نبيل التويول – إيطاليا تلغراف
لا تقاس قيمة الصحافي بعدد السنوات التي أمضاها في غرف الأخبار، ولا بحجم الأسماء التي جلس إليها، ولا حتى بعدد الكتب التي حملت توقيعه. فهذه كلها مؤشرات يمكن إحصاؤها، لكنها لا تكفي لفهم تجربة مهنية استثنائية. وحدها التجارب التي تنجح في عبور الزمن، وتتحول إلى مرجع لفهم مرحلة تاريخية كاملة، تستحق أن تقرأ خارج منطق السيرة الذاتية، باعتبارها جزءا من تاريخ المهنة نفسها.
لهذا السبب، لا تسعى هذه المادة الصحافية إلى استعادة حياة طلحة جبريل وفق ترتيب زمني يبدأ من الميلاد وينتهي عند آخر كتاب، لأن مثل هذا الترتيب، على أهميته التوثيقية، لا يفسر كيف استطاع صحافي سوداني جاء إلى المغرب طالبا للعلم أن يصبح، مع مرور العقود، واحدا من أكثر الصحافيين العرب حضورا في دوائر القرار، وأن يترك بصمته في الصحافة العربية باعتباره محاورا وكاتبا وموثقا لذاكرة السياسة والثقافة.
إن قراءة مسيرة طلحة جبريل تقتضي العودة إلى السياقات التي صنعتها. فقد غادر السودان إلى المغرب في مرحلة كانت المنطقة تعيش خلالها تحولات كبرى، بينما كانت الرباط ترسخ موقعها مركزا للحوار الدبلوماسي العربي والإفريقي والدولي. وفي هذه البيئة، لم يتعامل مع الصحافة باعتبارها وسيلة للارتزاق أو سلّما للشهرة، بل باعتبارها مدرسة للفهم؛ مدرسة لا تكتفي برصد الوقائع، وإنما تبحث عن الأفكار التي تنتجها، وعن الأشخاص الذين يقفون خلفها، وعن اللغة التي تدار بها الدولة، وتصاغ بها القرارات، وتبنى بها العلاقات بين الأمم.
ومنذ بداياته في جريدة العلم، ثم خلال التكوين المهني الذي تلقاه في ألمانيا، فالتجارب التي راكمها مع مؤسسات إعلامية عربية ودولية، بدأ يتشكل مشروع مهني يقوم على قاعدة بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها: لا يمكن للصحافي أن يطرح سؤالا جيدا إذا لم يسبق سؤاله جهد طويل في القراءة، والإنصات، وفهم التاريخ الذي يتحرك داخله الحدث.
لم يكن ذلك مجرد تصور نظري. فمع انتقاله إلى إدارة مكتب صحيفة الشرق الأوسط في المغرب سنة 1983، ثم اتساع دائرة مسؤولياته لتشمل تغطية قضايا المغرب العربي وإفريقيا، وجد نفسه في قلب مرحلة كانت تطبخ فيها تحولات سياسية كبرى. ولم يعد الخبر بالنسبة إليه نصا يكتب قبل موعد الطباعة، وإنما وثيقة تولد في كواليس القمم، وفي أروقة المؤتمرات، وفي اللقاءات التي لا تنقل كاميراتها كل ما يدور فيها.
هنا تحديدا، بدأت الثقة تصبح رأس المال الحقيقي لهذه التجربة. ففي السياسة، لا تفتح الأبواب بفصاحة السؤال وحدها، وإنما بالمصداقية التي يراكمها الصحافي عاما بعد آخر. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يلتقي طلحة جبريل، خلال مسيرته، ستة وعشرين رئيس دولة، إلى جانب ملوك وقادة وزعماء تركوا أثرا بالغا في تاريخ القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، من الملك الراحل الحسن الثاني، إلى نيلسون مانديلا، وباراك أوباما، وبول بريمر، وغيرهم من الشخصيات التي لم تكن المقابلة معها حدثا إعلاميا فحسب، بل شهادة مباشرة على لحظات مفصلية من التاريخ المعاصر.
غير أن محطة الحسن الثاني تظل ذات خصوصية استثنائية، ليس لأنها كانت من أوائل الحوارات الكبرى في مسيرته، وإنما لأنها أسست لعلاقة مهنية قوامها الثقة والاحترام المتبادل. وقد تجلت هذه الثقة بصورة أوضح عندما عهد الملك الراحل إلى طلحة جبريل بمراجعة النسخة العربية من كتاب «ذاكرة ملك»، بعد أن أنجزت ترجمتها، حتى تستقيم لغتها وفق المعايير الصحفية العربية، ثم أوكل إليه الإشراف على طباعة النسخة العربية خارج المغرب. وفي عالم الصحافة، لا تقرأ مثل هذه المهمة باعتبارها إجراء تحريريا عابرا، وإنما باعتبارها دليلا على مستوى الثقة التي حظي بها لدى صاحب الشهادة نفسها، وهو ما يمنح هذه الواقعة دلالة مهنية تتجاوز حدود الكتاب إلى طبيعة العلاقة التي تربط الصحافي بمصادره عندما تبنى على الكفاءة والنزاهة.
ولعل ما يميز تجربة طلحة جبريل أنه لم يسمح لهذا الرصيد المهني أن يتحول إلى استعراض للأسماء أو للمناسبات. فعندما اتجه إلى التأليف، لم يكتب مذكراته، ولم ينشغل بتوثيق بطولاته الشخصية، وإنما واصل الاشتغال على الإنسان والتاريخ والذاكرة. ففي «أيام الرباط الأولى» استعاد أثر المكان في تشكيل الوعي، وفي «الملك والعقيد» قرأ جانبا من العلاقة بين الحسن الثاني ومعمر القذافي، وفي «المغرب… السنوات الحرجة» توقف عند مرحلة دقيقة من التاريخ المغربي، بينما حملت كتب مثل «صحافة تأكل أبناءها» و*«كتاب الأسلوب»* تأملات عميقة في المهنة وأخلاقياتها، في حين اتجه في «محمد شكري… جرأة الحياة» و*«على الدرب مع الطيب صالح»* إلى كتابة السيرة بوصفها مدخلا لفهم الإنسان من خلال تجربته، لا من خلال صورته العامة.
هذا التنوع يكشف عن مشروع فكري متماسك، تتجاور فيه الصحافة مع التاريخ، والسيرة مع الأدب، والوثيقة مع التأمل. ومن هنا، تبدو أعماله امتدادا طبيعيا لمسيرته في الحوار؛ فالرجل الذي كان يبحث عن الفكرة خلف الخبر، ظل يبحث عنها أيضا خلف الشخصيات، وخلف الأمكنة، وخلف الذاكرة نفسها.
واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود من العمل المتواصل، لا يبدو أن طلحة جبريل يتعامل مع ما أنجزه باعتباره رحلة وصلت إلى محطتها الأخيرة. فمن يتابع كتاباته الأخيرة يلاحظ أن اهتمامه ما زال منصبا على التحولات الجارية، وعلى الشخصيات التي تؤثر في مستقبل المنطقة. وفي هذا السياق، تأتي رغبته المعلنة في محاورة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز امتدادا طبيعيا لمسار لم يقم يوما على جمع الأسماء، بل على ملاحقة الأسئلة في اللحظات التي يعاد فيها تشكيل المشهد السياسي، خصوصا في ظل ما تعرفه العلاقات المغربية الإسبانية، وسياسات الهجرة، وقضايا المتوسط، من تحولات تستحق المتابعة من خلال حوار معمق مع أحد أبرز صناع القرار في المملكة القشتالية المعاصرة.
ولأن التجارب الاستثنائية لا تختزل في سجل من المناصب أو قائمة من الحوارات، فإن هذا الملف لا يدّعي أنه يحيط بكل جوانب مسيرة طلحة جبريل، وإنما يطمح إلى إعادة قراءتها في ضوء ما تركته من أثر في الصحافة العربية والدولية، وإلى الاقتراب من فلسفة رجل ظل يؤمن بأن السؤال الجيد قد يضيف إلى التاريخ أكثر مما تضيفه الإجابة السريعة.
وفي الحلقات المقبلة، سنعود إلى محطات مفصلية في هذه الرحلة؛ إلى السودان حيث تشكلت البدايات، وإلى المغرب حيث نضج المشروع المهني، وإلى العواصم التي احتضنت أبرز حواراته مع ملوك ورؤساء وقادة غيّروا مجرى الأحداث، كما سنقف عند كتبه التي اختارت أن تحفظ الذاكرة قبل أن تلاحق اللحظة.
وبعد مسيرة امتدت لأكثر من أربعة عقود، يبدو أن طلحة جبريل لم يعد موضوعا للقراءة وحدها، بل أصبح شاهدا على مرحلة كاملة من التاريخ السياسي والإعلامي العربي، بما يجعل الإصغاء إلى شهادته، وهو يعيد تأمل محطاته الكبرى، قيمة مضافة لكل مؤسسة صحفية تؤمن بأن الحوار لا يزال أحد أنبل أشكال المعرفة. ومن هذا المنطلق، تفتح إيطاليا تلغراف هذا الملف المرجعي على أفق أوسع، آملة أن تتاح، في سياق هذه السلسلة، فرصة حوار معمق مع الأستاذ طلحة جبريل، يستعيد فيه بصوته هو ما اختزنته الذاكرة و لم تبح به بعد.





