من يملك القدرة على إيقاف منتخب فرنسا ومبابي في مونديال 2026؟

إيطاليا تلغراف متابعة

لم تعد مواجهة المنتخب الفرنسي في مونديال 2026 مجرد اختبار تكتيكي للمنافسين، بل تحولت إلى معضلة رياضية كبرى تضع “الديوك” في كفة وبقية المنافسين في كفة أخرى.

غير أن القراءة العميقة للمشهد المؤدي إلى نهائي 19 يوليو/تموز على ملعب “ميتلايف” تؤكد حقيقة تكتيكية  وهي أنه قد لا يوجد خصم في هذا المونديال يملك القدرة الفنية على إيقاف قطار فرنسا بقيادة كيليان مبابي، غير “الطبيعة العشوائية وغير المنطقية للعبة كرة القدم ذاتها”.

عندما تصبح الفوارق الفنية غير عادلة

في مباراة دور الـ 32، بدا واضحاً أن مواجهة فرنسا والسويد لم تكن منافسة متكافئة. النتيجة الرقمية استقرت عند (3-0)، لكن الواقع الميداني كان يشير إلى هيمنة مطلقة. وتجلت هذه الفجوة في أواخر الشوط الأول، عندما وضع مبابي السويدي ونجم أرسنال، فيكتور غيوكيرس، في موقف محرج، مستعرضاً مهارة استثنائية في الخداع الحركي المعقد وثبات الأقدام.

مبابي انفجر بدنياً بإنعطاف حاد جهة اليمين، مسقطاً منافسه السويدي أرضاً، قبل أن يطلق قذيفة استقرت في الشباك.

هذا التفوق الكاسح لفرنسا يدعمه عمق تكتيكي وسرعات فائقة. حيث نجح مايكل أوليسه في تمرير كرة بين قدمي مدافع سويدي وصلت إلى برادلي باركولا اذي احرز الهدف الثاني (2-0).

وعاد مبابي ليصنع هدفا بنظام التمرير الخادع بكعب القدم دون نظر، متبوعا بقطع عمودي خلف المدافعين ليسجل هدفه الشخصي الثاني. وقبلها، ألغت تقنية الفيديو (VAR) هدفاً من انفراد كامل لمبابي (صناعة أوليسه) بداعي التسلل، فضلاً عن مقصية طائرة من أوليسه ردها القائم.

هذا التباين الصارخ يعزز تصريح مدرب السويد، غراهام بوتر، قبل اللقاء بأن فريقه كان يحتاج “مباراة العمر، وأن يكون مثالياً تكتيكيا، وبدنيا، ونفسيا، وذهنيا”. لكن على أرضية الملعب، انهار التكتيك السويدي تماما، وبدا الفريق مترنحا.

لماذا لا تضمن الهيمنة الفوز؟

إذا كانت لغة الأرقام تتجه ضمنيا إلى تسليم الكأس لفرنسا مبكراً، إذ سجل الفريق 13 هدفاً واستقبل هدفين فقط في 4 مباريات مع وفرة خيارات تكتيكية في كل الخطوط وانسجام كامل ظهر في عناق مبابي لمدربه ديدييه ديشان تضامنا مع ظروفه العائلية بعد وفاة والدته، إلا أن المعطيات الفنية تصطدم بـ “ماهية كرة القدم”.

فرنسا الحالية ليست كـ “فريق الأحلام” الأمريكي لكرة السلة لعام 1992 في أولمبياد برشلونة. ففي كرة السلة، تترجم السيطرة المطلقة إلى فوز بفارق 30 أو 40 نقطة نظرا لطبيعة اللعبة التراكمية.

أما في كرة القدم، فيمكن للفريق الأكثر تفوقا أن يستعرض طوال 90 دقيقة ثم يخسر بنتيجة 1-0 بهجمة مرتدة واحدة، أو يسقط بركلات الترجيح بنتيجة 4-3 على سبيل المثال.

هذا التهديد اللوجستي لفرنسا ليس فرضيا، بل هو واقع رصد في هذا المونديال بالفعل، بعد أن ودعت ألمانيا (المتوجة باللقب العالمي 4 مرات) المنافسات بركلات الترجيح أمام باراغواي –خصم فرنسا المقبل– والتي لم تتأهل إلى النهائيات منذ نسخة عام 2010.

حتمية العشوائية

وبحسب تقرير نشره موقع “ذا أتلتيك” فإن تفكيك الترسانة الفرنسية لا يمكن أن يتحقق عبر قراءة خططية تقليدية من مدربي الخصوم، بل يمر حتماً عبر بوابات العوامل العشوائية الأربعة التي تفرضها طبيعة اللعبة ذاتها؛ إذ تبرز أولاً فرضية الاستبسال غير النمطي لحارس مرمى منافس يمر بيوم استثنائي خارج القياسات الرياضية، يعقبها عنصر الصدفة البحتة المتمثل في ارتداد عشوائي محظوظ للكرة يغير مسار الهجمة في لحظة خاطفة.

كما يتطلب الأمر تنفيذاً لتكتل دفاعي انتحاري ومطلق يتجاوز تماماً حدود الأخطاء الفردية الكارثية التي وقعت فيها السويد، ليتكامل هذا المشهد في النهاية مع أخطاء التقدير الرقمي، المتمثلة في قرار تحكيمي غير موفق أو تدخل حاسم ومحبط من تقنية الفيديو (VAR) يلغي هدفا أو يمنح ركلة جزاء.

إن كرة القدم، بوصفها رياضة قليلة الأهداف تاريخيا، تمنح الأطراف الأقل تصنيفا فرصة تاريخية لصناعة المفاجأة من خلال هذه الثغرات العشوائية. وضمن هذه الرؤية الفلسفية للعبة، جاءت تصريحات رئيس جمهورية كاب فيردي، خوسيه ماريا نيفيس، لهيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي) قبل مواجهة فريقه للأرجنتين في دور الـ 32، مؤكداً أن فريقه يملك “فرصة بنسبة 100% للفوز بنتيجة 1-0″، مستندا في ذلك إلى نجاح فريقه في فرض التعادل السلبي على إسبانيا في دور المجموعات عبر إغلاق المساحات وخنق الفوارق الفنية تماما.

ذاكرة المونديال.. سقوط المنطق الكروي

تاريخ كأس العالم يدعم بوضوح فرضية أن “طبيعة اللعبة هي العدو الأول للمنتخبات العظمى”، من خلال رصد المفاجآت التي أسقطت أعتى المنظومات التكتيكية ومنها فرنسا في مناسبتين سابقتين:

  • نسخة 2026: باراغواي تقصي ألمانيا بركلات الترجيح.
  • نسخة 2022: السعودية تصعق الأرجنتين بنتيجة 2-1.
  • نسخة 2018: روسيا تطيح بإسبانيا عبر ركلات الترجيح.
  • نسخة 2010: جنوب إفريقيا تفوز على فرنسا 2-1.
  • نسخة 2002: السنغال تهزم فرنسا حاملة اللقب الافتتاحي 1-0.
  • نسخة 1950: المفاجأة التاريخية بفوز الولايات المتحدة على إنجلترا 1-0، حيث صرح اللاعب الأمريكي هاري كيو (الذي كان يعمل ساعي بريد) لقناة (الفيفا) بأن الإنجليز “هيمنوا على اللقاء تماما”، وأن هدف زميله جو غايتجينز كان مجرد “ضربة حظ” غير خاضعة للمنطق.

مبابي في مواجهة حتمية التاريخ

هذا الخوف من عشوائية اللعبة هو الشيء الوحيد الذي قد يحرم فرنسا الحالية من توثيق اسمها كبطلة للعالم. ورغم أن السيناريو العاطفي للمونديال الحالي يفضل حدوث معجزة أمريكية على أرضها، أو إنهاء إنجلترا لجفاف دام 60 عاما، إلا أن المنطق الفني الصرف يجبر الجميع على الاعتراف بتفوق فرنسا. وهو ما أكده غراهام بوتر قائلا: “شخصيا، لم أر فريقا أفضل من هذا.. حتى لو كنا مثاليين، لم يكن ذلك ليكفي”.

مبابي، ورغم إهداره فرصة أمام شباك فارغة في الدقيقة 32 بعد ارتطام كرته بالقائم، نجح في رفع حصيلته التاريخية إلى 18 هدفاً في كأس العالم، ليصبح على بُعد هدف واحد من رقم ليونيل ميسي القياسي، في حين انفرد برقم تاريخي جديد كأعلى هداف في الأدوار الإقصائية للمونديال برصيد 10 أهداف. وعقب اللقاء، أكد مبابي على الروح الجماعية التي يقود بها الفريق مدربه ديشان قائلًا: “هو يعلم أنه لن يكون وحيداً أبداً، ونحن هنا لدعمه”.

المنظومة الفرنسية الحالية تبدو في ذروة انسجامها الفني، لكن التاريخ يعيد التذكير بمونديال 1998؛ عندما كان ديشان لاعباً وقائداً للجيل الذي حقق اللقب الأول، وحينها عجزت فرنسا بكل نجومها عن فك شفرة دفاع باراغواي في ثمن النهائي، ولم تعبر إلا بهدف قاتل في الأشواط الاضافية وتحديدا في الدقيقة 114 عن طريق لوران بلان.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...