لم تعد دمشق ساحة لتصفية الحسابات، إذ رسمت رسائل الرئيس السوري أحمد الشرع ملامح مرحلة جديدة تُنهي عقود الاستقطاب، وتضع حدا لاستخدام الجغرافيا السورية من قبل أي محور، مؤكدةً تحول الدولة السورية منذ انتصار الثورة أواخر عام 2024 إلى ركيزة أمان واستقرار إقليمي.
وأكد الشرع، في لقاء مع الجزيرة ضمن برنامج “المقابلة”، انفتاح بلاده على جميع الأطراف الإقليمية والدولية، مع التمسك بمبدأ عدم الانخراط في صراعات المنطقة والعمل على استعادة دور الدولة ومكانتها الإقليمية.
وأوضح أن بلاده لا ترغب في أن تكون جزءا من أي محور إقليمي أو ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة، مشددا على أن الأولوية تتمثل في إعادة بناء الدولة وتحقيق الاستقرار الداخلي.
العودة لاتفاقية فض الاشتباك
- الاتفاق الأمني: يوضح الباحث السياسي حسن الدغيم -خلال حديثه للجزيرة- أن الترتيبات الأمنية المطلوبة مع إسرائيل تعتمد حصرا على الانسحاب والعودة لخطوط اتفاقية 1974، قاطعا الطريق أمام أي محاولات إسرائيلية لفرض “واقع راهن” أو العبث بالسويداء (جنوبي سوريا).
- التباين الأمريكي-الإسرائيلي: يشير محللون تحدثوا للجزيرة إلى تعارض واضح بين الرؤية الأمريكية الراغبة في سوريا قوية تمنع الإرهاب وتهريب المليشيات، وبين السعي الإسرائيلي لإشاعة الفوضى. وهو ما وافق عليه الدبلوماسي الأمريكي السابق مارلين هاردينغر، مشيدا بسلوك الشرع قائلا إنه “تصرف كرجل دولة”، وإن الأمر يتطلب مأسسة العلاقات الأمنية عبر الخارجية الأمريكية.
الملف اللبناني: “الانتقام لا يبني الدول”
- إنهاء الوصاية بفرملة التدخل: يشدد المحلل السياسي اللبناني أمين قمورية على أن دمشق حسمت موقفها برفض الضغوط والتوجهات الأمريكية الداعية إلى التدخل العسكري في لبنان، متمسكة بمبدأ الشرع الحاسِم: “الانتقام لا يبني الدول”.
- علاقة ندية بين دولتين: انتقلت سوريا من منظومة “الوصاية” إلى التعاطي من موقع “دولة مع دولة”، ودعم حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة اللبنانية، والاكتفاء بالتعاون الأمني لضبط الحدود، ومكافحة تهريب السلاح، وتفكيك خلايا تنظيم الدولة.
ومنتصف الشهر الجاري، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن الرئيس السوري سيتولى التعامل مع حزب الله في لبنان، لكنه سيفعل ذلك “بطريقة مختلفة” عن إسرائيل، حسب تعبيره. وأشار إلى أن الشرع لن يلجأ إلى هدم المباني.
في المقابل، أبدى الشرع الاستعداد للجلوس مع كافة الأطراف اللبنانية بما فيها حزب الله، لخدمة مصالح واستقرار البلدين، نافيا شائعات التدخل في الشأن اللبناني، وأكد أن دور دمشق “إيجابي بحت”، معلنا تأجيل ملف ترسيم الحدود المشتركة للتركيز حاليا على أولويات الاستقرار، والتنمية، والربط الاقتصادي.
النظام الإقليمي الجديد
- ضبط الحدود وسد الفراغ: يقول الباحث الأول بمركز الجزيرة للدراسات لقاء مكي إن دمشق اتخذت احترازات أمنية صارمة على حدود العراق لمواجهة خطر تحركات المليشيات وفلول النظام السوري السابق المتحصنة بالبقاع.
- الذخيرة الإستراتيجية: يرى مكي أن خروج سوريا من مظلة النظام السابق يجعلها حجر الزاوية في بناء نظام أمني واقتصادي جديد ممتد من الأناضول إلى عدن (لا إسرائيلي ولا إيراني)، مما يحمي الجغرافيا السورية من الانزلاق إلى أتون الحرب الإقليمية أو التحول إلى ممرٍ للصواريخ.
المصدر: الجزيرة





