حزب “الأصالة والمعاصرة” قبل انتخابات 2026.. قيادة بثلاثة رؤوس وملفات قضائية تلاحقه

إيطاليا تلغراف متابعة

يدخل حزب الأصالة والمعاصرة الأشهر الحاسمة السابقة للانتخابات التشريعية لسنة 2026 وهو يحمل طموح الانتقال من المرتبة الثانية إلى صدارة النتائج، لكنه يواجه، في المقابل، مجموعة من التحديات التنظيمية والسياسية والأخلاقية التي قد تجعل معركته أكثر تعقيدا من مجرد تعبئة المرشحين واستقطاب الأعيان.

فالحزب مطالب بإقناع الناخبين بأنه يتوفر على مشروع سياسي واضح ومستقل، وبأنه قادر على ضبط منتخبيه وحماية صورته من آثار الملفات القضائية التي لاحقت عددا من أبرز قياداته.

أول هذه التحديات يرتبط بصيغة القيادة الجماعية التي اعتمدها المؤتمر الخامس في فبراير 2024، فقد انتخب الحزب قيادة ثلاثية ضمت فاطمة الزهراء المنصوري ومحمد المهدي بنسعيد وصلاح الدين أبو الغالي، قبل أن يجمد عضوية الأخير ويعوضه لاحقا بفاطمة السعدي.

واليوم تتكون القيادة من المنصوري وبنسعيد والسعدي، مع احتفاظ المنصوري بموقع المنسقة الوطنية، ورغم أن هذه الصيغة قُدمت باعتبارها تجربة لتوزيع المسؤولية، فإنها تطرح أسئلة حول وحدة القرار وتحديد المسؤوليات السياسية، خصوصا عند تدبير الخلافات الداخلية واختيار المرشحين وصياغة الخطاب الانتخابي.

ولا يتعلق الأمر بعدد القادة فقط، بل بمدى استقرار الهيكلة الحزبية وقدرتها على إنتاج قرار منسجم، والتغيير الذي طال أحد أعضاء القيادة بعد أشهر من المؤتمر كشف أن البناء التنظيمي الجديد لم يكن محصنا من الصراع، كما أن وجود وزراء وقيادات ترابية وبرلمانية ذات مصالح انتخابية متباينة يجعل القيادة مطالبة بمنع تحول التعدد إلى مراكز نفوذ متنافسة، خاصة خلال توزيع التزكيات، وهي المرحلة التي تثير عادة نزاعات داخل الأحزاب.

التحدي الثاني سياسي وبرنامجي، فالحزب يشارك في الحكومة منذ 2021 ويتقاسم حصيلتها مع التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، لكنه سيحتاج خلال الحملة إلى إبراز ما يميزه عن شريكيه.

وإعلان القيادة أن هدفها هو احتلال المرتبة الأولى لا يكفي وحده لإقناع الناخب، إذ يتعين عليها تقديم تصور واضح في التشغيل والصحة والتعليم والسكن والعدالة المجالية، وتفسير مسؤوليتها عن القرارات الحكومية التي لم تحقق انتظارات فئات من المواطنين، كما سيكون عليها تجاوز صورة الحزب الذي يعتمد على قوة المنتخبين والأعيان أكثر مما يعتمد على هوية فكرية وبرنامج قابل للقياس.

ويبرز التحدي الأخلاقي بقوة مع الجدل المتعلق بأراض في منطقة تسلطانت بضواحي مراكش، ارتبط اسم فاطمة الزهراء المنصوري ببيعها ضمن إرث عائلي. وأثارت العملية تساؤلات بشأن احتمال وجود تضارب للمصالح بالنظر إلى مسؤولياتها الحكومية والجماعية، غير أن المنصوري نفت وجود أي استفادة غير قانونية، وأكدت أن العقارات خاصة بالعائلة، وأن تصاميم التهيئة المعنية صودق عليها سنة 2017، حين لم تكن وزيرة ولا عمدة، كما أعلنت اللجوء إلى القضاء ضد مروجي ما اعتبرته “معطيات مضللة”.

وانتخابيا، لا يتوقف أثر الملف على مآله القانوني فقط، بل على قدرة الحزب على تقديم توضيحات موثقة ومقنعة للرأي العام، أما العبء الأكبر، فيرتبط بقضية “إسكوبار الصحراء”، ففي 25 يونيو الماضي أصدرت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء حكما بالسجن 12 سنة نافذة في حق عبد النبي بعيوي، الرئيس السابق لجهة الشرق، و10 سنوات في حق سعيد الناصري، النائب البرلماني السابق والرئيس السابق لمجلس عمالة الدار البيضاء، فيما أدين عبد الرحيم بعيوي، الرئيس السابق لجماعة عين الصفا، بتسع سنوات، وهذه أحكام ابتدائية قابلة للطعن، في حين سبق للمتهمين أن نفوا الاتهامات الموجهة إليهم.

وقد جمد الحزب عضوية المعنيين منذ بداية الملف، لكن ثقل المواقع التي كانوا يشغلونها يجعل القضية مرتبطة، في أذهان جزء من الرأي العام، بآليات الانتقاء والترقية داخل الحزب، وليس بالمسؤوليات الفردية فقط، فالناصري وبعيوي لم يكونا مجرد عضوين عاديين، بل كانا يدبران مؤسسات ترابية كبرى ويتمتعان بنفوذ تنظيمي وانتخابي واسع.

ولا توجد حصيلة رسمية موحدة ومحينة تحدد بدقة عدد جميع المعتقلين أو المدانين المنتمين إلى الحزب في مجلس النواب ومجلس المستشارين والجماعات الترابية، غير أن الوقائع المنشورة تؤكد وجود ثلاثة منتخبين بارزين سابقين مرتبطين بالحزب ضمن قضية “إسكوبار الصحراء”، إضافة إلى الرئيس السابق لجماعة عين بني مطهر، الذي حُكم عليه ابتدائيا في يناير 2026 بسنتين حبسا نافذا في ملف تبديد أموال عمومية.

وعلى مستوى مجلس النواب، خلص تحقيق صحفي استند إلى قرارات وأحكام قضائية حتى نهاية 2024 إلى أن 55 نائبا خلال الولاية الحالية تعرضوا للمتابعة أو الإدانة، وأن نواب الأصالة والمعاصرة مثلوا نحو 18 في المائة من هذه الحالات، أي ما يقارب عشرة نواب، لكن هذا الرقم يشمل المتابعين والمدانين ولا يعني أنهم جميعا معتقلون، كما لا يشمل بالضرورة أعضاء مجلس المستشارين أو جميع منتخبي الجماعات.

أمام هذه الملفات، سيخوض الحزب معركة ثقة قبل أن يخوض معركة أصوات، وسيكون مطالبا بإعلان معايير صارمة لاختيار المرشحين، وإبعاد كل من تحوم حوله شبهات جدية إلى حين اتضاح وضعيته، مع احترام قرينة البراءة، وتقديم ميثاق أخلاقي قابل للتنفيذ وليس مجرد إعلان سياسي.

اليوم، التحدي الأساسي للأصالة والمعاصرة ليس فقط الحفاظ على مرتبته الانتخابية، بل إقناع المغاربة بأن الأزمات التي مسّت بعض قياداته دفعته إلى مراجعة حقيقية لطرق التنظيم والتزكية والمحاسبة، ومن دون أجوبة واضحة عن القيادة والبرنامج والأخلاقيات، قد تتحول طموحات المرتبة الأولى إلى عبء سياسي تستثمره المعارضة بقوة خلال الحملة المقبلة.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...