تونس: في ضرورة التحرّر من سطوة أكاذيب سياسية كُبرى

 

 

 

 

 

 

المهدي مبروك
وزير الثقافة التونسي عامي 2012 و2013. مواليد 1963. أستاذ جامعي.

 

 

كتبت الجامعية التونسية رجاء بن سلامة، قبل أيام، في حسابها في فيسبوك تدوينةً عنونتها: “كتابة تاريخ الأكاذيب الكُبرى التي هيمنت على تونس ما بعد 2011″، مفادها بأنّها صدّقت، رغم حذرها الكبير، عدّة أكاذيب روّجها فاعلون سياسيون ومدنيون وإعلاميون من باب تصفية الحساب مع الإسلاميين، وعدّدت بعضاً من هذه الأكاذيب الكُبرى منها: التعويضات المالية الضخمة التي تلقّاها آلاف الإسلاميين تعويضاً عن سنوات السجن والنفي، والهبة الصينية الضخمة التي حوّلها وزير الخارجية (آنذاك) رفيق عبد السلام إلى حسابه البنكي، والاغتيالات السياسية التي استهدفت الشهيدَين شكري بلعيد ومحمّد البراهمي؛ الأوّل رئيس أحد أبرز الأحزاب السياسية اليسارية الراديكالية، والثاني زعيم تيّار عروبي قومي، وأخيراً شيطنة هيئة الحقيقة والكرامة ورئيستها سهام بن سدرين. وختمت بن سلامة تدوينتها بالدعوة إلى نقد ذاتي “يحرّرنا من الأكاذيب القاتلة ومن التلاعب بالعقول”.

لا تزال آلة واحدة في تونس تشتغل بكلّ نَهم، هي آلة السجن والتهام مزيد من الناس الأبرياء

شكّلت هذه التدوينة مثار اهتمام الرأي العام التونسي، ولقيت تفاعلاً واسعاً لا يزال محتدماً في شبكات التواصل الاجتماعي. ما يعود إلى اعتبارات عدّة، لعلّ أكثرها أهمّيةً مصدر التدوينة وصاحبتها، إذ تنتمي رجاء بن سلامة إلى “تيّار ثقافي نسوي حداثي”، ناهضت من خلاله الإسلاميين بشراسة خلال عشرية الانتقال الديمقراطي، سواء بصفتها جامعيةً أو مثقّفةً، وقد تولّت الإدارة العامة لدار الكتب الوطنية أكثر من أربع سنوات تزامنت مع فترة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، أو بصفتها وجهاً نسوياً بارزاً ظلّ يرى في الإسلاميين خطراً على حرّية النساء ومكاسبهنّ. الاعتبار الثاني السياق السياسي الذي تندرج فيه مثل هذه التدوينة، خصوصاً أنّها تأتي بعد توجيه عشرة من الزعامات السياسية من داخل السجن نداءً لتوحيد المعارضة واستعادة الديمقراطية، في ظلّ استمرار الإخفاق الذريع المستفحل على جميع الصعد، فاقمته أخيراً الخيبة الرياضية بخروج المنتخَب التونسي من الدور الأوّل، بعد أن مُني بهزائم ثقيلة الأولى من نوعها منذ بدء مشاركة تونس في نهائيات كأس العالم، مع إحساس متنامٍ لدى النُّخب والفئات الواسعة بأنّ البلاد تغرق في الفوضى والشلل. لا تزال آلة واحدة تشتغل بكلّ نَهم، هي آلة السجن والتهام مزيد من الناس الأبرياء. هذه الإنجازات الوحيدة التي ظلّت تشتغل بهمّة من دون كلل أو ملل.
ربّما فاجأ موقف رجاء بن سلامة بعضهم، ولكنّ كلّ من تابع كتاباتها في السنوات السابقة لم يستغرب من محتوى تدوينتها. لقد ظلّت تتباين بشكل واضح مع النظام السياسي الحالي، ولم تنخرط في تأييده منذ البداية، وواظبت من حين إلى آخر على إبداء تبرّمها وتحفّظها المُعلَن، ومشاركتها من حين إلى آخر في بعض الفعّاليات المواطنية، كما أنّها أبدت تعاطفاً إنسانياً غير مشروط وغير متحيّز مع كلّ ضحايا النظام السياسي، من إيقافات وسجن، بمن فيهم الإسلاميون، وكانت تعبّر عن ذلك بكثير من النبل الإنساني. لذلك؛ كان موقفها أخيراً خطوةً متوقّعةً. بعد هذا الموقف، كتبت سهام بن سدرين تدوينةً معلنةً أنّها ستبدأ في تفكيك الأكاذيب الكُبرى، على خلفية صدور حكم قضائي في حقّها يقضي بسجنها 25 سنة. وقد طاولتها هي أيضاً جملة أكاذيب باعتبارها رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، شملت لاحقاً تجربة العدالة الانتقالية نفسها، لعلّ من أكثرها أهمّيةً التعويضات المالية التي منحتها الهيئة لضحايا نظام بن علي، والحال أنّ صندوق الكرامة الذي نصّ عليه قانون العدالة الانتقالية لم يُفعّل أصلاً، ولم يودع فيه ملّيم واحد، وأنّ ما قدّمته الهيئة من مساعدات إنسانية وُجِّه إلى ضحايا الثورة من جرحى وشهداء، ولم ينل أيُّ سجين سياسي، إسلامي أو يساري، أيَّ مبلغ. من دون إغفال أكاذيب كبرى أخرى تتعلّق باتهامات أخرى تخصّ فساد بعض أعضاء الهيئة مالياً.
تشكّل مثل هذه التدوينات خروجاً عن الإجماع السيّئ، ووضع حدّ للتواطؤ السلبي مع الكذب والانتفاع بفيئه السياسي. والمؤكّد أنّ بعضهم، وإن لم يسهم في نشر الأكاذيب أو تصديقها، آثر مع هذا عدم التصدّي لها، تربّحاً من خراجها وفيئها السياسي، خصوصاً إذا كان من خصوم النهضة والانتقال الديمقراطي عموماً.
لم يكن الكذب السياسي، الذي ساهمت في إرسائه ثقافة سياسية تسندها الخوارزميات وكثير من العناية الفائقة التي توليها اليد الخفية، مجرّد نيل من سمعة الناس الذين تولّوا إدارة عشرية الانتقال الديمقراطي، بل كان بالأساس كذباً استراتيجياً رذّل هذه العشرية برمّتها، وكرّه الناس في الديمقراطية. شُيطن الفاعلون السياسيون من دون استثناء لإيجاد حالة من الفراغ السياسي القاتل، الذي يكثّف الطلب على شخص قادم من خارج المنظومة التي غدت مرادفاً للفشل والفوضى. لم يكن الكذب السياسي مجرّد هفوات عابرة تردّد بعض الأخبار غير الدقيقة أو تتداولها، بل كان ثمرة “فبركات” تنتجه تلك المنظومة لغايات سياسية دقيقة. يقول أحدهم، ممَّن احترفوا ببراعة فائقة صناعة الكذب، في برنامج تلفزيوني، إنّه كان مَن اخترع (وروّج) كذبة أنّ الرئيس منصف المرزوقي “سكّير”، وأنّه كان حريصاً على إنتاج مثل هذه الأكاذيب، وهو يعلم في قرارة نفسه حقيقة أنّ الرجل بريء، ولكنّ عداءه تجربة الحكم التي قادها المرزوقي دفعه إلى ذلك السلوك المشين.

لا تقتصر وظيفة الكذب السياسي على تشويه الناس بل على تشويه تجربة بكاملها وترذيل الديمقراطية

كان الكذب السياسي يلبّس الحقيقة بالوهم، حتّى اختلطت على الناس الأمور والمسائل، وانتهى بهم الحال، تحت سطوة الخوارزميات، إلى القبول بها حقائقَ راسخة. حين يستقلّ تونسي أيّ سيارة أجرة، يبادره السائق بالحديث عن أملاك وزراء عشرية الانتقال الديمقراطي، ويقدّم تفاصيل دقيقة بالأسماء والممتلكات، ولا يتردّد، بين الحين والآخر، في الإشارة بيده إلى هذه البناية أو تلك، ذاكراً مالكها وفق ما وصل إليه من تلك المصادر التي احترفت صناعة الكذب.
وصل الأمر ببعضهم إلى ادّعاء امتلاك أحد رؤساء الحكومات أطناناً من الأحجار الكريمة، إلخ، فضلاً عن تواطؤ حكومة النهضة مع حركة حماس لحفر أنفاق من تونس إلى غزّة لجلب السلاح. يصدّق الناس، تحت وطأة الكراهية والحقد، هذه الأكاذيب كلّها، لتغدو حقائق لا يتطرّق إليها الشكّ.
لا تقتصر وظيفة الكذب السياسي على تشويه الناس، بل على تشويه تجربة بكاملها وترذيل الديمقراطية. لذلك؛ النقد الذاتي والاعتراف بالخطأ هما الخطوة الصحيحة والضرورية، التي قد تكون في اتجاه القطع مع الافتراء على تجربة تونس في انتقالها الديمقراطي الموءود. لقد ربحت رجاء بن سلامة راحة ضميرها وصفاء عقلها، ولكنّ هذه الخصلة مهمّة، وعلى الجميع التحلّي بها، سواء أكانوا من خصوم الإسلاميين أم من الإسلاميين أنفسهم، إذا ما كانوا راغبين في استعادة الديمقراطية.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...