تواجه زراعة الزعفران في ريف محافظة طرطوس السورية تحديات عدة، رغم ما أظهرته التجارب المحلية من ملاءمة الظروف الطبيعية للمنطقة لهذا المحصول، وما يمكن تحقيقه من مردود اقتصادي مرتفع، في ظل ارتفاع أسعار الزعفران في الأسواق المحلية والعالمية.
وبدأ عدد من المزارعين في ريف مدينة الدريكيش زراعة الزعفران قبل نحو 8 سنوات، في تجارب محدودة انطلقت بكميات ضئيلة من الأبصال، قبل أن تتوسع تدريجيا مع نجاح عمليات إكثار هذه الأبصال وإنتاج المياسم.
وقال المزارع جابر يونس، من ريف الدريكيش، إنه بدأ الزراعة قبل نحو 8 سنوات بكمية لم تتجاوز 7 كيلوغرامات من الأبصال، قبل أن يعمل على إكثارها، مشيرا إلى أن الأبصال تتكاثر بمعدل يتراوح بين ضعفين و3 أضعاف سنويا.
وأضاف للجزيرة أن التجربة حققت مردودا اقتصاديا جيدا، وأسفرت عن إنتاج مياسم ذات جودة عالية ورائحة مميزة، موضحا أن تحليل عينات من الأزهار أظهر دخول المنتج في التصنيف العالمي.
وأشار يونس إلى أن زراعة الزعفران تعتمد بشكل أساسي على العمل اليدوي، ولا يمكن إدخال الميكنة الزراعية بسهولة في عمليات الإنتاج، وهو ما يزيد من الجهد والكلفة.
وقال إن المزارعين ينتجون حاليا كميات جيدة من الأبصال والمياسم، لكنهم يواجهون صعوبات في تسويقها، في ظل تردد مزارعين آخرين في خوض التجربة بسبب حداثة هذه الزراعة وعدم انتشارها على نطاق واسع في الساحل السوري.
لماذا يصعب تسويق الزعفران؟
وأوضح يونس أن ضعف ثقافة استهلاك الزعفران يمثل تحديا إضافيا أمام المزارعين، إذ يستخدمه البعض لأغراض صحية، بينما يبقى استهلاكه محدودا بسبب ارتفاع سعره مقارنة بباقي التوابل.
وأشار إلى أن ارتفاع السعر يدفع المستهلكين إلى اختيار بدائل أقل كلفة، رغم ما يتمتع به المحصول من خصائص غذائية وطبية معروفة عالميا.
من جهته، قال المهندس والمزارع باسل محمد، من قرية بيت يوسف في ريف الدريكيش، إنه بدأ تجربة زراعة الزعفران خلال عامي 2017 و2018، بعدما لاحظ ملاءمة المنطقة لهذا المحصول من حيث الارتفاع عن سطح البحر ونوعية التربة ومستويات الرطوبة.
وأوضح للجزيرة أن زراعة الزعفران تحتاج إلى أراض مرتفعة عن سطح البحر، تبدأ من نحو 400 متر وما فوق، مشيرا إلى أن زيادة الارتفاع تساعد على رفع تركيز المادة العطرية في الزعفران، وهو ما ينعكس على جودته وسعره.
وقال محمد إن المزارعين ركزوا خلال تجربتهم على جودة المنتج، مع تجنب الكيماويات والاعتماد على الأسمدة العضوية، مشيرا إلى إجراء تحاليل للمنتج في الجامعة الأمريكية في بيروت، أظهرت نتائج وصفها بأنها تضاهي جودة منتجات من دول معروفة بزراعة الزعفران، بينها المغرب وإسبانيا وإيران.
إنتاج محدود رغم الجودة
وأشار محمد إلى أن التحدي الأساسي لا يتعلق بجودة المنتج فحسب، وإنما أيضا بمحدودية الإنتاج، إذ لا تتجاوز المساحات المزروعة بالزعفران في القرية ما بين 8 و10 دونمات.
وأوضح أن إنتاج كيلوغرام واحد من الزعفران يحتاج إلى نحو دونم من الأرض، يزرع فيه قرابة 250 كيلوغراما من الأبصال، في حين يتطلب الوصول إلى إنتاج كيلوغرام من المياسم نحو 3 سنوات من العمل المستمر.
ويعرف الزعفران باسم “الذهب الأحمر” لارتفاع قيمته المالية والجهد الكبير المطلوب لإنتاجه، بدءا من زراعة الأبصال وصولا إلى جمع المياسم، وهي عملية تحتاج إلى وقت وصبر وعمالة يدوية.
ويرى المزارعون أن توسيع المساحات المزروعة وزيادة الإنتاج كفيلان بتحويل الزعفران إلى محصول اقتصادي أكثر جدوى لسكان المنطقة، خصوصا مع إمكانية تحقيق عائد مالي جيد مقارنة ببعض الزراعات التقليدية.
بدوره، قال رئيس دائرة زراعة الدريكيش المهندس يونس خضر إن زراعة الزعفران تعد من الزراعات الواعدة والمشاريع الاقتصادية ذات الربحية العالية، نظرا إلى ارتفاع سعر المحصول.
وأوضح أن الدريكيش تضم حاليا نحو 5 دونمات مزروعة بالزعفران، يعمل فيها نحو 13 مزارعا، متوقعا أن يتضاعف العدد خلال العام الحالي مع تنامي الاهتمام بهذا النوع من الزراعة.
وأشار خضر إلى أن التسويق يمثل أبرز التحديات التي تواجه المزارعين، إذ يجري حاليا تسويق كميات محدودة من الإنتاج، معربا عن أمله في الوصول مستقبلا إلى أسواق خارج سوريا.
وأكد أن دعم مزارعي الزعفران يمكن أن يساعد على تطوير هذه الزراعة وتوسيع نطاقها، بما يعزز قدرتها على التحول من تجارب فردية محدودة إلى نشاط زراعي أكثر انتشارا ومردودا في ريف طرطوس.
المصدر: الجزيرة





