هندسة الأمن الإقليمي الجديد: قراءة في الأبعاد الاستراتيجية والدلالات العميقة لاتفاقية مكة للدفاع المشترك

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومتابع للشأن السياسي من إيطاليا.
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.

 

في مفصل تاريخي دقيق تواجهه منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي تتسارع التحولات الجيوسياسية لتعيد صياغة قواعد الاشتباك وصناعة الاستقرار. وفي قلب هذا المخاض الاستراتيجي جاء توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامي، ليشكل محطة مفصلية ترسم معالم مرحلة جديدة من الأمن الإقليمي القائم على التشابك العضوي لمكامن القوة الاستراتيجية بعيداً عن أطر التبعية التقليدية أو الحسابات الظرفية.

هذه الاتفاقية التي أبرمتها ثلاث من أهم وأعتى القوى العسكرية والديموغرافية والاقتصادية في العالم الإسلامي لا تُمثل مجرد تفاهم عسكري عابر بل تعكس رؤية عميقة واستباقية لبيئة أمنية عالمية وإقليمية تتسم بالسيولة الشديدة وتعدد الأقطاب والتهديدات غير التقليدية.

لا يمكن قراءة هذا التحالف الاستراتيجي بمعزل عن الهندسة السياسية والاقتصادية الكبرى التي قادها ويقودها ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان. فمنذ انطلاق مشاريع التحول التاريخية في المملكة وفي مقدمتها رؤية السعودية 2030 أرسى ولي العهد عقيدة سياسية واضحة لمعادلة التنمية والاستقرار قوامها أن النهضة الاقتصادية الكبرى وبناء المدن المستقبلية وتوطين التقنية واستقطاب الاستثمارات العالمية كلها مسارات واعدة ترتبط طردياً بوجود بيئة إقليمية مستقرة ومصانة بقدرة موثوقة للردع.

إن سياسة الأمير محمد بن سلمان تقوم على براغماتية واعية وحكمة استراتيجية تؤمن بأن الدبلوماسية الفاعلة لا تكتسب هيبتها إلا إذا استندت إلى توازن قوة صلب. فالسعودية في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وبفضل الرؤية الثاقبة والديناميكية المعهودة لولي عهده الأمين لم تعد مجرد مركز اقتصادي وثقل روحي وعالمي فريد بل تحولت إلى فاعل سياسي استباقي يصنع المبادرات ويوطد الشراكات الذكية ويبني منظومات أمنية مرنة تحمي المكتسبات الوطنية وتؤمن ممرات الطاقة العالمية وتغلق الباب أمام أية محاولات لعبث الميليشيات أو القوى العابرة للحدود.

هذا التوجه السيادي أثبت أن المملكة قادرة على تنويع خياراتها الاستراتيجية وإيجاد شبكة أمان إقليمية تحمي استقرارها وتؤكد أن قوتها المتنامية هي صمام أمان للأمن العربي والإسلامي بأسره.

تستمد اتفاقية مكة للدفاع المشترك صلابتها من التكامل الفريد الذي تملكه الأطراف الثلاثة والذي يدمج بين مقومات القوة بمختلف أبعادها:

المملكة العربية السعودية: بما تمثله من ثقل روحي وديني كقبلة للمسلمين ومركز ثقل اقتصادي عالمي في أسواق الطاقة فضلاً عن تطويرها المستمر لمنظومتها العسكرية وتقنياتها الدفاعية وتزعمها للجهود الدبلوماسية الساعية للسلام والتنمية.

تركيا: باعتبارها قوة عسكرية وصناعية كبرى وصاحبة تجربة عريقة ومتقدمة في قطاع الصناعات الدفاعية وتطوير منظومات الردع الحديثة وعضو فاعل بثقلها الجيوسياسي.

باكستان: بما تملكه من قدرات استراتيجية وعسكرية كبرى وخبرة ميدانية طويلة ورصيد مؤسسي عريق في حفظ التوازن الإقليمي في آسيا والعالم الإسلامي.

إن اجتماع هذه الأركان الثلاثة يرفع سقف الردع الجماعي إلى مستويات غير مسبوقة فمبدأ أن الاعتداء على دولة هو اعتداء على الدول الثلاث يغير قواعد اللعبة تماماً أمام أي خصم يفكر في مغامرة غير محسوبة ويجعل تكلفة الحروب بالوكالة أو الاستفزازات الحدودية باهظة ومكلفة للغاية.

تأتي هذه الاتفاقية في توقيت بالغ الدقة والعناية لتخاطب بوضوح العواصم الدبلوماسية الكبرى في أوروبا والخليج والعالم وهي تحمل رسائل استراتيجية عدة:

الاستقلالية الاستراتيجية: تؤكد الدول الثلاث أن أمن المنطقة يجب أن يصاغ بإرادة أبنائها وقدراتهم الذاتية دون التقوقع داخل عباءة التحالفات التقليدية وحدها بل بفتح آفاق جديدة لدوائر أمنية مرنة ومتعددة.

التحول نحو المؤسسية الدفاعية: بعيداً عن الانفعالات الظرفية تضع الاتفاقية اللبنة الأساسية لتأسيس نظام دفاعي إقليمي مستدام يفتح الباب أمام تكامل الصناعات العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية وتطوير منظومات الدفاع الجوي والصاروخي المشترك.

حماية التنمية بالاستقرار: إن الرسالة الموجهة للأسواق الإقليمية والدولية هي أن السعودية وباقي أطراف الاتفاق ليسوا دعاة حرب بل هم صناع استقرار وتنمية وإن توفير المظلة الدفاعية الرادعة هو الضمانة الحقيقية لاستمرار مسيرة الازدهار الاقتصادي والمشاريع الكبرى التي تشهدها المملكة والمنطقة.

في المحصلة تمثل اتفاقية مكة للدفاع المشترك علامة فارقة في تاريخ العمل الاستراتيجي المشترك في العالم الإسلامي. فهي تثبت أن المملكة العربية السعودية تحت القيادة الحكيمة لخادم الحرمين الشريفين وولي عهده محمد بن سلمان ماضية بثبات نحو بناء مستقبل آمن ومستقر تستند فيه الدبلوماسية الرصينة إلى قوة ردع حقيقية وموثوقة. وعندما تجتمع الرؤية السياسية الثاقبة والإرادة الوطنية الصلبة والتكامل العسكري النوعي تصبح القوة أداة لحماية الاستقرار والاستقرار قاعدة صلبة لتنمية البشر وحماية مقدرات الأوطان.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...