دخل رهان المغرب على الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة مع الكشف عن مستجدات خارطة “المغرب للذكاء الاصطناعي 2030″، التي ترسم أهدافا اقتصادية وبشرية كبيرة للسنوات الأربع المقبلة، في مقدمتها خلق 100 مليار درهم من القيمة المضافة وإحداث 50 ألف فرصة عمل وتكوين واعتماد 200 ألف كفاءة.
غير أن بلوغ هذه الأهداف يرتبط بجملة من الرهانات التي تتجاوز مجرد توسيع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، لتشمل امتلاك البنية الرقمية المناسبة، وتأهيل الموارد البشرية، وتأمين البيانات والأنظمة، وتقليص أشكال التبعية التكنولوجية.
وبين الطموح المعلن ومتطلبات التنفيذ، تستعرض “الصحيفة” أبرز ملامح الخارطة الجديدة، وتضعها أمام قراءة متخصص لتقييم جاهزية المغرب والتحديات التي يمكن أن تواجهه حتى سنة 2030.
بنية أولية مهمة.. لكنها غير كافية
وفي قراءته لمدى جاهزية المغرب لتحقيق هذه الأهداف، يرى حسن خرجوج، الباحث المتخصص في الأمن السيبراني والأستاذ الزائر بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، أن خارطة “المغرب للذكاء الاصطناعي 2030” تعكس انتقالا مهما من مرحلة استهلاك الحلول الرقمية إلى محاولة بناء منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي، غير أن نجاحها سيُقاس، وفق تقديره، بقدرة المملكة على تحويل الأهداف الرقمية المعلنة إلى بنية تحتية وكفاءات ومشاريع قابلة للقياس والاستمرار.
وأوضح خرجوج، في تصريح لـ”الصحيفة”، أن المغرب يتوفر حاليا على قاعدة أولية مهمة، تشمل توسع شبكات الألياف البصرية، وتطور مراكز البيانات، ووجود كفاءات هندسية وبحثية جيدة، إلى جانب مشاريع الحوسبة السحابية السيادية ومراكز البيانات المرتقبة، مستدركا بأن هذه القاعدة “ما تزال غير كافية لبناء منظومة ذكاء اصطناعي تنافسية على نطاق واسع”.
وشدد الباحث المتخصص في الأمن السيبراني على أن الذكاء الاصطناعي لا يحتاج فقط إلى الاتصال بالإنترنت، وإنما يتطلب أيضاً قدرات حوسبة عالية، ومعالجات متطورة، وطاقة كهربائية مستقرة، ومراكز بيانات مؤمنة، ومنصات سحابية وطنية، فضلا عن قواعد بيانات منظمة وقابلة للاستعمال من الناحيتين القانونية والتقنية.
وبخصوص أبرز ما ينقص المغرب في هذا المجال، أشار خرجوج، وهو أستاذ لمادة التسويق الرقمي، إلى ضرورة توفير قدرة حوسبية وطنية يمكن للجامعات والمقاولات الخاصة والإدارات الوصول إليها بتكلفة مناسبة، إلى جانب تحسين جودة البيانات العمومية وتوحيد معاييرها وضمان قابليتها للتبادل بين المؤسسات.
كما أكد المتحدث ذاته الحاجة على ضرورة توفير تمويل مستدام للبحث والتطوير، بدلا من الاقتصار على برامج ومشاريع محدودة زمنيا.
الأمن السيبراني أمام مخاطر الذكاء الاصطناعي
وفي مقابل متطلبات البنية التحتية والقدرات الحوسبية، نبه خرجوج إلى أن التوسع في استعمال الذكاء الاصطناعي سيؤدي بالتوازي إلى اتساع مساحة الهجوم السيبراني، محذرا من ظهور مخاطر جديدة تشمل تسريب المعطيات الحساسة عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، واختراق النماذج وتسميم البيانات والتلاعب بمخرجات الأنظمة، فضلاً عن هجمات حقن الأوامر المعروفة بـ”Prompt Injection”.
وواصل الباحث أن هذه المخاطر تشمل أيضاً انتحال الهوية وإنتاج محتويات مزيفة شديدة الإقناع باستخدام الصوت والصورة والفيديو، مشددا على أن مصدر الخطر لا يقتصر على المهاجمين الخارجيين، بل قد يكون من داخل المؤسسات نفسها.
وفي هذا السياق، دكر خرجوج أن موظفا قد يرفع وثائق إدارية أو بيانات شخصية إلى منصة أجنبية دون إدراك أن هذه المعطيات قد تغادر النظام المعلوماتي للمؤسسة، وهي ممارسة تندرج ضمن ما يُعرف أحياناً بـ”الذكاء الاصطناعي الخفي” أو “Shadow AI”.
وفي ما يتعلق بمدى جاهزية المنظومة الوطنية لمواجهة هذه المخاطر، أكد المتحدث أن المغرب راكم مكتسبات مهمة في مجال الأمن السيبراني، من خلال المديرية العامة لأمن نظم المعلومات، والقانون رقم 05.20، والأطر الوطنية لحماية نظم المعلومات.
غير أنه اعتبر أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال إلى أمن خاص بالذكاء الاصطناعي، يقوم على تقييم النماذج قبل اعتمادها، وإجراء اختبارات اختراق مستمرة، وتصنيف التطبيقات بحسب درجة الخطورة، ومراقبة سلسلة التوريد الرقمية، إلى جانب إنشاء فرق متخصصة في الاستجابة للحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
السيادة الرقمية.. تحكم لا يعني الانغلاق
وفي ما يتعلق برهان السيادة الرقمية الذي تطرحه الاستراتيجية، اعتبر خرجوج أن تحقيقها لا يعني أن يصنع المغرب جميع مكونات الذكاء الاصطناعي بمفرده، أو أن يغلق الباب أمام الشركات الدولية، وإنما أن يحتفظ بالتحكم القانوني والتقني في البيانات الحساسة، وأماكن تخزينها وكيفية معالجتها، والجهات التي تملك صلاحية الوصول إليها.
ويرى الباحث أن بإمكان المغرب تحقيق سيادة رقمية “واقعية وتدريجية”، من خلال استضافة البيانات الاستراتيجية داخل بنية وطنية أو سحابة سيادية، واعتماد التشفير وإدارة المفاتيح محلياً، إلى جانب وضع شروط واضحة لنقل البيانات إلى الخارج.
وأضاف أن هذا المسار يمر أيضا عبر تطوير نماذج وحلول تراعي اللغة العربية والدارجة والأمازيغية، إلى جانب الخصوصيات الثقافية والإدارية المغربية.
ونبه خرجوج، في المقابل، إلى ضرورة تفادي الانتقال من التبعية لمنصة أجنبية واحدة إلى تبعية جديدة لمزود سحابي أو نموذج ذكاء اصطناعي واحد، معتبراً أن الحل يكمن في تنويع الشركاء، واعتماد المعايير المفتوحة، ودعم الشركات الناشئة والبحث العلمي الوطني.
كما شدد على ضرورة ضمان إمكانية نقل الأنظمة والبيانات من مزود إلى آخر دون تكبد خسائر تقنية أو مالية كبيرة.
200 ألف كفاءة.. العدد وحده لا يكفي
وإلى جانب رهانات البنية التحتية والأمن والسيادة الرقمية، تضع خارطة الطريق العنصر البشري في صلب أهدافها، من خلال استهداف تكوين واعتماد 200 ألف كفاءة في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول سنة 2030.
وفي قراءته لهذا الهدف، يرى خرجوج أن الوصول إلى 200 ألف مستفيد أو حاصل على اعتماد يظل ممكنا من الناحية العددية، غير أن “التحدي الحقيقي يكمن في طبيعة هذه الكفاءات وجودتها”، مشددا على أنه لا يمكن وضع مستخدم لأداة ذكاء اصطناعي ومهندس بيانات وباحث في النماذج التأسيسية ضمن الفئة نفسها.
واعتبر الباحث أن تحقيق هذا الهدف يقتضي تقسيم الكفاءات المستهدفة إلى مستويات واضحة، تبدأ بمحو الأمية في الذكاء الاصطناعي وتكوين المستخدمين المهنيين، مرورا بإعداد التقنيين ومهندسي البيانات والأمن السيبراني، وصولاً إلى تكوين الباحثين والخبراء القادرين على تطوير النماذج، وليس الاكتفاء باستعمالها.
وبخصوص قدرة منظومة التعليم العالي على مواكبة هذا الرهان، أكد خرجوج أن الجامعات المغربية تتوفر على كفاءات واعدة، لكنها تحتاج إلى تجهيزات حوسبية ومختبرات وبيانات للتدريب وأساتذة متخصصين وشراكات فعلية مع المقاولات، إلى جانب ربط التكوين بمشاريع وتداريب ميدانية ومعالجة مشكلة هجرة الكفاءات.
وحذر المتحدث من أنه في حال عدم مواكبة الهدف الكمي بمعايير جودة موحدة، وبرامج لتكوين المكونين، وتحديث المناهج سنويا، فقد ينتهي الأمر بالحصول على عدد كبير من الشهادات، مقابل استمرار الخصاص في الكفاءات المتقدمة.
وخلص خرجوج إلى أن الموارد البشرية قد تصبح أكبر تحد أمام الاستراتيجية، لكنها تستطيع في الوقت نفسه التحول إلى أهم نقطة قوة للمغرب، إذا تم الاستثمار فيها بطريقة عملية ومستدامة.
المصدر: الصحيفة





