المغرب في عيون الصّحافة الدولية كيف أعادت التحولات الاقتصادية والرهانات الجيوسياسية رسم صورة المملكة في الإعلام العالمي؟

 

 

 

 

نبيل التويول
صحافي متخصص في الصحافة الدولية وتحليل الخطاب الإعلامي
إيطاليا تلغراف

 

 

لم يعد المغرب يحضر في كبريات وسائل الإعلام الدولية باعتباره موضوعا يرتبط، على نحو يكاد يكون حصريا، بالملفات السياسية أو الأمنية أو بقضايا الهجرة التي طبعت جانبا مهما من التغطيات الغربية خلال العقدين الماضيين، وإنما باتت صورته الإعلامية تتشكل، بصورة متزايدة، من خلال سردية جديدة قوامها الاقتصاد والاستثمار، والتحول الصناعي، وأمن الطاقة، والاستعدادات الجارية لاستضافة كأس العالم لكرة القدم سنة 2030، وهي موضوعات لم تعد تظهر باعتبارها أخبارا متفرقة، بل كعناصر مترابطة داخل رؤية إعلامية أشمل تعكس المكانة التي بدأ المغرب يحتلها في الحسابات الاقتصادية والجيوسياسية الدولية.

وتكشف قراءة مقارنة لما نشرته خلال الأيام الأخيرة وكالات الأنباء المرجعية، وفي مقدمتها رويترز وأسوشيتد برس، إلى جانب صحف مثل الغارديان ولوموند وذي إيكونوميست، أن المؤسسات الإعلامية الكبرى باتت تتعامل مع المغرب كفاعل إقليمي يسعى إلى إعادة تموقعه داخل الاقتصاد العالمي، مستفيدا من التحولات التي تعرفها سلاسل الإنتاج الدولية، ومن إعادة رسم خرائط التجارة والطاقة في منطقة البحر الأبيض المتوسط.

ولعل أبرز ما يلفت الانتباه في هذه التغطيات هو أن الاقتصاد أصبح المدخل الأول لفهم المغرب. فقد أبرزت وكالة رويترز توقعات البنك الدولي التي تشير إلى استمرار النمو الاقتصادي، مدفوعا بالاستثمارات العمومية، وتحسن النشاط الفلاحي، ومواصلة تنفيذ المشاريع الكبرى المرتبطة بالبنية التحتية. غير أن الوكالة، انسجاما مع تقاليدها المهنية، لم تكتف بعرض المؤشرات الإيجابية، بل وضعتها في سياق أكثر اتساعا، مشيرة إلى أن الحفاظ على هذا المسار يظل رهينا بقدرة المملكة على مواجهة آثار الجفاف، وضبط انعكاسات تقلبات أسعار الطاقة، وتسريع الإصلاحات الهيكلية والتحول الرقمي، بما يضمن استدامة النمو على المدى المتوسط.

وفي الاتجاه نفسه، واصلت أسوشيتد برس التركيز على التحول الصناعي الذي يشهده المغرب، من خلال إبراز مشاريع إنتاج بطاريات السيارات الكهربائية والاستثمارات الأجنبية في الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، معتبرة أن المملكة لم تعد تقتصر على استقطاب الصناعات التقليدية، وإنما بدأت تندمج تدريجيا في القطاعات المرتبطة بالاقتصاد الأخضر والتكنولوجيات المستقبلية، وهو ما يمنحها موقعا متقدما داخل الاستراتيجية الصناعية الجديدة التي تتبناها العديد من الشركات العالمية في إطار إعادة توزيع مراكز الإنتاج.

أما في المجال الرياضي، فقد تعاملت الصحافة البريطانية مع استعدادات المغرب لتنظيم كأس العالم 2030 باعتبارها مشروعا اقتصاديا واستراتيجيا أكثر منها حدثا رياضيا. فقد ركزت الغارديان على حجم الاستثمارات الموجهة إلى شبكات النقل والمطارات والملاعب والطرق، معتبرة أن المملكة تسعى إلى تحويل هذا الاستحقاق العالمي إلى رافعة للتنمية وجذب الاستثمار وتعزيز مكانتها الإقليمية، مع الإشارة، في الوقت ذاته، إلى النقاش القائم حول كيفية تحقيق التوازن بين الإنفاق على المشاريع الكبرى والاستجابة للانتظارات الاجتماعية، وهو النقاش الذي يشكل جزءا من المقاربة النقدية المعتادة للصحافة الغربية.

ويحظى قطاع الطاقة بدوره بحضور متزايد في التغطيات الدولية، حيث أبرزت رويترز مشروع الربط الكهربائي بين المغرب والبرتغال باعتباره جزءا من استراتيجية أوروبية أوسع تهدف إلى تنويع مصادر الطاقة وتعزيز الربط مع الضفة الجنوبية للمتوسط. ويقرأ هذا المشروع، في نظر عدد من المحللين، باعتباره مؤشرا إضافيا على تنامي الدور الذي يمكن أن يضطلع به المغرب في منظومة الأمن الطاقي الإقليمي، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها سوق الطاقة الأوروبي.

وفي المقابل، لم تغب الملفات الحقوقية عن التغطية الدولية، وإن كان حضورها أصبح أقل هيمنة مقارنة بالسنوات الماضية. فقد واصلت بعض الصحف الأوروبية متابعة عدد من القضايا المرتبطة بحرية الصحافة وحقوق الإنسان، ومن بينها قضية الصحافي علي المرابط، مقدمة هذه الملفات ضمن نقاش يتعلق بصورة المغرب الدولية في أفق استضافة كأس العالم 2030. غير أن اللافت هو أن هذه المواضيع، رغم استمرارها، لم تعد الإطار الذي تقرأ من خلاله مجمل التحولات التي تعرفها المملكة، بل أصبحت تظهر باعتبارها أحد مكونات المشهد، لا عنوانه الرئيسي.

وتقود هذه القراءة إلى استنتاج مفاده أن صورة المغرب في الإعلام العالمي تشهد تحولا نوعيا، ليس لأن الصحافة الدولية أصبحت أقل نقدا، وإنما لأن جدول أولوياتها تغير. فالمؤسسات الإعلامية الكبرى باتت تنظر إلى المملكة من خلال قدرتها على جذب الاستثمارات، والاندماج في سلاسل القيمة العالمية، وتطوير البنيات التحتية، والاستفادة من التحولات الجيوسياسية التي يشهدها النظام الاقتصادي الدولي، مع استمرار مراقبة التحديات الاجتماعية والحقوقية في بلد يسعى إلى تثبيت موقعه ضمن القوى الاقتصادية الصاعدة في محيطه الإقليمي.

إن قراءة ما تكتبه الصحافة الدولية عن المغرب لا تقتصر على رصد العناوين، بل تمثل مدخلا لفهم الكيفية التي تتشكل بها صورة المملكة داخل دوائر القرار العالمي، حيث تؤثر التقارير الصادرة عن الوكالات والصحف المرجعية في إدراك المستثمرين، والمؤسسات المالية، وصناع السياسات، كما تسهم في بناء الانطباعات التي تسبق، في كثير من الأحيان، القرارات الاقتصادية والاستراتيجية.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...