر تكمن في مستودعات وزارة الصحة الفلسطينية، حيث تشير البيانات إلى أن من أصل 520 صنفا دوائيا، هناك 180 صنفا رصيدها صفر، أي أنها غير متوفرة تماما.

أما الفئة الأكثر تضررا فهي مرضى السرطان والأورام، إذ إن 50 صنفا من أصل 97 صنفا توفرها وزارة الصحة لهذه الفئة لا يوجد منها أي مخزون، ما يضع آلاف المرضى أمام خطر انتظار علاج قد لا يصل في الوقت المناسب.

هناك نحو 4000 مريض سرطان، وآلاف من مرضى الكلى، إضافة إلى تأجيل 11 ألف عملية جراحية بسبب نقص الخيوط والمستلزمات الطبية، في أزمة لا تتعلق فقط بتأخر العلاج، بل بقدرة المرضى على الاستمرار في الحياة الطبيعية.

وسط هذه الأرقام، يعيش محمود، المصاب بداء كرون، تجربة شخصية تختصر معاناة كثيرين. يقول إن المرض شُخِّص لديه عام 2008، وإن تأخره عن جرعة الدواء ليوم أو يومين فقط يؤدي إلى ظهور أعراض مؤلمة.

ويضيف محمود: “حاليا مضى علي شهران لم أتناول جرعتي بسبب عدم توفر الأدوية لدى وزارة الصحة. هذا المرض عبارة عن وحش كاسر، طالما أنك تأخذ الدواء الخاص به فأنت تسير بشكل جيد، لكن نقص الدواء يجعلك غير قادر على ممارسة حياتك الطبيعية واليومية مثل أي إنسان”.

وبحسب المعطيات، فإن الأزمة تفاقمت مع احتجاز الاحتلال الإسرائيلي أموال المقاصة الفلسطينية، التي تمثل نحو 67% من إيرادات السلطة الفلسطينية، ما أدى إلى تراكم ديون وزارة الصحة التي وصلت إلى 1.3 مليار شيكل (نحو 348 مليون دولار)، وتسبب في توقف عدد من شركات الأدوية والموردين عن تزويد الوزارة بالعلاجات.

وبينما يبحث المرضى عن أدوية تنقذ حياتهم، يجد كثيرون أنفسهم في دائرة من الانتظار والقلق، فالمريض لا يبحث عن رفاهية أو علاج إضافي، بل عن حق أساسي يحفظ له القدرة على الاستمرار.

في الضفة الغربية، تتعدد أسباب معاناة الفلسطينيين، بين القصف والحصار والأزمات الاقتصادية، لكن بالنسبة لمرضى كثيرين، فإن غياب الدواء يفتح جبهة أخرى من الألم؛ جبهة يخوضونها كل يوم في مواجهة المرض والانتظار.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...