عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية قضايا الهجرة والبحث في الفكر والإسلام.
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو الاستحقاقات الانتخابية المقبلة تعيد السلطات المغربية تدوير إشكالية المشاركة السياسية لمغاربة العالم من خلال التركيز على التجويد التقني لمسطرة التصويت بالوكالة معتبرة أن رقمنة الإجراءات قد تكون مفتاحاً لرفع نسب المشاركة إلا أن هذا الطرح وإن كان ينم عن رغبة في التبسيط الإداري يغفل عن قصد أو غير قصد الجوهر السياسي والاعتباري لمبدأ التصويت ويؤسس لمقاربة إجرائية بدلاً من مقاربة حقوقية تتناسب مع حجم وأدوار الكتلة الناخبة المهاجرة التي باتت تطالب بحقها الكامل في تقرير مصير تمثيليتها السياسية والمؤسساتية بكل حرية واستقلالية ومباشرة دون أي وصاية أو قيود بيروقراطية تحد من فاعليتها وتكرس شعورها بالاغتراب المؤسساتي المزمن.
إن الرهان على التصويت بالوكالة ليس مجرد اختيار تقني عابر بل إنه من منظور السوسيولوجيا السياسية يعكس نظرة قاصرة لدور مغربي الخارج ويضعه في خانة المواطن الملحق الذي لا يملك الحق في ممارسة حقه الانتخابي بشكل مباشر ومستقل حيث يُنتزع منه فعل الاختيار ليمنح قسراً لشخص آخر مما يفرغ العملية الانتخابية من دلالتها الديمقراطية القائمة على القناعة الفردية والمسؤولية الشخصية وتؤكد الأصوات الرافضة لهذا النمط من التصويت بين أفراد الجالية المغربية أن المعضلة الحقيقية ليست في عناء التنقل إلى القنصليات بل في غياب التمثيلية الحقيقية فالطالب بالحق في التصويت المباشر هي صرخة من أجل الاعتراف بالهوية السياسية لمغاربة العالم كجزء أصيل من النسيج الوطني لا كرافد اقتصادي أو لوبي ضاغط فقط بل كمواطنين لهم حق اختيار ممثليهم في المؤسسة التشريعية مباشرة وبشكل يليق بتضحياتهم وتاريخهم الوطني العريق.
تتجاهل المقاربة الحالية واقع التحولات العميقة التي شهدتها كفاءاتنا بالخارج التي أصبحت تتقن لغة الحقوق السياسية بحكم تجاربها الرائدة في بلدان الاستقبال التي تمنح مواطنيها حق التصويت في القنصليات والبعثات الدبلوماسية بكل سلاسة وشفافية وهو ما يخلق فجوة واسعة في الوعي السياسي تجعل المغربي المقيم بالخارج يتساءل عن سبب مطالبته بالاكتفاء بتوكيل صوته لجهة أخرى قد لا تجد طريقها إلى المرشح الذي يؤمن به وعلاوة على ذلك يطرح التصويت بالوكالة إشكالات أخلاقية وقانونية عميقة تتعلق بنقل الأمانة وضمانات السرية في غياب أي آلية فعالة تضمن للموكل أن صوته لم يُصادر أو يُحرف داخل المعزل وهو ما يحول التصويت من حق دستوري مقدس إلى عبء إجرائي عقيم وغير مضمون النتائج يزيد من حجم الاحباط والعزوف السياسي لدى مختلف شرائح الجالية.
إلى كل من يهمه الأمر من أحزاب سياسية مغربية وحكومة ومؤسسات معنية بقضايا الجالية نتوجه بهذه الرسالة المباشرة لنطرح تساؤلات مشروعة حول الأسباب الكامنة وراء التخوف من إقرار تصويت مباشر لمغاربة العالم ولماذا يتم الالتفاف على حق دستوري أصيل يؤكد على مشاركتهم الفاعلة ولماذا لا تُترجم على أرض الواقع التوجيهات الملكية السامية لجلالة الملك محمد السادس التي ما فتئت توصي بالعناية الفائقة بمغاربة العالم وتثمين أدوارهم الوطنية كما تسائل هذه المحطة نكوص قيادات وأمناء الأحزاب السياسية التي زارت العواصم الأوروبية والتقت بالجالية عن الوفاء بوعودها وبتصريحاتها المعلنة في استخفاف واضح بتطلعات كتلة وازنة قادرة على صنع الفارق مما يفرض اليوم قطيعة تامة مع الوعود الموسمية والتعامل الفوقي ويدعو أصحاب القرار في أعلى هرم الدولة إلى التحلي بالجرأة السياسية اللازمة لإنصاف مغاربة العالم وتمكينهم من حقوقهم الكاملة بعيداً عن سياسة التماطل والتسويف.
وبصفتي صحفياً مهنياً مقيماً في إيطاليا فإنني أرى أن الحل الأمثل والأوحد لتجاوز هذا المأزق يكمن في خلق آليات تصويت مباشر داخل البعثات الدبلوماسية والقنصليات وتخصيص مقاعد برلمانية حقيقية تضمن لمغاربة العالم صوتاً مسموعاً ومؤثراً في صنع القرار الوطني بعيداً عن منطق الاستقطاب الموسمي الذي يمارس خلال المحطات الانتخابية وحدها وهو ما يتطلب من الحكومة والطبقة السياسية إعادة النظر بجرأة كبرى في هذه المقاربة العقيمة والانتقال الجذري من تدبير الوكالة المفرغة إلى تكريس المواطنة العابرة للحدود بشكل كامل وفعلي يعيد الاعتبار للمغاربة المقيمين في الخارج ويجعلهم شركاء حقيقيين وفاعلين في بناء مستقبل الوطن واستقراره الديمقراطي والمؤسساتي المنتظر.
وإننا مقبلون على استحقاقات وانتخابات تشريعية مفصلية يوم 23 شتنبر 2026 وهو استحقاق يضع المؤسسات والطبقة السياسية أمام محك حقيقي لتأكيد الإرادة في إشراك حقيقي وفعلي لكافة أبناء الوطن خارج الحدود ومن هذا المنطلق فإننا نوجه نداءً صريحاً ومسؤولاً لصناع القرار من أجل التخلي عن الحلول المؤقتة والمقاربات الإجرائية الضيقة التي لا تزيد المشهد إلا جموداً والتوجه نحو إقرار إصلاحات جوهرية جريئة تضمن لمغاربة العالم حقهم الدستوري والكامل في ممارسة مواطنتهم السياسية بشكل مباشر ومسؤول بما يليق بحجم تطلعاتهم ويحفظ كرامتهم وحقوقهم الوطنية كاملة غير منقوصة.





