مقارنة مع حرب الأربعين يوما الكبرى بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تبدو “المناوشات” التي تصاعد حدتها في الأيام الأخيرة أكثر خطورة على الأردن.
لمست عمان في التصعيد الأخير، سعيا إيرانيا واضحا لضرب أهداف حيوية في الأردن، على نحو مختلف عن الحرب الأخيرة.
طهران وكما يبدو أصبحت تتعامل مع الأردن كساحة مركزية لعمليتها الانتقامية، وهي لا تكتفي باستهداف المصالح العسكرية الأمريكية، إنما تعمدت ضرب منشآت إستراتيجية، كمحاولتها الأخيرة لقصف ميناء العقبة ومطارها.
ولعل ضربات الجمعة الماضية، التي تمكنت فيها طهران من استهداف أصول عسكرية أمريكية في إحدى القواعد الأردنية، ما أدى لمقتل ثلاثة جنود، مثلت نقطة التحول الخطيرة في مسلسل الاعتداءات الإيرانية على الأردن.
الهجوم ذاك خلف خسائر مادية جسيمة في موقعين وفق الرواية الأمريكية التي أكدتها مصادر رسمية أردنية لكاتب المقال.
المصادر وصفت الضربة بأنها أسوأ ما توقعه الجانب الأمريكي، بالنظر للمسافة البعيدة التي تفصل موقع العمليات عن مناطق إطلاق الصواريخ في إيران، ودقة التوجيه الصاروخي.
الهجوم خلف خسائر مادية جسيمة في موقعين وفق الرواية الأمريكية التي أكدتها مصادر رسمية أردنية لكاتب المقال
وتجدر الإشارة هنا، إلى أن الأردن كان قد أبرم قبل سنوات اتفاقية تعاون دفاعي مع الولايات المتحدة الأمريكية، سمح بموجبها لجنود أمريكيين بالتواجد ضمن قواعد عسكرية أردنية قائمة أصلا، ووفق شروط تحدد تحركاتهم وعملياتهم العسكرية.
وبرنامج التعاون الدفاعي هذا يمنح الأردن ميزات عسكرية استثنائية في مجالات التسليح والتدريب وامتلاك التكنولوجيا المتطورة، ويدعم جهوده ودول المنطقة في حربها ضد الجماعات الإرهابية وتلك التي تعمل في تهريب المخدرات والسلاح.
ما وقع من تطورات في الأيام الأخيرة الماضية، هو بالضبط ما سعى الأردن إلى تجنبه في هذه الحرب؛ أن يصبح ساحة لها، وميدانا من ميادينها، بغض النظر عن كون الضربات الناجحة في الجمعة الصعبة قد طالت جنودا ومواقع لقوات حليفة، وليس أردنية.
وما يثير قلق الأردن الشديد من تلك الواقعة، هو اعتبارها من طرف إيران نموذجا لعملية ناجحة، يسهل تكرارها في قادم الأيام. والحال هذا يعني وضع الأردن على قائمة الاستهداف المستمر، إذا تواصلت عمليات القصف الجوي المتبادلة بين طهران وواشنطن.
والسؤال الأردني الأكثر رواجا هذه الأيام، ما الذي حمل طهران على تغيير إستراتيجية هجماتها تجاه الأردن والانتقال من مرحلة الهجمات المنخفضة إلى التهديد المباشر عالي المستوى؟
ثمة اعتقاد آخذ في التبلور أردنيا، بأن قيادة الحرس الثوري التي تمسك بزمام الأمور، تسعى لتوسيع رقعة عملياتها الموجهة ضد القوات الأمريكية وبعض دول المنطقة، لإظهار أن قدراتها العسكرية لم تتأثر في أسابيع الحرب الطويلة، وأن لا أمل يرتجى باستسلام طهران إذا ما قررت واشنطن مواصلة الحرب ضدها لأسابيع قادمة.
السؤال الأردني الأكثر رواجا هذه الأيام، ما الذي حمل طهران على تغيير إستراتيجية هجماتها تجاه الأردن والانتقال من مرحلة الهجمات المنخفضة إلى التهديد المباشر عالي المستوى؟
كما أن ضرب أهداف حيوية في بلد كالأردن يبقى أقل كلفة على الاقتصاد العالمي، وسوق الطاقة مثلما كان الحال مع هجماتها في الحرب ضد حقول غاز ومنشآت طاقة في كبرى الدول الخليجية المصدرة للغاز والنفط.
وعمان حال عواصم الخليج العربي في هذه الحرب تشعر أنها قد وقعت بين نارين؛ نار إيران المتنمرة والمستعدية لكل جوارها، ونار واشنطن التي غاصت في حرب لا تعرف نهايتها.
ولعل مكمن الخطورة في النهج الإيراني الحالي، سعيه الواضح والصريح لفرض معادلة أمن إقليمي جديدة على دول المنطقة مستقبلا، عمادها التهديد المستمر باستخدام القوة لفرض نفوذها.
العنوان البارز في هذه المقاربة، إصرارها على السيطرة على مضيق هرمز وفرض إدارتها للمضيق، بما يضع دول النفط العربي تحت رحمتها.
وأبعد من ذلك، تكريس نفوذ إيران في دول المنطقة، وإعادة إحياء “جمهورية الأذرع” بعد ما تلقته من نكسات جراء سقوط نظام الأسد في سوريا، والضربات التي تلقاها حزب الله في لبنان، والخطر الكبير الذي يهدد ميليشياتها المسلحة في العراق.
وبين اندفاعة طهران العدوانية، وغموض الرؤية الأمريكية حيال مجمل الصراع مع طهران، لا يجد الأردن سبيلا لتجنب المخاطر، سوى الانخراط مع دول الخليج في جهد دبلوماسي لم يعرف اليأس بعد لوقف هذه المواجهة وإحياء مذكرة التفاهم بين الخصمين.
تواكب عمان عن كثب جهود الدبلوماسية القطرية لالتقاط هدنة قصيرة لا تزيد عن 10 أيام لوقف القتال، واستئناف المفاوضات من حيث توقفت.
الدبلوماسية الأردنية واثقة بقوة الإرادة التي يبديها الجانب القطري رغم حجم الصعوبات للوصول إلى هذا الهدف وقبول الطرفين بالهدنة القصيرة.
لكنها على الجانب الآخر غير متفائلة بفرص صمودها واستدامتها، في ضوء مواقف الطرفين الأمريكي والإيراني، وعوامل التأزيم في مقاربة الجانبين. ثمة خشية حقيقية من انهيار هدنة جدية مثلما انهارت هدن سابقة وتفاهمات سبقت الحرب وتلتها.
وفي غمرة التحركات الدبلوماسية التي تسابق الزمن في المنطقة، ينظر الأردن بقلق لدور حكومة نتنياهو التي تعمل جاهدة لشحن أجواء الحرب في المنطقة، والدفع باتجاه استعادة زخم العمليات العسكرية على نطاق أوسع ضد إيران، وسط ممانعة من أوساط في الإدارة الأمريكية.
الأردن لا يتوقف عن التواصل مع الدوائر الأمريكية في الوقت الحالي للتحذير من مثل هذا السيناريو، ويدعم بقوة التوجهات الداعمة لاستئناف المفاوضات، والحؤول دون إنجاح مساعي نتنياهو لإشعال المنطقة من جديد، في حرب إن عادت مرة ثانية فستكون أشد هولا على كل الأطراف.
في غمرة التحركات الدبلوماسية التي تسابق الزمن في المنطقة، ينظر الأردن بقلق لدور حكومة نتنياهو التي تعمل جاهدة لشحن أجواء الحرب في المنطقة، والدفع باتجاه استعادة زخم العمليات العسكرية على نطاق أوسع ضد إيران، وسط ممانعة من أوساط في الإدارة الأمريكية
اختبار التأثير والنفوذ في واشنطن ليس سهلا على العرب، عندما تكون إسرائيل هي المنافس. فقد تمكنت الأخيرة من جر الإدارة الأمريكية لهذه الحرب في ذروة العمل التفاوضي والدبلوماسي، وتمكن نتنياهو من إقناع ترمب الدخول في حرب الأربعين يوما، دون أدنى اعتبار لمصالح الحلفاء الآخرين في الشرق الأوسط.
وما يزيد الإشكال تعقيدا أن الدبلوماسية الأردنية لا ترى فرصة في طهران المنقسمة على نفسها، لترجيح كفة الدبلوماسية والحكمة على أصوات الحرب المرتفعة في صفوف التيار المتشدد في القيادة الإيرانية.
طهران المتشككة وغير الواثقة بنوايا واشنطن لا تملك سببا وجيها لسلوك مسار دبلوماسي، أو استيعاب مصالح الجيران العرب عوضا عن استهدافهم باعتداءات غير مبررة.
الأيام المقبلة تبدو حاسمة لجهة تقرير مصير الوضع في الشرق الأوسط، حيث يقف الأردن أكثر من أي وقت مضى وسط مخاطر اتساع نطاق المواجهة بكل ما تحمله من تكاليف باهظة على استقرار الإقليم.
في كل الأحوال المتفق عليه أردنيا في الوقت الحالي، مواجهة أي استهداف لأمن البلاد بذات القدرة والكفاءة التي تم فيها إحباط عشرات الهجمات الصاروخية في الحرب الماضية، ومواصلة العمل مع الحلفاء في دول الخليج لمنع حرب ثالثة بين إيران وواشنطن، والدفع نحو مسار الدبلوماسية من جديد كسبيل وحيد للتفاهم على ملفات النووي وهرمز، وسواها من ملفات الخلاف.
ليس في ذهن صاحب القرار الأردني بالتأكيد الانصياع لمطالب طهران فيما يخص التعاون العسكري والدفاعي مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ذات الموقف المعلن خليجيا.
لكن بعد هذه الحرب ثمة حوار لا بد منه بين الحلفاء لترسيم المصالح المشتركة على النحو الذي يخدم الجميع.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر: الجزيرة






