حين يصبح “موقفٌ للتاكسيات “دليلا استخباراتيا سريا”.. التضليل الإعلامي الإسباني يحول سيارات الأجرة في باب سبتة إلى “قافلة” لنقل المهاجرين غير النظاميين
تحولت صورة جوية عادية لمجموعة من السيارات المتوقفة قرب منطقة باب سبتة إلى ما يشبه “وثيقة استخباراتية” في تقرير صحفي إسباني حاول ربط المشهد بتحركات منظمة للمهاجرين، مقدما إياه للرأي العام في سياق أمني يوحي بوجود عملية معدة سلفا لاستغلال ملف الهجرة والضغط على إسبانيا، في واحدة من أكثر الأمثلة دلالة على الطريقة التي يمكن أن ينزلق بها بعض الإعلام الإسباني إلى الإثارة والاستنتاجات غير المؤسسة.
الصورة التي نشرتها صحيفة “فوزبوبولي” الإسبانية، وقدمتها في سياق معلومات منسوبة إلى مصادر استخباراتية إسبانية، لا تحتاج إلى خبراء في أجهزة الأمن أو محللين في صور الأقمار الصناعية لفهم طبيعتها، إذ بمجرد العودة إلى الموقع الجغرافي ومقارنة الصورة بالمكان، يتضح أن المشهد يرتبط بموقف سيارات الأجرة الكبيرة المعروف عند منطقة باب سبتة، حيث تصطف السيارات بشكل اعتيادي ومنتظم بحكم طبيعة المكان ووظيفته اليومية.
ولا تقف الإشكالية عند حدود الصورة التي نشرتها صحيفة “فوزبوبولي”، وإنما تأتي ضمن سياق أوسع رافق أزمة الهجرة الجماعية نحو سبتة، وما أعقبها من تصريحات ومواقف سياسية وإعلامية إسبانية حملت المغرب مسؤولية ما حدث، وذهبت في بعض الحالات إلى الحديث عن وجود تخطيط أو تدبير متعمد لتلك التحركات بهدف الضغط على إسبانيا.
ففي خضم الأزمة، برزت في الخطاب السياسي والإعلامي الإسباني رواية تربط بشكل مباشر بين ما جرى على الحدود وبين السلطات المغربية، وتقدم التدفق الكبير للمهاجرين باعتباره نتيجة لقرار أو توجيه مغربي، بيد أن مرور الوقت، وظهور معطيات أخرى مرتبطة بطبيعة التحركات، جعلا هذه الرواية تواجه أسئلة كثيرة حول حجم الأدلة التي استندت إليها، ومدى قدرتها على تفسير ما حدث بصورة كاملة.
ولا تقف الإشكالية عند هذا المثال، بعدما انتشرت روايات تتعامل مع المواطنين الإسبان من أصول مغربية أو مسلمة بمنطق الاشتباه الجماعي، وربطت بين الأصل العائلي والولاء السياسي أو الأمني، حيث ظهرت روايات إعلامية تتحدث عن شبكات تجسس أو أعداد كبيرة من “الجواسيس” المرتبطين بالمغرب، من دون أن تكون كل هذه الادعاءات مصحوبة بأدلة قضائية معلنة أو معلومات قابلة للتحقق بشكل مستقل.
وجدير بالذكر أنه منذ بداية موجة العبور الجماعي نحو سبتة في 30 يوليوز الماضي، لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الأمني والإنساني، بل سرعان ما تحولت إلى معركة إعلامية داخل إسبانيا، اختلطت فيها المعطيات الرسمية بالروايات السياسية، وبرزت فيها قصص فردية جرى تقديمها أحيانا باعتبارها صورة كاملة لآلاف الأشخاص الذين شاركوا في تلك الأحداث.
وفي خضم هذه التغطية، ظهرت منذ الأيام الأولى رواية تحاول تقديم ما حدث باعتباره نتيجة مباشرة لقرار مغربي بتدبير موجة الهجرة الجماعية، أو استخدامها للضغط على إسبانيا، حيث ذهبت تصريحات لمسؤولين وسياسيين إسبان ووسائل إعلام إلى التعامل مع هذا الاحتمال باعتباره حقيقة شبه محسومة، رغم أن طبيعة الأحداث نفسها، والمعطيات التي ظهرت لاحقا أثبثت عكس ذلك.
وبدل أن تركز التغطية الاسبانية على البحث في الأسباب الفعلية التي دفعت آلاف الأشخاص إلى التحرك في وقت واحد، وعلى الدور الذي لعبته شبكات تهريب المهاجرين والمنشورات والدعوات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، اتجه جزء من الإعلام الإسباني إلى البحث عن قصص وشهادات يمكن من خلالها بناء رواية أكثر إثارة، عنوانها الأساسي أن مغاربة عبروا إلى سبتة لأنهم يهربون من الفقر ويرفضون العودة إلى بلدهم.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك قصة وفاء عتيد، التي ظهرت في شريط قصير نشرته صحيفة “إل باييس” في 19 غشت الماضي، حيث قدمتها الصحيفة منذ البداية باعتبارها مغربية تبلغ من العمر 28 عاما، دخلت سبتة سباحة، ثم ركزت بشكل كبير على روايتها بشأن خلافها مع أسرتها ورفضها ارتداء الحجاب وشعورها بأن النساء في المغرب أقل مكانة من الرجال فيما ذهب جزء من الاعلام الاسباني الى اعتبارها جاسوسة مغربية .
المصدر: الصحيفة





