نبيل التويول – Italia Telegraph
ليست كل الصحف القديمة مجرد أوراق صفراء أكل عليها الدّهر وشرب، فبعضها يتحول، بعد عقود، إلى أرشيف حي يعيد تركيب تفاصيل مرحلة كاملة من التاريخ. ومن بين هذه الوثائق النادرة، يبرز عدد صحيفة La Dépêche de Fès الصادر يوم 5 ماي 1934، الذي يقدم صورة بانورامية عن المغرب في ظل الحماية الفرنسية، من السياسة والاقتصاد إلى الزراعة والقضاء و الرياضة و الحياة اليومية.
وتكشف قراءة هذا العدد أن الصحيفة لم تكن تكتفي بنقل الأخبار، بل كانت تخوض نقاشات حادة حول تدبير الشأن العام، وتنتقد عددا من المؤسسات التي شكلت العمود الفقري للإدارة الاستعمارية، وعلى رأسها مؤسسة القرض الفلاحي والتعاونيات الزراعية.
وتخصص افتتاحية العدد مساحة واسعة لانتقاد ظاهرة الجمع بين المناصب داخل مؤسسات القرض الفلاحي، معتبرة أن تضارب المصالح يهدد مصداقية هذه الهيئات، كما تدعو إلى التطبيق الصارم للظهائر الجديدة الصادرة في مارس 1934 لتنظيم عملها.
وفي السياق نفسه، ترصد الصحيفة جانبا من الأزمة الاقتصادية التي عاشها المغرب خلال ثلاثينيات القرن الماضي، حيث تتحدث عن شراء محصول القمح من الفلاحين المغاربة بأثمان متدنية ثم إعادة بيعه بأسعار مرتفعة، في انتقاد واضح للمضاربة التي أرهقت سكان البادية. كما تنشر مقالا مطولا للكاتب المغربي عثمان الفياش ينتقد فيه سياسات نزع الأراضي واستغلال الفلاحين، في واحدة من أجرأ المواد المنشورة في ذلك العدد.
ولا تتوقف اهتمامات الصحيفة عند الشأن الفلاحي، إذ تفتح صفحاتها لملفات أخرى، من بينها قضايا البيوع القضائية في فاس، والإصلاحات القانونية الخاصة بالتعاونيات الزراعية، فضلا عن متابعة الفضائح المالية التي كانت تشغل الرأي العام في فرنسا، وفي مقدمتها تداعيات القضايا المرتبطة بالقطاع المالي خلال تلك الفترة.
لكن إحدى المفاجآت التي يكشفها هذا العدد تكمن في حضوره للتاريخ المحلي. ففي سياق تغطيته لاجتماع الجمعية العامة للجنة الخصم التابعة للقرض الفلاحي، تذكر الصحيفة اسم الوردزاغ (Ourtzagh) نواحي تاونات ” مسقط رأس كاتب المقال ” ، وتشير إلى أن السيد كريبو (Créput) كان ممثل المنطقة داخل هذه المؤسسة، وقد جرى انتخابه رغم غيابه عن الاجتماع بعد أن أناب عنه شخصا آخر.
وقد يبدو هذا التفصيل بسيطا، غير أنه يحمل قيمة توثيقية مهمة، لأنه يثبت أن الوردزاغ كانت ممثلة داخل إحدى المؤسسات الفلاحية الرئيسية في عهد الحماية، وهو معطى نادر في المصادر الصحفية المعاصرة لتلك المرحلة.
وتعكس هذه الإشارة أيضا المكانة التي كانت تحتلها المناطق الزراعية في شمال المغرب داخل المنظومة الاقتصادية التي أقامتها سلطات الحماية، حيث لعبت مؤسسات القرض الفلاحي دورا محوريا في تمويل النشاط الزراعي وتنظيم التعاونيات والإشراف على تسويق المحاصيل.
وتبرز أهمية هذا العدد في كونه لا يقدم قراءة لاحقة للأحداث، بل يوثقها لحظة وقوعها، وهو ما يمنحه قيمة خاصة لدى الباحثين في تاريخ المغرب المعاصر. فالصحف اليومية، إلى جانب الوثائق الإدارية، تظل من أهم المصادر الأولية لفهم التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية خلال فترة الحماية الفرنسية.
وبعد أكثر من تسعين عاما على صدوره، يعود هذا العدد من La Dépêche de Fès ليقدم شهادة مباشرة عن مرحلة مفصلية من تاريخ المغرب، وليؤكد أن صفحات الصحف القديمة ما زالت تخفي بين سطورها تفاصيل قادرة على إحياء ذاكرة المدن والقرى والمناطق، ومن بينها الوردزاغ، التي ظهرت في هذا الأرشيف شاهدا على حضورها داخل مؤسسات ذلك العصر، ولو في سطر واحد، لكنه سطر يحمل قيمة تاريخية لا يستهان بها.





