عمدة كادونيغه (بادوفا) يرفض منح الجنسية الايطالية لمغربية في بادوفا: حين تتجمد الإنسانية على عتبات القانون فهل اللغة وحدها معيار للانتماء في مهجر التضحيات؟

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.

 

عمدة بادوفا يرفض منح الجنسية لمغربية في بادوفا: حين تتجمد الإنسانية على عتبات القانون فهل اللغة وحدها معيار للانتماء في مهجر التضحيات؟

حين تتجمد الإنسانية على عتبات القانون تتحول أروقة الإدارات أحياناً من فضاءات لتسهيل حياة الناس إلى مسارح مصغرة لتصادم عالمين عالم القوانين الصارمة التي لا ترحم وعالم إنساني مفعم بالتضحيات والعرق الصامت. ولعل الواقعة التي شهدتها بلدية كادونيكي بمقاطعة بادوفا الإيطالية حين أقدم العمدة على رفض إتمام مراسم أداء اليمين لمواطنة مغربية عجزت عن التحدث بالإيطالية بطلاقة تجسد بوضوح هذا التناقض الصارخ. وبينما يرى البعض في هذا الموقف انتصاراً لهيبة الدولة تقف زاوية أخرى لتكشف وجهاً إنسانياً عميقاً يستدعي الإنصاف والتعاطف مع مسيرة حياة كاملة أُهدرت خلاصتها عند عتبة امتحان لغوي متأخر.

من منظور السلطة المحلية يستند هذا القرار إلى مبدأ أن الجنسية ليست مجرد مكافأة زمنية تُمنح بمرور السنوات بل هي ميثاق ولاء ومواطنة نشطة. وتكمن حجة المؤيدين لهذا التوجه في أن الشخص الذي يحمل وثيقة بلد ما عليه أن يمتلك أدوات التواصل الأساسية بها ليفهم حقوقه وواجباته وليستطيع التفاعل مع مؤسسات الدولة دون وسيط فاللغة هنا تُعتبر الجسر الأول للاندماج الحقيقي.

لكن إذا تجاوزنا الشكلية الإدارية الصارمة وغصنا في عمق الواقع الإنساني لهذه السيدة المغربية سنجد معطيات وحججاً قوية تقف في صفها وتضع هذا التعسف البيروقراطي في قفص الاتهام الأخلاقي. فكيف يمكن إلقاء اللوم كاملاً على المواطنة وحدها في خطوة أداء اليمين الأخيرة، بينما تجاوزت مسبقاً كافة الشروط القانونية الصارمة التي تفرضها وزارة الداخلية الإيطالية والمحافظة؟ إن الحصول على الموافقة الأولية للجنسية يتطلب أصلاً اجتياز عقبات إدارية معقدة وتقديم شهادات رسمية مما يعني أنها استوفت البنود القانونية في ملفاتها ويطرح علامات استفهام حول ثغرات المنظومة نفسها التي سمحت بوصولها إلى هذه المرحلة ثم تفاجأت بحالها.

علاوة على ذلك فإن الجيل الأول من المهاجرين وخصوصاً النساء اللواتي هاجرن في ظروف صعبة قضين زهرة أعمارهن في العمل الشاق والتربية بصمت ومواجهة تحديات الغربة دون أن تُتاح لهن فرصة الجلوس على مقاعد الدراسة لتعلم القواعد النحوية المعقدة. فهل تُقاس وطنية الإنسان بقدرته على تلاوة جملة بطلاقة أمام الكاميرات أم بما قدمه من تعب وعرق لتنشئة أجيال صالحة وخدمة المجتمع بصمت؟ إن محاولة الزوج التدخل للمساعدة لم تكن دليلاً على عجز مطلق بل كانت تعبيراً عن التضامن الأسري الذي غاب عن ذهن إدارة تحولت إلى منصة للعروض الاستعراضية على حساب كرامة البشر.

وفي هذا السياق ومن منطلق المسؤولية والوعي التام بمتطلبات الاندماج الحقيقي لا بد من التأكيد على أننا لسنا البتة ضد تعلم اللغة الإيطالية بل على العكس تماماً إننا ندعو كافة المهاجرين من شتى الجنسيات إلى جعل تعلم لغة هذا البلد أولوية أساسية ومستمرة. فتعلم الإيطالية ليس مجرد أداة لعبور الامتحان الإداري بل هو المفتاح الحقيقي لفهم ثقافة البلد العريقة واستيعاب عاداته وتقاليده والإلمام الدقيق بالقوانين التي تحمي الحقوق وتنظم الواجبات. كما أن إتقانها يفتح أبواباً واسعة للارتقاء المهني بدءاً من برامج التكوين المهني المتقدمة مروراً باجتياز مباريات العمل بنجاح وفي المشاركة السياسية او الترشح للانتخابات وصولاً إلى تعزيز فرص الاندماج الأكاديمي للأبناء. إن تشجيع أبنائنا والجيل الصاعد على التمكن من هذه اللغة وتعليمها لهم جنباً إلى جنب مع الاعتزاز بالهوية الأصلية هو استثمار حقيقي في مستقبل مشرق يضمن للجميع عيشاً كريماً ومشاركة فاعلة وبناءة في بناء مجتمع الغد.

في النهاية تتركنا واقعة بادوفا أمام سؤال أعمق حول ما إذا كانت الجنسية حقاً لمن ساهم في بناء هذا المجتمع بعمله واجتهاده أم مجرد امتياز حصري لمن يتقن مفردات لغته بطلاقة أكاديمية. إن التاريخ لا يذكر الأوطان بما تقرره القرارات الإدارية الجافة بل بما تمنحه من احتواء للقلوب التي نبضت بحبها وتلك السيدة حتى وإن تعثر لسانها أمام عدسات الكاميرات فقد تحدثت طوال سنوات عمرها بلغة العمل والوفاء وهي لغة أسمى بكثير من كل القواميس البيروقراطية.
إلى عمدة بلدية كادونيكي إن هذه السيدة لم تقف يوماً على أبواب مؤسساتكم باحثة عن غاية عابرة بل جاءت حاملةً في قلبها حب هذا البلد الذي طالما اعتبرته بيتاً لها ولأسرتها. إن تقديمها لطلب الجنسية لم يكن مجرد إجراء ورقي بادرته صدفة الأيام بل كان تتويجاً لمسيرة طويلة من الانتماء الحقيقي حيث بذلت الغالي والنفيس وربت أبناءها في هذه الأرض وساهمت بصمت واجتهاد في بناء نسيج هذا المجتمع بعرقها وتضحياتها. صحيح أن لغة البلد هي مفتاح الاندماج الحقيقي وجسر معرفة القوانين والعيش بكرامة داخل مؤسساته وهي بلا شك غاية لا غنى عنها ولكن أحياناً تقف الظروف الإنسانية وصعوبة البدايات وقسوة الظروف التي واجهتها نساء الجيل الأول في مهجر الغربة حائلاً دون إتقان القواعد الأكاديمية بطلاقة تامة دون أن ينقص ذلك قطرة واحدة من صدق ولائها وحبها لهذا الوطن. ولهذا ندعوك اليوم بنبرة إنسانية عادلة إلى إعادة النظر بعين الحكمة والرحمة في ملف هذه الأم المكافحة متجاوزين حرفية القوانين الجافة إلى روح العدالة التي تفهم أن الانتماء الحقيقي للوطن يقاس بنقاء القلوب وسجل التضحيات وليس فقط بقدرة اللسان على ترديد الكلمات أمام الكاميرات.


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...