قراءة في رواية القلعة لفرانتس كافكا: القيمة الوجودية للإنسان: الانتماء، المجتمع،والسلطة، الأمل
الخالد زكرياء
طالب في سلك ماستر :الفلسفة والممارسات النقدية
بكلية الآداب والعلوم الإنسانية القاضي عياض بمراكش
’’إنها تسليني بمعنى أنها تتيح لي فرصة الإبصار بالاضطراب المضحك الذي يقطع أحيانا في أمر وجود إنسان من البشر‘‘ اقتباس من رواية القلعة، لصاحبها كافكا، ترجمة أحمد رياض
لمحة عامة عن المؤلف:
ولد فرانز كافكا في 3 من يوليو سنة 1883 في مدينة براغ، ونشأ في عائلة يهودية من الطبقة المتوسطة في حضن عائلة يهودية الأصل، ومستقرة من الجانب المادي بحيث أن والده هرمان كافكا(1852-1883) كون ثروة صغيرة بعدما بدأ من الصفر بجهده الخاص وبتجارته، مما جعله يحقق لعائلته الاستقرار المادي، إلا أن هذا الاستقرار لم يجد الطريق إلى علاقته بابنه فرانز بسبب شخصية الوالد التي كانت تتسم بالاستبداد والشدة، على عكس والدته يولي التي كانت رقيقة القلب عميقة الروح وأكثر هدوءا، بالإضافة إلى أنها نشأة ضمن عائلة عريقة وثرية على عكس عائلة والده التي كانت تعاني الفقر المدقع، فضلا عن مستواها الثقافي المرتفع مقارنة بوالده نظرا لكونها كانت متعلمة، إلا أنها هي الأخرى لم يكن لها حضور قوي في حياته بسبب أنها كانت تسهر هي وزوجها على تجارة العائلة ويغيبان لمدة قد تصل إلى 12 ساعة، وفي هذا الوقت كانت رعايته من شأن الخدم الذين كانوا يشتغلون لديهم، وستنعكس هذه العلاقة المتوترة بينه وبين أهله وعلى وجه الخصوص والده هرمان في أعماله الأدبية وخاصة في واحدة من أشهر رواياته وهو رواية “التحول”؛ وكان لكافكا أيضا خمسة إخوة، اثنان ذكور وهما هاريتش وجورج وتوفي كليهما قبل أن يبلغ كافكا السابعة من عمره، وثلاثة إناث وهن جابرييل، فاليري، وأوتلي، وكلهن رحن ضحية الهولوكوست في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية بينما الأخيرة تم ترحيلها إلى بولندا حيث ظل مصيرها مجهولا، أما فيما يخص تعليمه فقد حصل على درجة الدكتوراه في القانون في 3 من يوليو سنة 1906، وعمل بعد ذلك في عدة وظائف في البداية خاض تدريبا في المحاكم دون تلقي أجر حيث شاهد كيف يتم التقاضي، وعرف الصعوبات التي تعترض أصحاب الحاجات ومتاهات القانون وسيرها وعمل أيضا في مجال التأمين والسبب في عدم استقراره في شركة معينة في البداية كان هو أنه في هذه الوظائف كان يشتكي من الوقت الكبير الذي كانت تأخذه منه بحيث لا تترك له متسعا كافيا للقراءة والكتابة، وفي مابعد سيستقر في وظيفة في نفس المجال كانت تترك له حيزا كافيا من الوقت لهذا الغرض، وفي مابعد سينخرط من أجل المشاركة في الحرب العالمية الأولى لكنه سيرفض، بسبب مرض السل الذي أخذ في التمكن منه، ثم أحيل على التقاعد من عمله في مجال التأمين لنفس السبب كما أن المرض سيتمكن من قتل قلم كافكا قبل أن يمر لجسده بحيث سيمنعه من الكتابة وستصير حياته رهينة للمصحات والمستشفيات، وحالته سرعان ما فتئت تنتقل من سيء إلى أسوء بسبب عدم وجود علاج لهذا المرض آن ذاك، وبعد عودته لبراغ عند أخته أوتلي التي كانت تعتني به أثناء مرضه بعد أن كان في برلين حيث كان يتعالج، إنتقل مرة أخيرة إلى مصحة الطبيب هوفمان في كيرلينج بالقرب من فيينا في 10 من أبريل سنة 1924، حيث سيشتد عليه المرض ويصيب حنجرته، مما سيقطع عن كافكا كل سبل التغدية إذ سيصبح تناوله للغداء عذابا الجوع أقل وطأة منه، وستكون نهاية كافكا بسبب الجوع نظرا لعدم وجود حقن التغذية في وقته وذلك في 3 من يونيو من نفس السنة وعمره يتجاوز 40 عاما ب 11 شهرا.
وسيكتب الطبيب في مصحته واصفا كافكا بأن ” وجهه جامد وصارم، مترفع، مثلما كان ذهنه نقيا صارما، وجه ملك من نسب من أكثر الأنساب نبلا وعراقة.” وبعد وفاته سيعثر صديقه ماكس برود -الذي جمعته أيام دراسته للقانون وشغفهما بالقراءة- على قصاصة كتبها كافكا في ساعة ذروة يأسه من المرض يرجوه فيها رجاءه الأخير بأن يقوم بإحراق ماتبقى منها بعد أن أحرق بيديه معظمها، ومن حسن الحظ أن صديقه لم يقم بإحراقها بل قام بنشرها، ومن بين هذه الأعمال غير المنتهية رواية القلعة.
نبذة عن رواية القلعة وعن بعض الرسائل الفلسفية المتضمنة فيها:
تحكي الرواية عن شخصية غامضة لا نعلم اسمها إذ رُمز إليها بالحرف “ك” فقط، ولا نعلم عن ماضيه إلا نتفا قليلة جدا متشتتا بين الأحداث تعود إلى طفولته وأنه قادم من أرض بعيدة بعد أن استدعي لكي يعمل ماسحا للأراضي في قرية من طرف موظفي القلعة الذين يديرون شؤون حياتها، والمشكلة سترمي بشباكها من أول خطوة له داخل هذه القرية بحيث سيعاني من النبذ الذي سيصطدم مع حاجته المحمومة للانتماء والاستقرار، وذلك لأن قدومه كان بسبب خطأ في الدواوين التي تسير من طرف موظفي القلعة، وسيكون كل جهد “ك” منصبا على إيجاد السبيل الذي سيمكنه من اختراق جدرانها لكي ينال خلاصه وإنصافه، لكن هذه السبل والآمال التي يعلقها عليها سرعان ما تتهاوى وتختفي ويتبين أنها مجرد سراب، وذلك بسبب طبيعة النظام التي بنيت على تراتبية بيروقراطية شديدة التعقيد، وبسبب طبيعة الحياة الإجتماعية وطبيعة العلاقات الإنسانية التي تتماها فيها الحياة والعمل، وهكذا يدفعنا كافكا من خلال هذا العمل الروائي إلى إعادة التفكير في قيمة وجودنا الإنساني التي تستلب من الإنسان المعاصر في سياق النظام الرأسمالي الذي جعل حياة الإنسان مبنية على العمل كأساس يحدد فاعلية الإنسان وقيمته الوجودية داخل المجتمع بل وتتعدى هذا إلى أن يصبح معنى وجوده ككل مبنيا على هذا الأساس المادي مما يسلب الإنسان كينونته الحقة والتي تتمثل في كونه ذاتا مفكرة ومبدعة تحتاج إلى الإنتماء، ويحولها إلى مجرد أداة تنحصر قيمتها في ما تنتجه وأهمية ما تنتجه وبالتالي يمكن الاستغناء عنها طالما أنها غير منتجة ولا تعود بمكسب مادي وهو ما يقود إنسان اليوم إلى أن يشعر بالإغتراب عن ذاته وعن غيره.
وبالإضافة إلى هذا فهو يدفعنا أيضا إلى التساؤل عن طبيعة السلطة وطبيعة علاقتنا بها، وهي التي يرمز لها بالقلعة والدواوين التي يسهر على ضمان سيرها الموظفون داخل أسوار القلعة، ويصورها في روايته بأنها بعيدة كل البعد ومتعالية بحيث أنها من منظور أهل القرية بالغة التنزيه إلى الحد الذي تكون فيه بالنسبة إليهم مقدسة أي أن أفعالها لا يمكن أن تخطئ لأنها تشتغل بطريقة روبوتيكية محسوبة بدقة بالغة، وحتى وإن حصل هذا فإنه أمر استثنائي قد يحصل بسبب أحد الموظفين بشكل غير مقصود أو بسبب نزوة من نزواته الوضيعة وليس بسبب الدواوين المثالية(لكن هذا لا يمكن أن يعتبر ذنبه أو خطأ بسبب حجم المهمة التي يقومون بها حتى وإن كانت عواصف الألم قد هبت بسبب نزوة أحدهم فإن هالة التقديس التي تمثلها مكانته الاجتماعية تحول بينه وبين كل حساب)، وهو أمر قد يتم إصلاحه إذا تم إتباع إجراءات معينة شديدة التعقيد والتي قد تستغرق وقتا طويلا جدا بسبب التراتبية البيروقراطية المتبعة في تلك القرية، إذ يمكن أن يكون عمر إنسان لا يكفي من أجل تصحيح هذه المسألة، كما أن تأثير هذا الخطأ يكون مباشرا على مصائر الناس كما في حالة “ك” وحالة “أهل برناباس” وهو الساعي الذي عينه كلم _أحد كبار الموظفين_ كوسيط للتواصل بينهما، وفي الحالتين معا كافة السبل المتبعة كانت بلا جدوى بحيث تنتهي كل الجهود إلى الخيبة وبالتالي لا مهرب من المصير البائس الذي خيم على سماء هؤلاء وهو أن يكونوا منبوذين ومكروهين من قبل مجتمعهم وذلك بالرغم من أن لا يد لهم فيما قد حل عليهم، وبهذه الطريقة يصور لنا كافكا الكيفية التي أمست بها السلطة في سياقنا المعاصر بحيث صارت لعبة شديدة التعقيد وأبسط زلل يمكن أن يكون سببا في جلب الكثير من المتاعب والخراب على رقبة أفراد أو جماعة بشرية بأكملها، بل وقد تضرب بالإنسانية جمعاء عرض الحائط، فضلا عن تغاضي الناس المستمر عن أخطائها وتغليفهم لها وللمستحوذين عليها في بعض من المجتمعات والدول التقليدية بثوب من القداسة يجعلهم مترفعين ومتعالين عن تحمل المسؤولية والمحاسبة وغير خاضعين إلى أي نوع من الرقابة، كما أن هذا العلو البيروقراطي يجعل من آذان السلطة تعاني من الصمم اتجاه صوت حاجات الناس وآلامهم بل إن هذه الأمور لم تعد ذات أهمية لأنها ليست من شأنها بحيث باتت مجرد أمور ثانوية أمام ضمان الخلود للسلطة والخلود في مراكزها، وهي الغاية الأساسية التي تم التوجه نحوها منذ نيكولا ميكيافيلي في باحة السياسة بعد أن جعلها متجردة من الأخلاق.
وفي ظل كل هذا التعقد والعبث يصير الأمل مجرد تخدير مؤقت بحيث تنتهي الجهود المبذولة من السعي الدءوب وراءه إلى الخيبة واليأس، والغريب في أعمال كافكا هو أن الشخصيات الرئيسية تظل متمسكة بما يمكن أن يبعث فيها مجرد درة أمل حتى تحين النهاية التي تكون في الغالب حالكة المأساوية، مثل روايتيه الشهيرتين التحول والمحاكمة، كما نجد نفس الأمر يتكرر أيضا في عمله الذي نحن في معرض الحديث عنه -على الأقل إلى آخر سطر توقف فيه كافكا- ومنزلة الأمل عند شخصياته الرئيسية حتى وإن تبين معهم بأنه مجرد وهم تكون بمثابة درع لمقاومة المعاناة في هذا العالم والوضع العبثي للوجود الإنساني، ووسيلة تتمكن بواسطتها من التمسك بالحياة وعيشها إلى آخر رمق وهنا تكمن أهمية وقيمة هذا الوهم.





