من المقاطعة إلى سؤال المؤسسات: قراءة في بيان جماعة العدل والإحسان وحدود الفعل السياسي
عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
أصدرت الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان بالمغرب بياناً رسمياً أعلنت فيه مقاطعتها للانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها في 23 شتنبر 2026 ودعت عموم المواطنين إلى مقاطعتها أيضاً معتبرة أن المحطات الانتخابية بصيغتها الحالية لم تفلح في نقل البلاد نحو أفق ديمقراطي منشود وأنها أسهمت في تجدد الاستبداد والفساد وتغولهما. وبينما يقدم البيان المقاطعة باعتبارها شكلاً من أشكال النضال السياسي فإن السؤال الذي يفرض نفسه يتجاوز مشروعية الاعتراض إلى مدى فاعلية هذا الخيار في إنتاج التغيير. ذلك أن سياسة الكرسي الفارغ والمقاطعة المطلقة لا تبدو قادرة بذاتها على بناء حياة سياسية أكثر عدلاً ولا على تحسين شروط عيش المواطنين. فالتغيير السياسي لا يُصنع بالابتعاد عن مواقع القرار وحدها وإنما يحتاج أيضاً إلى الاشتباك الإيجابي مع المؤسسات والانخراط في آلياتها من أجل التأثير والترافع والرقابة واقتراح البدائل.
وإذا كان من المشروع نقد المؤسسات ومساءلة اختلالاتها فإن الانسحاب منها لا يوقف الفساد بالضرورة ولا يمنع تمدده بل قد يترك مساحات أوسع للفعل أمام قوى أخرى ويقلص في المقابل إمكانات الرقابة والتأثير. فالمشاركة الانتخابية لا تعني بالضرورة تزكية الواقع القائم ولا التصويت على كل ما تمثله المؤسسات من سياسات وممارسات وإنما يمكن أن تكون مدخلاً لمواجهتها من الداخل. والبرلمان وإن لم يكن أداة سحرية لحل المشكلات فإنه يظل فضاءً أساسياً للتشريع والرقابة والمساءلة والترافع باسم المواطنين. ومن ثم فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل المؤسسات كاملة ونزيهة؟ بل أيضاً: ماذا يستطيع الفاعل الإصلاحي أن يفعل من داخلها لتغيير ما يمكن تغييره؟
وهنا يبرز سؤال أكثر عمقاً يتعلق بجماعة العدل والإحسان نفسها: لماذا لا توظف ما راكمته من كفاءات فكرية وثقافية وأكاديمية وسياسية في المجال المؤسساتي؟ فالتغيير يحتاج إلى أفكار ومشاريع وكفاءات لكنه يحتاج أيضاً إلى حضور ميداني يتحمل كلفة الاحتكاك اليومي بهموم المواطنين ويتحمل مسؤولية القرار والمساءلة. والوطن في حاجة إلى كل طاقاته الحية ولا سيما تلك التي تمتلك رصيداً فكرياً وقدرة على إنتاج البدائل. لذلك فإن بقاء الكفاءات خارج أسوار المؤسسات قد يحافظ على نقاء الموقف الاحتجاجي لكنه يحرم المجال العام في المقابل من إمكانية اختبار هذه الأفكار داخل الواقع وتحويلها إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم.
كما أن من غير المنصف التعامل مع المشهد الحزبي باعتباره كتلة واحدة صماء لا تفاوت داخلها ففي الأحزاب المغربية نخب وكفاءات وطنية جادة ونزيهة تسعى إلى الإصلاح من مواقعها وتتحمل مسؤولية المشاركة بما لها وما عليها. وانتقاد الأداء الحزبي والمؤسساتي يظل حقاً مشروعاً بل ضرورة ديمقراطية لكن التعميم قد يحجب الفروق بين التجارب والأشخاص والمواقف. ولذلك فإن المشاركة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها قبولاً غير مشروط بالواقع وإنما باعتبارها إمكانية لممارسة النقد من موقع الفعل لا من موقع المراقبة عن بُعد.
وعندما تقاطع القوى الإصلاحية الانتخابات فإنها لا تكتفي بإرسال رسالة احتجاجية إلى النظام السياسي وإنما تتخلى أيضاً عن جزء من قدرتها على التأثير في تركيب المؤسسات واتجاهاتها. والمشكلة هنا أن المجال الذي يُترك شاغراً لا يبقى شاغراً بالضرورة بل تملؤه قوى أخرى قد لا تتبنى بالقدر نفسه مشروع الإصلاح أو شروط النزاهة والكفاءة. ومن هذه الزاوية تصبح المقاطعة مهما كانت دوافعها تنازلاً عن إحدى أدوات التأثير المتاحة سواء تعلق الأمر بالبرلمان أو المجالس المنتخبة أو المجتمع المدني أو الإعلام أو النقابات وسائر الفضاءات التي تتشكل فيها السياسات والمواقف العامة.
ومع ذلك فإن الدفاع عن المشاركة لا يعني الدفاع عن الوضع القائم. فهناك مسافة واسعة بين المشاركة باعتبارها مسؤولية سياسية وبين المشاركة باعتبارها تزكية آلية لكل ما هو موجود. يستطيع الفاعل السياسي أن يدخل المؤسسات حاملاً مشروعاً إصلاحياً واضحاً وأن يعارض السياسات الارتجالية وأن يراقب الحكومة بصرامة وأن يقترح البدائل وأن يصوّت بالرفض حين يكون الرفض هو الموقف الذي تقتضيه المصلحة العامة. وهذه هي النقطة التي تجعل المشاركة أكثر تعقيداً وأكثر جدوى من ثنائية الانسحاب أو الموافقة المطلقة: أن تكون داخل المؤسسة دون أن تصبح أسيراً لها وأن تمارس المعارضة دون أن تتحول إلى قطيعة مع المجتمع والدولة.
إن المغرب اليوم في حاجة إلى توسيع دائرة الفاعلين في الحياة العامة لا إلى تضييقها. والملفات الكبرى التي تواجه البلاد من التعليم والصحة إلى التشغيل ودعم الشباب ومحاربة الفساد وتقوية المؤسسات أكبر من أن تُترك لتدبير تيار واحد أو حزب واحد أو رؤية واحدة. والاستقرار الحقيقي لا يُبنى بإلغاء الاختلاف وإنما بتنظيمه داخل فضاءات الحوار والتنافس السياسي والمؤسساتي. فالرفض قد يكون ضرورياً في لحظة ما لكنه لا يكفي لصناعة السياسات والاحتجاج قد يكشف الخلل لكنه لا يقدم بالضرورة بديلاً قابلاً للتنفيذ.
ومن هنا فإن الخلاف السياسي ينبغي ألا يتحول إلى قطيعة دائمة. فالديمقراطية ليست أن نتفق أولاً ثم نتعاون وإنما أن نختلف ونظل قادرين على التعاون حول ما يجمعنا. وجماعة العدل والإحسان بما لها من حضور فكري وبشري يمكن أن تكون جزءاً من هذا النقاش الوطني الواسع. قد نختلف معها في تشخيص الواقع وفي تقدير جدوى الانتخابات وقد نختلف معها في تصورها لطبيعة الإصلاح ومساراته لكن الوطن أكبر من خلافاتنا جميعاً. فلماذا لا يكون اللقاء حول ما يجمعنا مدخلاً لتوظيف الكفاءة في خدمة المواطن وجعل الاختلاف وسيلة للتنافس الشريف حول الصالح العام بدل أن يتحول إلى سبب للانسحاب والقطيعة؟ فالمؤسسات لا تُصلحها المقاطعة وحدها ولا المشاركة وحدها وإنما يصلحها حضور فاعل يملك الشجاعة للدخول إليها والقدرة على تغيير ما يمكن تغييره من داخلها.





