صوتك أمانة ومستقبل أسرتك على المحك: لا تبيعوا إرادتكم بثمن بخس دراهم معدودة لتجار الوهم في صناديق الانتخابات

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.

 

 

في مفترق طرق سياسي وتنموي بالغ الأهمية يجد المغرب نفسه أمام محطة استحقاقات تشريعية تحتم على كافة الفاعلين والمواطنين إعادة النظر في طبيعة التعاطي مع الشأن العام. نعيش اليوم مرحلة دقيقة تتطلب منا وعياً جماعياً حقيقياً حيث تُطرح على الطاولة أسئلة مصيرية حول جدوى المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. وبينما يختار البعض مقاطعة الصناديق بسبب خيبة أمل سابقة أو شعور بالإحباط من غياب التغيير المنشود في التعليم والصحة والشغل تظل الحقيقة الثابتة أن العزوف لا يحل المشكلة بل يمنح الفرصة لمن لا يستحق لتوجيه دفة القرار.

شهدت المحطات الانتخابية المتعاقبة نقاشات حادة حول نسب المشاركة حيث يتخذ البعض من العزوف موقفاً احتجاجياً ضد أداء المجالس المنتخبة والحكومات المتعاقبة. غير أن قراءة متأنية لخريطة القرار السياسي تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن المقاطعة السلبية لا تؤدي إلى إصلاح الخلل بل تعمق جراحه. حين ينسحب النخب والكفاءات الشريفة المناضلة بحق من ساحة الاقتراع يخلون المكان أمام آليات التوجيه العشوائي ومنطق الولاءات الضيقة. إن ترك الصناديق عرضة للصدفة يعني بوضوح تفويض من لا يملك الكفاءة ولا النزاهة لتدبير الشأن اليومي للمواطنين لسنوات طوال مما ينعكس سلباً على بنيات الاستقبال الأساسية والخدمات الاجتماعية الحيوية كالصحة والتعليم وعلى فرص الشغل الموجهة للشباب حاملي الشهادات.

وإذا كان العزوف وجهاً آخر للإحباط فإن الظاهرة الأكثر خطورة التي تهدد جوهر الديمقراطية الناشئة تتمثل في تفشي ظاهرة شراء الذمم والأصوات إن التحدي الأكبر اليوم يكمن في مواجهة هذه الآفة التي تفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها النبيل. فالمال الانتخابي العابر مهما بدا مغرياً بلحظته الزمنية القصيرة لا يساوي شيئاً أمام ثمن السنوات الخمس المقبلة التي سيقضيها المواطن المغربي تحت طائلة سياسات واختيارات من وصلوا بالرشوة لا بالكفاءة. صوتك ليس سلعة للبيع ولا هدية مؤقتة بل هو أمانة حقيقية تعكس إرادتك الحرة في بناء المستقبل وقطع الطريق أمام السماسرة وتجار الوهم. إن من يبيع صوته اليوم يساهم عن وعي أو غير وعي في تكريس رداءة التدبير وضياع الحقوق والمكتسبات.

وبحكم أنني صحفي من مغاربة العالم ومتابع للمشهد السياسي المغربي أضع بين أيديكم هذه الرسالة القوية التي لخصت جوهر الاختيار الديمقراطي حيث استحضرنا ما ذكره صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله في خطابه السامي الموجه إلى الأمة يوم 20 غشت 2007 إذ قال جلالته بحكمته المعهودة: «إنكم بالإدلاء بأصواتكم لا تختارون من يمثلكم للسنوات الخمس المقبلة فقط وإنما تحددون أيضًا مستقبلكم ومستقبل أبنائكم وبلدكم. فعليكم ألا ترهنوا مصيركم ببيع أصواتكم وضمائركم لمن لا ضمير ولا أمانة له ففي ذلك تنازل منبوذ عن حقكم الدستوري في الانتخاب الحر وتفريط غير مقبول في شرف مواطنتكم وكرامتكم».

وسط الضجيج الشعاراتي والوعود الزائفة التي تُطلق مع كل موسم انتخابي يغفل كثيرون عن حقيقة جوهرية مفادها أن المغرب لا يخلو من الكفاءات الوطنية الصادقة. قد لا يكون هؤلاء هم الأكثر صخباً ولا الذين ينفقون الملايين على الحملات الاستعراضية لكنهم يمتلكون الاستقامة والخبرة والغيرة الحقيقية على الصالح العام. ولأن الكمال لله وحدَهُ فإن البحث عن المرشح المثالي قد يكون أمراً صعباً في عالم السياسة الواقعي لكن البديل الأقل سوءاً والأكثر نزاهة وكفاءة موجود بين ثنايا هذا الوطن. المغرب لا يخلو من الشرفاء والطاقات التي تعمل في صمت بعيداً عن صخب الحملات الإعلانية الضخمة. مسؤوليتنا كمواطنين تبدأ بالبحث والسؤال والمقارنة والتحقق من سير المرشحين وبرامجهم الواقعية بعيداً عن منطق القرابة أو العصبية القبلية أو المصلحة العابرة.

كثيرون هم من يستصغرون أثر أصواتهم الفردية متوهمين أن صندوق الاقتراع لن يتغير بمشاركة بسيطة. غير أن التاريخ السياسي والشعبي يعلمنا أن التحولات الكبرى تبدأ بخطوات صغيرة واعية. الصوت الواحد قد يبدو بسيطاً في ظاهره لكنه حين يلتقي بأصوات الشرفاء والواعيين يتحول إلى قوة قادرة على إحداث التغيير الحقيقي وقطع الطريق أمام تجار الوهم والضمائر. إن تجميع الإرادات الحرة هو الكفيل بإزاحة الوجوه المستهلكة وإفساح المجال لدماء جديدة قادرة على ترجمة التطلعات التنموية إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع، سواء تعلق الأمر بالجهات الحضرية الكبرى أو بالمناطق المهمشة والجبلية.

إن المسؤولية الوطنية لا تنتهي بمجرد إسقاط ورقة التصويت في صندوق الاقتراع بل إن تلك اللحظة تشكل الانطلاق الحقيقي لمسار المواطنة الفاعلة. الديمقراطية الحقة لا تقتصر على يوم الاقتراع بل تمتد طيلة الولاية الانتخابية من خلال تتبع أداء المنتخبين ومساءلتهم عن وعودهم والوقوف عند مدى التزامهم بخدمة الصالح العام. إن بناء مغرب الغد القائم على الجهوية المتقدمة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية والمجالية يقتضي منا جميعاً التخلي عن السلبية والاتكالية ووضع معايير واضحة وصارمة تقوم على الاستقامة والكفاءة عند اختيار من يمثلنا في قبة البرلمان والمجالس المنتخبة. وفي النهاية فإن المشاركة الواعية والمسؤولة في صناديق الانتخابات تظل هي المفتاح الحقيقي لإفراز نخب كفؤة ونزيهة قادرة على تدبير الشأن العام وتحمل الأمانة الجسيمة سواء في قبة البرلمان أو في رئاسة الحكومة والوزارات لتوجيه سفينة البلاد نحو بر الأمان وتحقيق تطلعات المواطنين في التنمية والكرامة.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...