هلال واحد ومطالع مختلفة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

المهدي مبروك
وزير الثقافة التونسي سابقا.
أستاذ جامعي، ناشط سياسي ونقابي وحقوقي.

 

يُعاد المشهد نفسه تقريباً مع تعديلات طفيفة. وهو مشهد سوريالي حقيقة: يتطلع العالم الإسلامي بأشكال مختلفة إلى السماء، علهم يرون هلال رمضان. تختلف التسميات من بلد إلى آخر: يسمّيه جل المسلمين يوم الشك، وهو يوم الترقب. كانت طقوساً راسخة منذ قرون بعيدة، ولم نكن نراها أمام أعيننا. تنبئنا كتب الفقه والرّحالة قديماً، وحتى عما يصاحب ذلك التطلّع من ممارسات وطقوس تجلي تماماً الثراء الروحي والتعدّد الثقافي والاختلاف بين أرجاء عالم إسلامي فسيح، يتوزّع على ما يزيد على ثلاث قارات آوت شعوباً وثقافات وأمماً ومللاً ونحلاً مختلفة. سمّاها بعضهم الإسلام التاريخي، ويسميها آخرون الإسلام الأنثروبولوجي. كان ذلك كله يجري في صمت، أو هو على الأرجح يقع في ظلال محلية لا تنكشف لنا إلا قليلاً، وتتناهى إلى أسماعنا أخبارها بعد انقضاء أحداثها. أما حالياً، فإن ذلك كله يقع تحت مرأى الجميع ومسمعهم. تنقل وسائل الإعلام المتطوّرة، فضلاً عن شبكات التواصل الاجتماعي، تفصيل رؤية الهلال أو رصده… إلخ.

وإذا كان اختلاف رؤية الهلال قديماً يؤكّد، أكثر من أي وقت مضى، أهمية الميقات الذي يهلّ فيه الشهر المكرم، وجملة الموانع التي تحول دون وحدته، لاعتبارات عديدةٍ، تعود في جلها إلى عوامل فلكية، كتعذّر رؤية الهلال لأسباب مناخية أو عدم ميلاده في جناح من العالم الإسلامي وميلاده في جناح آخر، فإننا لا نستطيع فهم ما يحدُث حاليّاً، والحال أن العلم تقدّم وقد صالحته هذه الشعوب في مناشط عديدة من حياتها اليومية: الطب، الطيران، الهندسة إلخ. تستفحل الخلافات لمسائل بعيدة عن هذه العوامل العلمية الموضوعية المتعلقة بالفلك وقدرته على رصد ميلاد الهلال الجديد. ثمّة بالأحرى عوامل أخرى أقرب إلى السياسة منها إلى الفلك أو الثقافة بالمعنى الأنثروبولوجي الواسع.

يشي هذا الاختلاف في تحديد ميلاد هلال شهر رمضان، في أحيانٍ كثيرة، بمواقف سياسية، تعود، في جزئها الأكبر، إلى الأنظمة السياسية. تحرص هذه الأخيرة، في نطاق إثبات شرعيتها، على إثبات أن لها هلالها الخاص، ففي بلدانٍ كثيرة، تتشكل لجان رصد الهلال التي يتقدّمها المفتي أو من ينوبه لقيادة “أعمال” رصد الهلال. ولا شك أن عديدين من هؤلاء يجدون صعوبة حتى في تتبع تلك اللحظات. ويكتفي عديدون منهم بإلصاق عينيه إلى العدسة، فيما يتولى مساعدوه من أعضاء لجنة رصد الهلال من المهندسين والتقنيين إلى تتبع خطوات تقدم الهلال نحو سمائنا.

ثمة ثابتٌ مزمنٌ لا يمكن البحث عن سببٍ مقنع له، وكأن السماء انفطرت إلى شقّين: هلال للسنة وهلال آخر للشيعة

في كل تلك التفاصيل، تبحث أنظمتنا عمّا يعزّز شرعيتها الدينية، وهي التي بجلت الشهر الكريم، وعيّنت لجاناً في كل مكان لرصد هلاله. لا يخلو ذلك كله من مظاهر فولكلورية تربكها التقنيات الحديثة… ففي تلك اللحظة التي تشرئب فيها الأعناق لرؤية الهلال في العدسات، وليس في السماء، تتسرّب مئات صور عن أهلةٍ ولدت في مكان ما من العالم أو حتى العالم الإسلامي.

حدث في أحايين عديدة أن يعود الجمع بخفي حنين، ولم يروا هلالهم، مؤجّلين ميلاده السعيد إلى غدٍ، والحال أن مواطنيهم وأتباعهم قد رأوه في سماوات أخرى خارج السماء الوطنية… سماء كونٍ لا متناهٍ، استطاعت التقنيات المتقدّمة أن ترصده في بلد ما. تكفل شبكات التواصل الاجتماعي والتطبيقات التقنية الخاصة بعلوم الفلك أن تنقل لك تلك اللحظات التي هو في رحم الكون جنينياً يتخلق. ومع ذلك، لا يزال يحدث أن تتبنّى بعض البلدان، حتى وإن لم ترَ الهلال “وحدة المطالع”، وهي اجتهاد فقهي مغمور، يقوم على التصديق برؤية الهلال في بلد آخر وإعلان الفاتح من رمضان، رغم أن ساكنة البلد وخبراءه لم يروه رؤية العين، ولم يخلُ هذا من اصطفافات سياسية حدّدت تلك القرارات، وشكلت كتلاً سياسية بين حين وآخر، قائلة بوحدة المطالع واحداً من أشكال “التضامن الهلالي”.

ثمّة وحدة شعورية ما لا تزال توحد قلوب المسلمين

ولكن ثمة ثابتٌ مزمنٌ لا يمكن البحث عن سببٍ مقنع له، وكأن السماء انفطرت إلى شقّين: هلال للسنة وهلال آخر للشيعة. إذ يندر أن يروا معاً هلال رمضانهم، فلكلٍ هلاله ولكل سماؤه… لا يستطيع مؤمنٌ مهما كانت سذاجته أن يصدّق أن طائفتين من دينه لا يرون الهلال معاً، والحال أن أوطانهم متلاصقة، بل الأغرب أنهم يرون هلالين في وطن واحد.

وفي كل الحالات، ثمة حرجٌ ما علينا أن نجيب عنه: هل نحتاج لإثبات ميلاد الهلال إلى رؤية العين المجرّدة، وهل نظل تحت رحمة “العدول الأشهاد”، والحال أن ما جادت به عقول البشرية يفوق بآلاف المرّات دقة وموضوعية قدرات البشر، مهما كان خصالهم وأمانتهم وثقتهم. وبقطع النظر عن اختلاف ميلاد الهلال في هذا البلد أو ذاك، ألا يبرهن هذا مرّة أخرى عن أزمة وحدة الزمن في بلدان يفترض في شعوبها أن تتقاسم شهراً متميزاً بروحانيته العالية. كيف يمكن لأزمة مختلفة متصدّعة ومتباينة أن توحد مشاعر المسلمين.

ومع كل هذا الجدل والصخب الذي نعيشه كل سنة بمناسبة بداية شهر رمضان، لا يمكن إنكار أن ثمّة وحدة شعورية ما لا تزال توحد قلوب المسلمين، رغم أن ممارسات اجتماعية عديدة تفسد على الصائمين سمو شهرهم: المضاربة والاحتكار والكسل. ولكن فلننظر إلى نصف الكأس الملآن من رمضاننا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...