خاص – أثرياء المغرب وشركاتهم في سجلات لوكسمبورغ.. تعاملات مالية وشركات قابضة تدير استثمارات بملايين اليوروهات
كشفت بيانات الشركات في دولة لوكسمبورغ عن ارتباط أسماء مغربية بارزة، من رجال أعمال وشخصيات نافذة، بعدد من الشركات القابضة والكيانات المالية المسجلة في الدوقية الأوروبية.
وكانت منصة “هوامش” قد نشرت هذه المعطيات في سياق تحقيق مرتبط بمشروع “أوبن لوكس”، الذي أتاح فحص ملايين الوثائق المستخرجة من السجل التجاري في لوكسمبورغ، حيث عملت “الصحيفة” بعدها على مراجعة هذه المعطيات عبر المصادر المفتوحة التي توفرها دولة لوكسمبورغ، وتأكدت من خلال التدقيق في العديد من هذه الوثائق صحتها بما يزيد عن 98 في المائة.
ومع رصد لهذه المعاملات والكيانات المالية لكبار الشخصيات في المغرب، يجب الإشارة إلى أن تأسيس شركة في لوكسمبورغ، في حد ذاته، لا يعني وجود مخالفة قانونية أو تهرب ضريبي، فالدولة عضو في الاتحاد الأوروبي وتحتضن واحدا من أكبر المراكز المالية في القارة، غير أن طبيعة الكيانات، وضعف النشاط التشغيلي لدى بعض الشركات التي توجد في أسماء شخصيات مغربية رفيعة المستوى، واعتمادها على القروض والاستثمارات المالية، تطرح أسئلة مشروعة بشأن أدوارها في إدارة الأصول وتحويل الاستثمارات عبر الحدود.
كما تطرح أسئلة حقيقية حول مراقبة تحويل الأموال من المغرب إلى الخارج عبر مكتب الصرف، وإن كانت هذه التحويلات والاستثمارات تراعي القوانين المعمول بها كما تطبق على جميع المواطنين وفق القواعد التي يتشدد فيها مكتب الصرف بخصوص المعاملات المالية في الخارج، أم هناك ثقوب متروكة لكبار رجال الأعمال النافذين في دواليب الدولة؟
مهدي الجواهري، ابن والي بنك المغرب ومدير ديوان الأمير رشيد.. شركتان للاستثمارات والخدمات المالية
يعد مهدي الجواهري من أهم الأسماء التي بيّنت الوثائق أنه يملك شركتين تحملان اسم “Belere”، الأولى مسجلة تحت الرقم التجاري B240862، وقد تأسست في 14 يناير 2020 باسم “BELERE S.A” قبل أن تتحول قانونيا، في مارس 2026، إلى “Belere SARL”، حيث تأكدت “الصحيفة” من هذه المعطيات، وتبين أن نشاط شركات مهدي الجواهري يصنف ضمن الخدمات المالية الأخرى، باستثناء التأمين وصناديق التقاعد.
الملف في هذا الشق هو ارتفاع مجموع أصول الشركة من 24 ألفا و324 أورو سنة 2020 إلى نحو 29 مليونا و479 ألف أورو في نهاية 2021، حيث توزعت أصول تلك السنة بين نحو 18.1 مليون أورو من المستحقات، و6.7 ملايين أورو من الاستثمارات المالية، و4.6 ملايين أورو من السيولة والحسابات البنكية.
لكن الأصول تراجعت إلى نحو 6.47 ملايين أورو سنة 2022، حيث تظهر أحدث البيانات المتاحة عن 2024 خسارة صافية في حدود 20.8 ألف أورو، وسيولة بنحو 24.2 ألف أورو، وديونا مستحقة خلال أقل من سنة تبلغ قرابة 8.1 ملايين أورو، مع حقوق ملكية سالبة تقارب 1.7 مليون أورو، كما لا يظهر في البيانات المتاحة رقم معاملات تشغيلي واضح.
أما الشركة الثانية فهي “BELERE International Investments (Luxembourg) SCS”، المسجلة تحت الرقم B264704 منذ 23 فبراير 2022، وهي شركة توصية مخصصة لأنشطة الشركات القابضة والاستثمارات، ولا تتوافر عنها حسابات سنوية تفصيلية منشورة تسمح بتحديد قيمة أصولها أو رقم معاملاتها.
إدريس الفيلالي.. شركة قابضة ممولة بقروض المساهمين
يرتبط اسم إدريس الفيلالي، وهن إبن الأميرة مريم، وفق الوثائق المنشورة والتي تحققت منها “الصحيفة” من خلال البيانات المفتوحة بشركة “LOUPUS MAGNUS S.A” المسجلة تحت الرقم B150203 منذ 29 دجنبر 2009. وتصنف الشركة باعتبارها “SOPARFI”، أي شركة مساهمات مالية تستخدم لامتلاك الحصص وإدارة الاستثمارات في شركات أخرى.
ولا تظهر الحسابات المتاحة وجود رقم معاملات تشغيلي منتظم، غير أن المعطيات تشير إلى أنه وفي سنة 2024 سجلت الشركة خسارة صافية بنحو 9.7 آلاف أورو، وسيولة لم تتجاوز ألفي أورو، مقابل ديون قصيرة الأجل تناهز 696 ألف أورو وحقوق ملكية سالبة بحوالي 318 ألف أورو.
وأشارت الوثائق إلى أن تمويل الشركة اعتمد أساسا على قروض مقدمة من المساهمين بلغت قرابة 692 ألف أورو، ما يعزز صورة الشركة باعتبارها أداة لحيازة الأصول والاستثمارات أكثر من كونها مؤسسة تمارس نشاطا تجاريا يوميا.
الأمير عبد الله بن مولاي علي العلوي.. يرتبط بشركة “MEDIMMO” بين العقار والمساهمات المالية
ظهر اسم الأمير عبد الله بن مولاي علي العلوي مرتبطا بشركة “MEDIMMO S.A”، المسجلة في لكسومبرغ تحت الرقم B68681 منذ شهر 8 مارس 1999. ويصنف نشاط الشركة الحالي وفق الوثائق التي راجعتها “الصحيفة” ضمن أنشطة الشركات القابضة، بينما يشمل غرضها القانوني اقتناء العقارات وبيعها وتطويرها وتأجيرها وتمويلها.
وتعد “MEDIMMO” من الكيانات القليلة في القائمة التي ظهر لها رقم معاملات محدد، بلغ 138 ألفا و600 أورو سنة 2022.
ووفق المعطيات المفتوحة، فإن الشركة حققت سنة 2024 ربحا صافيا يقارب 8.1 آلاف أورو، وبلغت حقوق ملكيتها نحو 641.6 ألف أورو، بينما سجلت ديونا مالية بحوالي 434.2 ألف أورو، إضافة إلى التزامات قصيرة الأجل محدودة بنحو 8.6 آلاف أورو.
أنس الصفريوي.. جامع الثروة من السكن الاقتصادي يملك شركة بلكسومبرغ تسمى “Atlacem”
يرتبط اسم رجل الأعمال أنس الصفريوي، بجمع ثروة هائلة من السكن الاقتصادي في المغرب “سيء السمعة”، وفي لكسومبرغ للرجل الثري شركة تحمل إسم “Atlacem S.à r.l”، المسجلة تحت الرقم B270176 منذ 11 غشت سنة 2022، وهي شركة مساهمات مالية من نوع “SOPARFI”، وليست شركة عقارية تشغيلية تمارس البناء أو البيع مباشرة.
وقدرت الوثائق التي تحققت منها “الصحيفة” رأسمال الشركة بما يعادل نحو 14 ألف دولار، في حين تظهر حسابات 2024 ديونا مالية بلغت قرابة 5.3 ملايين أورو، بعدما كانت التزاماتها محدودة عند تأسيسها، وارتبط الجزء الأكبر من التمويل، وفق المعطيات المنشورة، باستثمار في شركة تابعة بدولة المكسيك.
ووفق المعطيات المفتوحة، فقد سجلت شركة “Atlacem” لأنس الصفروي خسارة صافية بنحو 206 آلاف أورو سنة 2024، بعد خسارة تقارب 133 ألف أورو سنة 2023، كما بلغت السيولة لديها حوالي 1.2 مليون أورو، بينما كانت حقوق الملكية سالبة بنحو 349 ألف أورو.
ولا تعرض المعطيات والحسابات المتاحة رقم معاملات تشغيليا، وهو أمر معتاد نسبيا لدى الشركات القابضة التي يأتي دخلها من الأرباح الموزعة أو بيع المساهمات وليس من بيع السلع والخدمات.
عثمان بنجلون.. شبكة من الشركات القابضة والاستثمارية
ربطت الوثائق اسم رجل الأعمال والمصرفي عثمان بنجلون الذي يعد إمبراطور قطاع المال والبنوك والتأمينات في المملكة، بشبكة تضم خمسة كيانات مالية واستثمارية على الأقل.
ومن خلال السجلات المفتوحة بليكسومبرغ يملك بنجلون شركة “FCOMI – L GLOBAL CAPITAL” وهي مسجلة تحت الرقم B131725 منذ 25 ستنبر 2007، وتتخذ شكل شركة استثمار ذات رأسمال متغير “SICAV”، منظمة قانونيا كشركة توصية بالأسهم.
وتضم الشبكة أيضا شركة “Africa Investments Holdings”، المسجلة في ليكسومبرغ تحت الرقم B162091 منذ يوليوز 2011، وهي شركة مساهمات مالية. وسجلت الشركة وفق المعطيات المفتوحة سنة 2024 خسارة صافية بحوالي 951 ألف أورو، لكنها احتفظت بحقوق ملكية تناهز 6.8 ملايين أورو، مقابل سيولة محدودة وديون قصيرة الأجل في حدود 120 ألف أورو.
أما “Global Strategic Holdings”، المسجلة تحت الرقم B144327 منذ يناير 2009، فهي بدورها شركة “SOPARFI”. سجلت خسارة صافية تقارب 311 ألف أورو سنة 2024، فيما بلغت حقوق ملكيتها نحو 6.5 ملايين أورو، حيث بيّنت الوثائق التي اطلعت عليها “الصحيفة” أن الشركة احتفظت لسنوات بأصول مالية ثابتة تقارب 6.35 ملايين أورو.
كما تضم شبكة شركات بنجلون شركة أخرى تحت رسم “AUBURN EQUITIES MANAGEMENT”، المسجلة تحت الرقم B86986 منذ أبريل سنة 2002، وهي شركة قابضة، وتعود أحدث الحسابات المتاحة للعامة إلى 2020، عندما سجلت حقوق ملكية سالبة بنحو 110 آلاف أورو وديونا قصيرة الأجل تقارب 96 ألف أورو.
ويظهر كذلك، لبنجلون، اسم شركة “Auburn Equities SCS”، المسجلة تحت الرقم B263511، والتي أشارت المعطيات المنشورة إلى نقلها من جزر العذراء البريطانية إلى لوكسمبورغ سنة 2021، حيث لم يظهر عند البحث أرقام مالية منشورة تسمح بتحديد أصولها أو رقم معاملاتها.
وتتخذ أربع شركات من هذه الشبكة العنوان نفسه في ليكسومبرغ، حيث تتخذ من شارع جوزيف الثاني مقرات لها، كما تظهر أسماء عبدو بنسودة وستيفان موريل في إدارة عدد منها، ما يشير إلى وجود إدارة قانونية ومالية مركزية للكيانات المختلفة.
الوزير السابق ورجل الأعمال حفيظ العلمي.. شركة حديثة تابعة لمجموعة “سهام”
يرتبط اسم حفيظ العلمي بشركة “Saham Investments VIII S.à r.l”، المسجلة في ليكسومبرغ تحت الرقم B296233 في 14 مايو 2025، برأسمال قدره 12 ألف أورو. وتصنف الشركة باعتبارها “SOPARFI” مخصصة لامتلاك المساهمات وإدارة الاستثمارات.
وتعود ملكيتها، وفق الوثائق، إلى “Saham Investments Limited” المسجلة في مركز دبي المالي العالمي بالإمارات، وبسبب حداثة تأسيس الشركة، لا تتوافر حسابات سنوية مفصلة أو رقم معاملات يمكن الاعتماد عليه لتقدير حجم نشاطها أو قيمة أصولها.
غيثة لحلو اليعقوبي.. عضوية إدارية وليست ملكية لشركة
ظهر اسم غيثة لحلو اليعقوبي، التي تعد واحدة من أبرز سيدات الأعمال والفاعلات الاقتصاديات والجمعويات في المغرب، ضمن وثائق السجلات في لكسومبرغ من خلال شركة “Majorel Group Luxembourg S.A”، لكن التدقيق يبين أن صفتها كانت عضوة في مجلس الرقابة، وليست مؤسسة أو مالكة للشركة باسمها الشخصي.
وكانت “Majorel” مجموعة دولية متخصصة في خدمات تجربة الزبناء ومراكز الاتصال والتعهيد، وسبق إدراج شركتها الأم في بورصة أمستردام بهولندا، لذلك لا يصح احتساب رقم معاملات المجموعة أو قيمتها ضمن الشركات المملوكة لغيثة لحلو اليعقوبي، كما لا تظهر المصادر المتاحة أنها سجلت شركة خاصة باسمها في لوكسمبورغ، وفق المعطيات التي حصلت عليها “الصحيفة”.
لماذا اختار أثرياء المغرب والمقربين من السلطة والنفوذ المالي والسياسي تأسيس شركات في لوكسمبورغ؟
يعود الإقبال على تأسيس شركات في دولة لوكسمبورغ الصغيرة، والثرية، إلى مجموعة من المزايا القانونية والمالية التي تمنحها هذه الدولة، فهي توفر بيئة مستقرة داخل الاتحاد الأوروبي، وشبكة واسعة من الاتفاقيات لتجنب الازدواج الضريبي، وخبرة متراكمة في إدارة الصناديق والاستثمارات العابرة للحدود، وهو ما يعد “إغراء مُثير” لأصحاب الأموال العابرة للحدود.
وتتيح صيغة “SOPARFI” وهي اختصار للعبارة الفرنسية “Société de Participations Financières” وتعني الهيكل القانوني والضريبي في لوكسمبورغ، للشركات امتلاك حصص في شركات أخرى وإدارة الأصول المالية.
ويمكن، عند استيفاء شروط معينة تتعلق بنسبة الملكية وفترة الاحتفاظ بالمساهمة، الاستفادة من إعفاءات على الأرباح الموزعة ومكاسب بيع الأسهم، لتجنب فرض الضريبة مرتين على الدخل نفسه.
كما توفر شركات التوصية البسيطة التي تعرف اختصارا بـ”SCS” مرونة في توزيع الأدوار بين الشركاء، وغالبا ما تعامل باعتبارها كيانات شفافة ضريبيا، بحيث تفرض الضرائب على الشركاء بدلا من الكيان نفسه، وفق طبيعة النشاط ومكان الإقامة الضريبية.
وتضم لوكسمبورغ شبكة واسعة من البنوك ومديري الثروات والمكاتب العائلية والمحامين والمدققين والمستشارين الضريبيين، ما يسهل تأسيس هياكل تجمع استثمارات موزعة على دول مختلفة في شركة قابضة واحدة.
لكن هذه المزايا لا تعني أن الشركات معفاة تلقائيا من الضرائب أو المراقبة، فهي مطالبة بإيداع الحسابات السنوية، والتصريح بالمستفيدين الفعليين، واحترام قواعد مكافحة غسل الأموال والوجود الاقتصادي الحقيقي.
ما القيمة المالية الإجمالية لهذه الشركات؟
لا تسمح السجلات المتاحة التي اطلعت عليها “الصحيفة” بتقديم قيمة سوقية موحدة لجميع الكيانات، لأن بعضها لا ينشر حسابات تفصيلية، وبعضها شركات قابضة لا تحقق رقم معاملات تقليديا، بينما تمثل أرقام أخرى ديونا أو أصولا أو رؤوس أموال مسجلة.
وبجمع حقوق الملكية المتاحة لسنة 2024 في ست شركات فقط، وهي “Belere” و”LOUPUS MAGNUS” و”MEDIMMO” و”Atlacem” و”Africa Investments Holdings” و”Global Strategic Holdings”، يصل المجموع الصافي إلى نحو 11.57 مليون أورو.
ولا يعد هذا الرقم القيمة السوقية لجميع الشركات ولا حجم الأموال التي تديرها، لأنه يستبعد شركة “BELERE International Investments” و”FCOMI – L GLOBAL CAPITAL” و”Auburn Equities SCS” و”Saham Investments VIII”، لغياب حسابات قابلة للمقارنة.
كما لا يدخل في الحساب رقم 29.48 مليون أورو، الذي يمثل مجموع أصول “BELERE” سنة 2021، لأن الأصول لا تساوي حقوق الملكية ولا يجوز إضافتها إلى أرقام سنة 2024، ولذلك تبقى القيمة الحقيقية المجمعة للأصول والاستثمارات التي تديرها هذه الهياكل غير قابلة للتحديد من السجلات العامة وحدها.
ليبقي السؤال الكبير الذي يحتاج للكثير من المعطيات التي لم تستطع “الصحيفة” الحصول عليها، وهي إن كان مكتب الصرف يراقب هذه الكيانات ويتابع أصحابها في حال مخالفتهم المساطر القانونية لهذه الاستثمارات، خصوصا وأنه مكلف بتنظيم ومراقبة العمليات المالية بين المغرب والخارج، كما يمكنه إجراء رقابة مكتبية اعتمادا على التقارير التي ترسلها البنوك والمتعاملون، أو رقابة ميدانية بواسطة مفتشيه، كما يتبادل المعلومات مع الإدارات المغربية الأخرى.
وعليه، يمكن طرح هذه الأسئلة التي تحتاج إلى أجوبة من مكتب الصرف: هل كان أصحاب هذه الشركات مقيمين في المغرب عند إنشاء الشركات أو تمويلها؟ وهل حُوّل رأس المال أو قروض المساهمين من المغرب؟ ثم هل مر التحويل عبر بنك مغربي وبالوثائق المطلوبة؟ وهل حصلت العملية على الترخيص عندما يكون ضروريا؟
والأكثر إلحاحا، هل جرى التصريح بالأرباح وعائدات البيع والتصفية وإعادتها إلى المغرب؟ ثم هل استُخدمت حسابات أو أصول في الخارج لم يُصرّح بها؟ كلها أسئلة من بين أخرى ليست لها إجابة، بسبب التحفظ على المعلومة من طرف مكتب الصرف خصوصا وأن الأسماء المذكورة تعد نافذة في بنية الدولة المغربية.
المصدر: الصحيفة





