عبد الباسط سيدا
كاتب وسياسي سوري، دكتوراه في الفلسفة.
للارتياح المشوب بالحذر الذي يسود الشارع العراقي هذه الأيّام، في أجواء الحملة التي أعلنها رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي ضدّ الفساد والفاسدين في الدولة العراقية، مسوّغاته وتوجّساته وأمنياته، فأصحاب المعاناة من العراقيين، وهم الغالبية على اختلاف انتماءاتهم، سعداء بهذا التوجّه الذي قد ينقذ بلادهم ومجتمعهم من وباء الفساد الأسطوري. هذا الفساد الذي لم تعد تقتصر أرقامه على مئات الآلاف أو حتّى الملايين من الدولارات، بل بلغت مستوى المليارات، وهي في طريقها نحو التريليون، إن لم تكن قد تجاوزته.
آثار هذا الفساد في الوضع المعيشي والصحّي والاجتماعي والأخلاقي، والمستقبل التعليمي للشباب العراقي والأجيال العراقية المقبلة، واضحةً وملموسةً، ولا يمكن للماكينات الإعلامية الخاصّة بالقوى المستفيدة من الفساد التغطية عليها. والجدير بالذكر هنا أنّ القوى المهيمنة في عالم الفساد العراقي غالباً ما تكون لديها تحالفات مشبوهة مع المليشيات المسلّحة وتجار الممنوعات، وهي معروفة بأدوارها الوظيفية لصالح المشاريع الإقليمية التوسّعية، خصوصاً الإيرانية منها، التي لا يمثّل العراق وشعبه بالنسبة إليها سوى ساحةً للنفوذ والاستنزاف، وتهديدَ دول الجوار ومجتمعاته وابتزازهما.
الحلّ الذي يقترحه مسعد بولس في ليبيا يقوم على توزيع الغنائم بين عائلتَي الدبيبة وحفتر، ما يُستشفّ منه وجود نزوع لدى إدارة ترامب يتمثّل في احتمال التساهل مع الفاسدين
ولكن، إلى جانب هذا الارتياح، هناك توجّس مشروع لدى معظم العراقيين، يتمحور حول قدرة الزيدي على المضي في مشروعه غير المسبوق في عراق ما بعد سقوط نظام صدّام حسين عام 2003. فهل سيتمكّن الرجل من الاستمرار في حملته، وهو الذي يُعيَّن في موقعه، بموجب العرف المتّبع، بعد تمرير اسمه أميركياً وإيرانياً، وبتوافق القوى السياسية العراقية الحاكمة حول بموجب التوازنات والتوافقات الأميركية الإيرانية؟ وهل سيتمكّن من الاستمرار في حملته لتصل إلى هدفها المُعلَن، المتمثّل في قطع دابر الفساد في العراق؟
الفساد المزمن في الدولة العراقية عمره أكثر من عقدَين، وقد بات حديث المجتمع العراقي على كلّ المستويات. وكانت هناك أكثر من حركة احتجاجية بين الشباب العراقي مناهضةً لهيمنة الفاسدين وممارساتهم، وانعكاسات تلك الممارسات على الواقع المعيشي والصحّي والتربوي للمهمّشين العراقيين، وهم الغالبية الساحقة. ومن أشهر الاحتجاجات المعنية هنا احتجاجات تشرين (2019) العارمة في المحافظات الجنوبية، وقد تحوّلت تلك الاحتجاجات إلى نواة ثورة شعبية هدّدت حيتان الفساد في الدولة العراقية، ولكنّ الأجهزة الأمنية قمعتها بقسوة، وكان هذا، على الأرجح، بتوجيهات الأجهزة الإيرانية وتعليماتها، وربّما بتدخّل مباشر منها. ومعروفٌ أنّ تلك الحركة قد أدّت إلى سقوط حكومة عادل عبد المهدي، وكانت حصيلة قمعها الوحشي مئات القتلى والمغيّبين وآلاف الجرحى. ولكنّ هذا كلّه لم يمنع الفساد اللامعقول، المحمي من أركان الدولة العراقية العميقة، من التمدّد والانتشار، حتّى بات كابوساً يُهدّد بانهيار النظام المالي العراقي، على الرغم من أنّ العراق من أكبر منتجي النفط والغاز على المستوى العالمي.
والسؤال المشروع بشأن حملة الزيدي على الفساد: هل ستستمرّ هذه الحملة حتّى تبلغ نهاياتها السعيدة التي ترتقي إلى مستوى تضحيات وتطلّعات غالبية العراقيين أصحاب المعاناة، أم أنّ ما جرى حتّى الآن لم (ولن) يتجاوز حدود المطلوب لتسويق رئيس الوزراء الجديد شعبياً في مواجهة رموز الفساد الذين كانوا يخطّطون للسيطرة التامّة على الدولة العراقية؟ لقد أسهمت مستجدّات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وتبعاتها، في إبعاد كلٍّ من نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، وربّما أسماء أخرى، من موقع رئاسة مجلس الوزراء، ليُسنَد هذا الموقع إلى الزيدي، الذي لا يمتلك فصيلاً مسلّحاً ولا حزباً شعبياً مؤثّراً، وإنّما رأسماله السياسي كلّه ماضيه الإداري، وتصريحاته عن نزاهته واستعداده للتضحية بكلّ شيء من أجل العراق والعراقيين. ولكن، هل هذا يكفي في عالم لا صوت فيه يعلو على صوت الفساد المتوحّش، هذا الفساد الذي لا يتورّع أصحابه عن الإقدام على أيّ شيء من أجل الحفاظ على إمبراطورياتهم الخرافية المحمية بالمال والسلاح والتغطية السياسية والدعم الخارجي؟
من جهة أخرى، هناك سؤال مشروع آخر يفرض نفسه بعد ظهور بوادر إمكان حصول توافق أميركي إيراني حول حقبة ما بعد الحرب، واحتمالية الإقرار بدور إقليمي للنظام الإيراني مقابل التزامه بشروط تخصّ الملفّ النووي وإسرائيل. وفحوى هذا السؤال هو: هل سيتراجع النفوذ الإيراني في العراق، ويتمكّن الزيدي من الاستمرار في حملته ومشروعه الإصلاحي المطلوب بإلحاح على المستوى الشعبي العراقي بدعم من الرئيس الأميركي دونالد ترامب أثناء زيارة رئيس الوزراء العراقي المرتقبة إلى واشنطن، التي من المفروض أن تكون في منتصف يوليو/ تموز الجاري، أم أنّ الفساد سيظلّ وجهاً رئيساً من أوجه الأزمة العراقية المزمنة التي لم تُعالج بعد جذريّاً، على الرغم من كلّ الوعود والبرامج الانتخابية؟ وأنّ قضية مكافحة الفساد قد أصبحت، هي الأخرى، مثل قضية مكافحة الإرهاب، من وسائل إلهاء الناس، وإغراق العراقيين في تفصيلات كثيرة تحجب معاناتهم الحقيقية مع حكومات تفرض عليهم سياسة من دون إرادة منهم؟
وليس العراق استثناء في هذا المجال. فما يجري في ليبيا من صراع على السلطة والثروة بين مختلف الفصائل والقوى السياسية، سواء في الغرب الليبي أم في الشرق، إنّما أساسه ومحرّكه هو الفساد المستشري بين الجميع. وهو فساد أطرافه القوى المحلّية والإقليمية، وحتّى الدولية، المتمثّلة في الشركات التي تعمل في مجال استخراج النفط وتسويقه. فإمكانات ليبيا النفطية والغازية هائلة، وكلّ طرف من الأطراف الطامعة لديه رغبة في الوصول إلى خيرات ليبيا على حساب الشعب الليبي، ولديه استعداد للتفاهم مع الأطراف الأخرى مقابل أن يحصل على حصّته من الغنائم. ولعلّ هذا ما يفسّر سرّ قدرة مختلف الأطراف على الاحتفاظ بمواقعها في السلطة ضمن إدارتَي طرابلس وبنغازي.
الفساد الليبي هو الذي يمكّننا من فهم واقع ليبيا اليوم، المتمثّل في الانقسام الجغرافي والديموغرافي على الصعيد الواقعي، هذا في حين أنّ ليبيا، على المستويين، الرسمي والأممي، ما زالت دولةً واحدة. كما أنّه لم يصدر أيّ بيان أو إعلان من أيٍّ من الأطراف الليبية المنغمسة في عمليات الفساد بخصوص الرغبة في الانفصال أو التخطيط له، بل على العكس، تبدي الأطراف حرصها على الوحدة، ولكن كلّ طرف حريص على الاحتفاظ بما سيطر عليه من دون وجه حقّ، الأمر الذي لا يخدم عملية الوحدة، ولن يؤدّي إلى تحقيقها طالما أنّ القوى المستفيدة من الخيرات الليبية تحصل على ما تريد في الواقع الحالي.
ولعلّ هذا ما يلقي الضوء على خلفية مبادرة المستشار الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، بخصوص الحلّ في ليبيا. فالحلّ الذي يقترحه بولس يقوم على توزيع الغنائم بين عائلتَي الدبيبة وحفتر، وهذا ما يُستشفّ منه وجود نزوع لدى إدارة ترامب يتمثّل في احتمال التساهل مع الفاسدين، بغضّ النظر عن مفاسدهم، إذا ما التزموا بالبقاء ضمن المسارات المحدّدة لهم، ولم يهدّدوا المصالح الأميركية، أو الشروط الأميركية التي عليهم الالتزام بها للبقاء في السلطة.
تفسح السلطة، بطبيعتها، المجال أمام صاحبها لاستغلال المنصب، والدخول في صفقات مشبوهة للحصول على مكاسب خاصّة
ونحن في سورية، إذا ما أردنا تفادي كوارث الفساد في كلّ من العراق وليبيا ودول عربية أخرى أنهكها الفساد، الذي يفتح الأبواب عادة أمام كلّ الشرور الأخرى، بما فيها الاستبداد والإرهاب، فعلينا منذ الآن أن نعتمد جملةً من الإجراءات القانونية الشفّافة والواضحة والحازمة والصارمة والرادعة، تحمي المال العام وتحافظ على الملكيات العامّة والخاصّة. فالناس، سواء أكانوا ممَّن يعملون في الدولة أم مَن هم خارجها، بشر وليسوا ملائكة. والسلطة بطبيعتها تفسح المجال أمام صاحبها لاستغلال المنصب، والدخول في صفقات مشبوهة بغية الحصول على مكاسب خاصّة.
ومن أجل سدّ الطريق على ذلك كلّه، هناك حاجة ماسّة إلى سنّ قوانين تحفظ الحقوق العامّة والخاصّة، وإلى اعتماد الوضوح، وفتح الفرص أمام أصحاب المشاريع والعروض الاستثمارية وفق آليات وضوابط قانونية تقرّها التشريعات، حتّى يتم اختيار الأفضل لمصلحة الدولة والشعب، بعيداً عن المحسوبيات والولاءات وروابط القرابة. وفي موازاة ذلك، هناك حاجة إلى إفساح المجال أمام وسائل الإعلام والمنظّمات المجتمعية للاطلاع والمتابعة، بالإضافة إلى أهمية تفعيل إجراءات المساءلة والمحاسبة عبر مؤسّسات الدولة المختصّة، وتطبيقها بموجب ما تنصّ عليه القوانين التي ينبغي أن تسري على الجميع من دون أيّ استثناء.
تحدّثنا عن تجربة سنغافورة، وهناك حديث عن تجربة رواندا، والتجربتان تقدّمان نموذجين يُحتذيان على صعيد إمكانية تحقيق نقلة نوعية ونهضة متميّزة في الإمكانات الاقتصادية للبلد والمستوى المعيشي للمواطنين، على الرغم من محدودية الإمكانات، وذلك من خلال وجود حوكمة رشيدة تمتلك رؤية نهضوية، وخطّة عمل تُنفَّذ بكلّ عقلانية ومسؤولية في مناخ استثماري مزدهر يُطمئن الجميع، وذلك عبر آليات تشريعية وتنفيذية تقطع الطريق على الفاسدين والمفسدين، بغضّ النظر عن مواقعهم الوظيفية وتوجّهاتهم السياسية أو الأيديولوجية وانتماءاتهم المجتمعية.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





