ليست لغة الجسد وحدها.. لماذا يختارك ضباط المطارات للتفتيش الإضافي؟

إيطاليا تلغراف متابعة

يقف آلاف المسافرين يوميا أمام ضباط الجوازات والجمارك في المطارات وهم يتساءلون: لماذا يمر بعض الأشخاص خلال ثوانٍ، بينما يُطلب من آخرين الوقوف جانبا والخضوع لأسئلة إضافية أو تفتيش أكثر دقة؟ ويعتقد كثيرون أن ضابط الحدود يستطيع “قراءة” لغة الجسد وكشف الكذب من النظرة الأولى، لكن التقارير والدراسات العلمية ترسم صورة أكثر تعقيدا.

ففي الواقع، لا يعتمد قرار إحالة المسافر إلى التفتيش الإضافي على تعبيرات الوجه أو التوتر وحدهما، بل على مزيج من مراجعة الوثائق، واتساق المعلومات، والإجراءات الأمنية، وفي بعض الأحيان الاختيار العشوائي.

هل يستطيع ضابط المطار كشف الكذب من خلال لغة الجسد؟

تعد هذه واحدة من أكثر الأفكار انتشارا بين المسافرين، إلا أن الأدلة العلمية لا تدعمها بالشكل الذي يعتقده كثيرون.

فقد كانت إدارة أمن النقل الأمريكية (TSA) تطبق لسنوات برنامجا يعرف باسم “فحص المسافرين باستخدام تقنيات الملاحظة،” SPOT، يعتمد على ملاحظة مؤشرات سلوكية مثل تعبيرات الوجه، وطريقة الحركة، وبعض الإشارات غير اللفظية، بهدف تحديد الركاب الذين قد يستدعون تفتيشا إضافيا.

لكن مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي (GAO)، وهو الجهة الرقابية التابعة للكونغرس، خلص في تقرير صدر عام 2013 إلى أن الدراسات العلمية المتوافرة لم تثبت أن مراقبة هذه المؤشرات السلوكية قادرة على تحديد الأشخاص الذين يشكلون تهديدًا أمنيا، مشيرًا إلى أن قدرة البشر على اكتشاف الخداع من خلال لغة الجسد كانت، في كثير من الدراسات، قريبة من مستوى التخمين.

وفي مراجعة أخرى نُشرت عام 2017، توصل المكتب إلى أن 28 مؤشرا من أصل 36 مؤشرا سلوكيا استخدمتها TSA لم تكن مدعومة بأدلة علمية قوية تثبت قدرتها على التنبؤ بوجود تهديد أمني.

ولم تقتصر الاستعانة بالملاحظة السلوكية على الولايات المتحدة. ففي أوروبا، شاركت عدة دول في مشروع بحثي ممول من الاتحاد الأوروبي حمل اسم BEMOSA، ركز على دراسة كيفية توظيف الملاحظة السلوكية لدعم قرارات العاملين في أمن المطارات. لكن المشروع شدد على أن هذه الملاحظات تعد أداة مساعدة ضمن منظومة أمنية أوسع، وليست وسيلة موثوقة لكشف الكذب أو التنبؤ بالسلوك الإجرامي من خلال لغة الجسد وحدها.

وفي كندا وأستراليا، تتضمن إجراءات أمن الطيران أيضا عناصر لتقييم السلوك أثناء نقاط التفتيش أو المقابلات الأمنية، إلا أن هذه العناصر تستخدم إلى جانب فحص الوثائق، وقواعد البيانات، والمعلومات الاستخباراتية، وأجهزة الكشف الأمنية، ولا تعتمد على افتراض أن الضابط يستطيع اكتشاف الكذب بمجرد مراقبة تعبيرات الوجه أو الحركات الجسدية. كما تؤكد الإرشادات الأمنية في هذه الدول أن تقييم المخاطر يعتمد على مجموعة متكاملة من المؤشرات والبيانات، وليس على الانطباعات السلوكية وحدها.

ماذا يبحث عنه الضابط فعلا؟

يؤكد مسؤولو الجمارك وحماية الحدود الأمريكية (CBP) أن المقابلة القصيرة مع المسافر تهدف في الأساس إلى التحقق من الهوية، والغرض من الزيارة، ومدى اتساق المعلومات التي يقدمها مع الوثائق التي يحملها وسجل سفره.

ولهذا قد يطرح الضابط أسئلة تبدو بسيطة، مثل: ما سبب زيارتك؟ كم ستبقى؟ أين ستقيم؟ من سيمول الرحلة؟

ولا يبحث الضابط عن “الإجابة المثالية”، بل عن رواية متسقة لا تتعارض مع التأشيرة، أو حجوزات السفر، أو المستندات الأخرى.

التوتر ليس المشكلة

يشعر كثير من المسافرين بالقلق عند الوقوف أمام ضابط الحدود، خصوصا إذا كانت هذه أول رحلة لهم أو بعد ساعات طويلة من السفر.

ويؤكد خبراء السلوك أن التوتر في حد ذاته لا يعني وجود مخالفة، ولا يعد دليلا على نية سيئة.

لكن إذا ترافق التوتر مع إجابات متناقضة، أو تغيرت الرواية عند إعادة السؤال، أو بدا أن المسافر لا يعرف معلومات أساسية عن رحلته، فقد يقرر الضابط طرح مزيد من الأسئلة أو تحويله إلى الفحص الثانوي لاستكمال التحقق.

هل تعرف تفاصيل رحلتك؟

من أكثر الأمور التي قد تثير استفسارات إضافية أن يعجز المسافر عن الإجابة عن أسئلة يفترض أنه يعرفها، مثل عنوان الفندق، أو المدينة التي سيقيم فيها، أو مدة الزيارة، أو الشخص الذي سيستقبله.

ولا يعني ذلك ضرورة حفظ كل التفاصيل، لكن من الطبيعي أن يكون لدى المسافر تصور واضح عن رحلته، خاصة إذا كان هو من خطط لها.

الأمتعة تروي جزءا من القصة

لا ينظر ضباط الجمارك إلى الحقائب بمعزل عن بقية المعلومات، بل يقارنون حجم الأمتعة وطبيعتها بسبب الزيارة ومدتها.

فقد تستدعي رحلة عمل ليومين مع أربع حقائب كبيرة بعض الأسئلة، كما قد يثير الفضول وصول شخص في رحلة تمتد شهرًا بحقيبة صغيرة للغاية.

ولا يعني ذلك وجود مخالفة، لكنه قد يدفع الضابط إلى طلب تفسير منطقي. كما تحذر سلطات الحدود باستمرار من حمل حقائب أو طرود تخص أشخاصًا آخرين دون معرفة محتوياتها، لأن المسافر يتحمل المسؤولية القانونية عما يحمله عند عبور الحدود.

الأطعمة الممنوعة

من أكثر الأخطاء شيوعا نسيان التصريح عن بعض الأطعمة أو المنتجات الزراعية أو المشتريات التي تخضع لقيود.

وقد يعتقد البعض أن ثمرة فاكهة أو قطعة جبن لن تشكل مشكلة، لكن قوانين كثير من الدول، ومنها الولايات المتحدة، تفرض قيودا صارمة على إدخال بعض المنتجات لحماية الزراعة والصحة العامة.

ولهذا تنصح السلطات بالإفصاح عن أي مواد يُطلب التصريح عنها، لأن الإعلان عنها أفضل بكثير من اكتشافها أثناء التفتيش.

التفتيش الإضافي لا يعني أنك متهم

قد يشعر بعض المسافرين بالقلق إذا طُلب منهم الانتقال إلى منطقة الفحص الإضافي، لكن هذا الإجراء لا يعني بالضرورة وجود شبهة جنائية أو مخالفة.

فقد يكون الهدف مراجعة وثائق السفر، أو التحقق من بعض البيانات، أو استكمال إجراءات روتينية، أو إجراء فحص عشوائي ضمن التدابير الأمنية المعمول بها في كثير من المطارات حول العالم.

ولذلك، فإن الخضوع للتفتيش الإضافي لا يعد في حد ذاته مؤشرا على الاشتباه بالمسافر، بل هو أحد الإجراءات التي قد تُطبق لأسباب تنظيمية أو أمنية، سواء بصورة عشوائية أو بناء على معايير تقييم المخاطر.

كيف تجعل رحلتك أكثر سلاسة؟

ينصح الخبراء بتجهيز جواز السفر والمستندات قبل الوصول إلى نقطة الجوازات، والتأكد من معرفة تفاصيل الرحلة، والإجابة بوضوح واختصار، والالتزام بقواعد التصريح عن البضائع والأطعمة، وعدم حمل أمتعة تخص آخرين.

وفي النهاية، فإن أفضل طريقة لعبور المطار ليست محاولة إخفاء التوتر أو مراقبة لغة الجسد، بل الاستعداد الجيد، والاحتفاظ بالوثائق اللازمة، وتقديم معلومات صحيحة ومتسقة.

فما يحدد مسار المقابلة في الغالب ليس ملامح الوجه أو طريقة الوقوف، وإنما مدى تطابق ما يقوله المسافر مع ما تحمله أوراقه، إلى جانب الإجراءات الأمنية المعتادة التي قد تشمل أيضًا اختيارات عشوائية لا تعني بالضرورة وجود أي اشتباه.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...