يامال ونيكو.. نجمان من أصول إفريقية يقودان إسبانيا لمواجهة “رعب” البرتغال في ديربي إيبيري بطعم النهائي المبكر
تتجه أنظار العالم، مساء، اليوم، الاثنين، إلى ملعب دالاس، حيث تصطدم إسبانيا بالبرتغال في واحدة من أثقل مباريات ثمن نهائي كأس العالم 2026.
مواجهة يصعب التعامل معها باعتبارها مباراة عادية في بداية الأدوار الإقصائية، بالنظر إلى القيمة الفنية للمنتخبين، وكثرة النجوم في تشكيلتيهما، والتاريخ التنافسي والجغرافي الذي يحوّل الصدام إلى “ديربي إيبيري” مفتوح على جميع الاحتمالات.
تدخل إسبانيا المباراة وهي تحمل رغبة إضافية في الثأر من البرتغال، التي انتزعت منها لقب دوري الأمم الأوروبية في نهائي 2025 بركلات الترجيح، عقب انتهاء اللقاء بالتعادل بهدفين لمثلهما.
ويمتلك المنتخب الإسباني سلسلة قوية من النتائج، بعدما حافظ على سجله دون هزيمة في 34 مباراة، وظهر في المونديال بقدر كبير من التوازن بين الاستحواذ والضغط العالي والفاعلية الهجومية.
غير أن المدرب لويس دي لا فوينتي يدرك أن السيطرة على الكرة لن تكون كافية أمام منتخب برتغالي يملك أدوات قاتلة في التحولات السريعة.
فوجود كريستيانو رونالدو داخل منطقة الجزاء، مدعوما ببرونو فرنانديز وفيتينيا وجواو نيفيش، يفرض على الدفاع الإسباني تجنب خسارة الكرة في المناطق الحساسة، كما يمثل الظهير نونو مينديش سلاحا هجوميا ودفاعيا مهما، خصوصا أنه سيكون مطالباً بإيقاف أخطر مفاتيح “لاروخا”، لامين يامال.
ولهذا تراهن إسبانيا على جناحيها من أبناء المهاجرين الأفارقة، لامين يامال في الجهة اليمنى، ونيكو ويليامز في الجهة اليسرى، رغم أن مشاركة الأخير ستظل مرتبطة بمدى تعافيه الكامل من الإصابة.
وقال دي لا فوينتي إن يامال أصبح أكثر نضجا واستعدادا لتحمل المسؤولية، داعيا إياه إلى اللعب بحرية وإجبار الدفاع البرتغالي على المعاناة بدلا من الانشغال بالمواجهة الفردية مع نونو مينديش.
ويمثل يامال الواجهة الأبرز للتحول الذي عرفه المنتخب الإسباني خلال الأعوام الأخيرة. فقد وُلد في إسبانيا لأب مغربي وأم من غينيا الاستوائية، ونشأ في حي روكافوندا الشعبي قبل أن يصعد بسرعة داخل أكاديمية برشلونة ويتحول، وهو لا يزال في الثامنة عشرة، إلى النجم الأول لمنتخب كان يعتمد تاريخيا على جماعية اللعب أكثر من اعتماده على لاعب واحد.
وقبل اختياره إسبانيا، كان يامال مؤهلا لتمثيل المغرب، ودخلت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم في اتصالات من أجل إقناعه بحمل قميص “أسود الأطلس”.
وكشف اللاعب لاحقا أنه فكر جديا في الخيار المغربي، خصوصا بعد الإنجاز التاريخي للمغرب في مونديال قطر، لكنه قال إن نشأته في إسبانيا ورغبته في خوض كأس أوروبا دفعته في النهاية إلى اختيار “لاروخا”.
وعاد فوزي لقجع إلى الملف قبيل المونديال، معبراً عن أمله في مواجهة إسبانيا ويامال في النهائي من أجل معرفة ما إذا كان اللاعب قد أحسن الاختيار. وتحولت تلك التصريحات إلى جزء من النقاش المتجدد حول المواهب مزدوجة الجنسية، في وقت أصبح فيه يامال القلب الهجومي لإسبانيا وأحد أكثر لاعبي المونديال قدرة على صناعة الفارق.
وفي الجهة الأخرى، يقدم نيكو ويليامز قصة مختلفة لكنها ترتبط بالهجرة والهوية نفسها، فقد وُلد جناح أتلتيك بلباو في بامبلونا لأبوين غانيين قطعا رحلة شاقة عبر الصحراء للوصول إلى إسبانيا.
واختار نيكو تمثيل المنتخب الإسباني، بينما قرر شقيقه الأكبر إينياكي حمل قميص غانا، ليصبح الشقيقان نموذجا واضحا لتداخل الهويات داخل كرة القدم الحديثة.
وبدأت إسبانيا، خلال السنوات الأخيرة، تسلك الطريق نفسه الذي سبق أن اعتمدته فرنسا وبلجيكا وألمانيا، عبر توسيع قاعدة المنتخب الوطني والرهان على أبناء المهاجرين، خصوصا المنحدرين من أصول إفريقية، لتعويض التراجع النسبي في جودة المواهب الإسبانية الخالصة مقارنة بالجيل الذهبي الذي هيمن على أوروبا والعالم بين 2008 و2012.
ولم يعد الأمر يتعلق بحالات معزولة، بل بتحول واضح في هوية “لاروخا”، بعدما أصبح أبرز نجومه اليوم لامين يامال، المنحدر من أصول مغربية وإفريقية، ونيكو ويليامز، المولود لأسرة غانية.
ويعيد هذا المسار إلى الأذهان التجربة الفرنسية التي بنت جانبا كبيرا من قوتها على نجوم من أصول إفريقية، يتقدمهم كيليان مبابي وعثمان ديمبيلي، إلى جانب التجربة البلجيكية التي استفادت من أسماء بارزة تنحدر من عائلات مهاجرة، وكذلك ألمانيا التي اعتمدت في مراحل سابقة على لاعبين مثل سامي خضيرة ومسعود أوزيل وجيروم بواتينغ.
وبفضل يامال ونيكو، بدأت إسبانيا تصنع بدورها هوية كروية جديدة، تجمع بين المدرسة الإسبانية القائمة على الاستحواذ والتمرير، وبين السرعة والقوة والاختراق الفردي التي يمنحها أبناء الهجرة الإفريقية، في تحول يبدو مرشحا للتوسع خلال السنوات المقبلة.
أما البرتغال، فرغم عدم تقديمها أفضل مستوياتها في الدور الأول واحتلالها المركز الثاني خلف كولومبيا، فإنها تبقى مرعبة بالأسماء والخبرة، حيث ويخوض رونالدو، في سن الحادية والأربعين، كأس العالم الأخيرة في مسيرته، بعدما سجل ثلاثة أهداف في النسخة الحالية، وهو ما يضيف إلى المباراة صراعا رمزيا بين أسطورة تقترب من نهاية رحلتها ونجم شاب يستعد لكتابة بدايته الكبرى.
المصدر: الصحيفة





