سُدس سياراتها تُصنع بالمملكة.. “رونو” تجعل المغرب ثاني أكبر قاعدة صناعية لها في العالم بإنتاج 394 ألف سيارة وصادرات تصل إلى 63 دولة

إيطاليا تلغراف متابعة

تشهد صناعة السيارات المغربية انتقالا متسارعا نحو موقع استراتيجي داخل سلاسل الإنتاج العالمية، بعدما أصبحت المملكة إحدى أهم القواعد الصناعية لمجموعة “رونو” على الصعيد الدولي، إذ لم يعد حضور الشركة الفرنسية في المغرب يقتصر على مصانع للإنتاج أو وحدات للتصدير وإنما تحول إلى منظومة صناعية ولوجستية متكاملة تمتد من التكوين والابتكار إلى الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة، مدعومة ببنية تحتية جعلت من المغرب مركزا إقليميا لتصنيع السيارات وتصديرها نحو عشرات الأسواق.

وأعلنت مجموعة “رونو”، في معطيات نشرتها أمس الاثنين أن المغرب أصبح ثاني أكبر قاعدة صناعية للمجموعة في العالم من حيث حجم الإنتاج، بعدما تجاوز إنتاج مصنعي طنجة والشركة المغربية لصناعة السيارات “صوماكا” بالدار البيضاء 394 ألف مركبة خلال سنة 2025، وهو ما يمثل ما يقارب سيارة واحدة من أصل كل ست سيارات تبيعها المجموعة عالميا.

ويعكس هذا الرقم التحول الكبير الذي عرفه القطاع خلال السنوات الأخيرة، إذ أصبحت المملكة تحتل موقعا محوريا داخل الاستراتيجية الصناعية للمجموعة الفرنسية، التي وصفت شمال المغرب بأنه “واحد من أكثر الأنظمة البيئية لصناعة السيارات تكاملا في العالم”، معتبرة أن المملكة تمثل اليوم “حلقة أساسية في المنظومة الصناعية العالمية لرونو ونموذجا يحتذى به في مجال اللوجستيك”.

ولا تتوقف أهمية القاعدة الصناعية المغربية عند حجم الإنتاج فقط، بل تمتد إلى قدرتها التصديرية، إذ تصدر المجموعة 82 في المائة من السيارات المصنعة بالمغرب إلى 63 دولة موزعة على أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط وأسواق أخرى، فيما يتم تسويق النسبة المتبقية داخل السوق الوطنية.

كما تشغل رونو بالمغرب ما يقارب 10آلاف مستخدم بين وحداتها الصناعية والإدارية، بينما تستحوذ علامتا رونو وداسيا مجتمعتين على 38 في المائة من سوق السيارات المغربية، وهو ما يجعل المجموعة الفاعل الأول في السوق المحلية.

تعود علاقة رونو بالمغرب إلى ما يقارب قرنا من الزمن، غير أن التحول الحقيقي بدأ مع إطلاق مصنع طنجة سنة 2012، ثم مع الاتفاقيات الصناعية التي أبرمتها المجموعة مع الدولة المغربية منذ سنة 2016، والتي ساهمت في بناء منظومة صناعية متكاملة تجمع المصنعين والموردين والبنية اللوجستية والتكوين المهني داخل فضاء واحد.

وقال محمد البشيري، المدير العام لمجموعة رونو بالمغرب، إن المملكة أصبحت “ركيزة رئيسية في البصمة الصناعية العالمية للمجموعة”، بفضل ما توفره من تميز صناعي، ولوجستيك عالمي المستوى، وكفاءات بشرية مؤهلة، إلى جانب شراكة قوية بين القطاعين العام والخاص.

وأضاف أن هذا النموذج مكن المغرب من تطوير صناعة سيارات تنافسية قادرة على الاندماج في أهم الأسواق العالمية، مع المحافظة على مستويات عالية من الجودة والإنتاجية.

وتزامن هذا التطور الصناعي مع انتعاش قوي للسوق الوطنية، حيث سجلت مبيعات السيارات بالمغرب خلال سنة 2025 نموا بلغ 33 في المائة، مدفوعا بتجديد الطرازات، وعودة الطلب، وتحسن شروط التمويل، ودخول علامات تجارية جديدة إلى السوق.

وأصبح المغرب يحتل المرتبة الثامنة ضمن أكبر أسواق مجموعة رونو عالميا من حيث حجم المبيعات وحتى نهاية شهر ماي 2026، حافظت داسيا لوغان على صدارة السيارات الأكثر تسجيلا بالمملكة متبوعة بـداسيا سانديرو ثم رونو كليو ورونو إكسبريس.

ويعد مصنع رونو بمدينة طنجة أكبر وحدة لصناعة السيارات في القارة الإفريقية، حيث يشغل نحو 6000 عامل، كما يصنف ضمن أكثر مصانع المجموعة تنافسية على المستوى العالمي.

وتستند هذه المنظومة إلى شبكة تضم 87 موردا من المستوى الأول (Tier 1)، يزودون خطوط الإنتاج بالمكونات الأساسية، بينما اختار عدد كبير منهم إنشاء مصانعهم داخل المنطقة الحرة المجاورة لميناء طنجة المتوسط، بما يقلص كلفة النقل ويختصر زمن التوريد.

ولم يقتصر الاستثمار على الإنتاج، بل شمل أيضا تكوين الموارد البشرية، إذ تدير رونو منذ سنة 2011 المعهد المتخصص في مهن صناعة السيارات (IFMIA) الذي وفر إلى اليوم أكثر من 3,2 ملايين ساعة تكوين في مجالات الروبوتيك والأتمتة وكهربة السيارات.

كما يخصص المعهد حوالي 30 في المائة من أنشطته لتكوين موردي القطاع والشركاء الصناعيين وبرامج إدماج الشباب في سوق الشغل بجهة طنجة.

وتستند المنظومة الصناعية لرونو إلى البنية اللوجستية التي يوفرها ميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح أحد أهم الموانئ العالمية في مجال تجارة السيارات.

وخلال سنة 2025، عالج الميناء أكثر من 161 مليون طن من البضائع، وما يزيد على 11,1 مليون حاوية، ليحتل المرتبة الأولى إفريقيا ومتوسطيا والمرتبة السابعة عشرة عالميا كما تضم المناطق الصناعية واللوجستية المرتبطة به أكثر من 1500 شركة تنشط في مختلف القطاعات الصناعية والخدماتية.

أما المحطة المخصصة للسيارات، فتصل قدرتها الاستيعابية إلى مليون سيارة سنويا، وتمتد على مساحة 20 هكتارا مخصصة لعمليات الاستيراد والتصدير وإعادة الشحن، مع ربط مباشر بـ24 دولة، من بينها أستراليا، وجنوب إفريقيا، ورومانيا، وسلوفينيا، وتركيا، إضافة إلى توفر رونو على رصيف خاص بها داخل الميناء.

ويشكل الربط السككي بين مصنع طنجة والميناء أحد أبرز عناصر القوة داخل هذه المنظومة فخطان للسكك الحديدية يخترقان المصنع مباشرة، وينقلان السيارات نحو ميناء طنجة المتوسط عبر عدة رحلات يومية، بمعدل 1440 رحلة قطار سنويا، يحمل كل منها حوالي 240 سيارة.

وتتكامل هذه العمليات مع 290 رحلة بحرية وأكثر من 26 ألف رحلة شاحنة سنويا، ما يسمح بتصدير نحو 8000 سيارة أسبوعيا، وفي المقابل تستقبل المصانع سنويا 69 ألفا و100 شاحنة و12 ألف حاوية محملة بالمكونات الصناعية القادمة من الموردين.

وأكدت المجموعة أن اعتماد السكك الحديدية خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحوالي 90 في المائة مقارنة بالنقل الطرقي، كما ساهم في تجاوز الإكراهات المرتبطة بالنقص العالمي في سائقي الشاحنات.

وقال توماس دوني مدير سلسلة الإمداد بمصنع طنجة إن تمركز المصنع والمنطقة الحرة للموردين وميناء طنجة المتوسط داخل محيط جغرافي محدود خلق “واحدا من أكثر النماذج كفاءة في صناعة السيارات العالمية”، بفضل التحكم في آجال التسليم وتقليص الكلفة اللوجستية.

ولم تعد إدارة العمليات الصناعية تعتمد فقط على خطوط الإنتاج، بل أصبحت ترتكز أيضا على أدوات رقمية متقدمة، فالمجموعة تشغل بالمغرب ثلاث غرف مراقبة رقمية مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، تتيح تتبع حركة المكونات والسيارات في الزمن الحقيقي، ورصد أي اضطرابات محتملة داخل سلسلة الإمداد قبل وقوعها.

وتتولى الغرفة الأولى مراقبة تموين المصانع، فيما تشرف الثانية على عمليات الشحن البري والبحري والسككي نحو الأسواق الدولية، بينما تختص الثالثة بخطط استمرارية النشاط، من خلال متابعة الإضرابات والكوارث الطبيعية والأزمات الجيوسياسية التي قد تؤثر على سلاسل التوريد.

وعلى المستوى البيئي، يغطي مصنع طنجة حوالي 90 في المائة من احتياجاته الطاقية بفضل الطاقة الريحية ومرجل يعمل بالكتلة الحيوية، كما يعتمد نظاما مغلقا لإعادة تدوير المياه الصناعية، ما يقلص استهلاك الموارد الطبيعية ويخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري.

وتتجه السيارات المصنعة بالمغرب بشكل رئيسي نحو أسواق فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا وتركيا، مستفيدة من الموقع الجغرافي للمملكة، والبنية المينائية المتطورة، وشبكة الموردين المحليين، والربط السككي المباشر.

وترى رونو أن هذه المنظومة أصبحت تمثل قاعدة متكاملة تجمع بين التصنيع، والتكوين، واللوجستيك، والطاقة، والرقمنة، والتصدير وهو ما يجعل المغرب ليس فقط ثاني أكبر قاعدة إنتاجية للمجموعة، بل أحد أهم مراكزها الصناعية والاستراتيجية على المستوى العالمي، والركيزة التي ستبني عليها مشاريعها المستقبلية في المنطقة والأسواق الدولية.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...