الدكتور أحمد الريسوني
عالم وفقيه مغربي بارز، متخصص في علم المقاصد، شغل سابقًا منصب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
منذ حوالي سنتين أعلنت الهيئة الحكومية المكلفة بتعديل مدونة الأسرة، عما طبخته من تعديلات يعتزمون إدخالها على المدونة، وهي تعديلات وصلت إلى 139 تعديل. منها ما هو طيب مقبول، ومنها ما هو خبيث مرذول..
بعض تلك التعديلات المقترحة جاءت مصحوبة بحماس دعائي صاخب، وخاصة من الوزير المحامي، الذي تجاوز “الدفاع” إلى الاندفاع، فركز على أهم الخبائث الواردة في التعديلات، مما أظهر أنها هي بيت القصيد ومربط الفرس في هذه الجعجعة..
ومن أمثلة تلك التعديلات المعتمدة لدى الهيئة الحكومية:
حظر تعدد الزوجات، إلا في حالتين: عند عقم الزوجة الأولى، أو عند مرضها مرضا تتعذر معه المعاشرة..
إلزام الفتاة المقبلة على عقد زواجها، بالتصريح للعدلين عن موقفها من تعدد الزوجات، وهل تقبله أو لا تقبله، ويكتب ذلك في عقد الزواج!!
استمرار حق الحضانة للمطلقة، حتى في حال زواج جديد لها..
لزوم إنفاق الزوج على الزوجة من يوم عقد الزواج، وليس من يوم الزفاف والالتحاقِ ببيت الزوجية..
وقد أحدثت التعديلات الخبيثة صدمة وخيبةَ أمل واسعة لدى الجمهور المغربي، واعتُبرت ضربة تخريبية لفكرة الزواج، ولمؤسسة الأسرة بصفة عامة. وكان مجرد إعلانها قد أحدث نفورا إضافيا من الزواج، وأعطى مددا جديدا للعزوف عنه، وإيثار حياة العزوبة والفساد..
فإلزام الفتاة عند عقد زواجها، وفي لحظة ابتهاجها، بأن تُصدر فتواها وقرارها بقبول التعدد أو رفضه، هو أولا وقاحة وقلة أدب وفسادُ ذوق.. وهو في النهاية قد يعني تشتيت الشمل وتعطيل الزواج المتفق عليه قبل أن يبدأ..
التفاهم حول مسألة التعدد، أو اشتراط عدمه، ممكن طيلة فترة الخطبة، لمن أرادوه. ولهم أن يقرروا – في متسع من الوقت – تضميه في عقد الزواج، مثلما يمكنهم تجاهل الأمر وتركه للزمن والظروف، وهي الحالة السوية، وهو صنيع عامة الناس، على اعتبار أن التعدد ضئيل الحدوث، والأصل عدم وقوعه.
كما أن التعديلات تضمنت اشتراطا تشريعا معاديا للتعدد ومانعا منه بصفة عامة، وهو أنه لا يجوز ولا يسمح به إلا عند العقم، أو المرض المانع من المعاشرة الزوجية. وهذا يجعل إحراج البنت وإرغامها على اتخاذ موقف حاد برفض التعدد أو قبوله، غيرُ ذي جدوى، بعد أن قام “المشرع” بوضع شروطه وجعل التعدد محرما قانونيا، إلا عند الضرورة القصوى.
فماذا لو صرحت البنت برفض التعدد، ثم ظهر لاحقا أنها عقيم لا تلد، أو أصيبت بمرض مانع من المعاشرة الزوجية؟ هل سيؤخذ بشرطها، أو بشرط المشرع المتسرع؟
ولو أن أعداء التعدد، الساعين إلى محوه، كانوا يريدون خيرا للبلاد والعباد، لقدموا بدائل تغني عن حاجة النساء إلى التعدد؛ كأن ينصوا على تقديم كافة المساعدات والتسهيلات التي توسع دائرة الزواج، وتقلص دائرة العزوف عنه، والتنصيص على إغلاق كافة أبواب الحرام ومسالكه، التي فـتِّحت أبوابها، فاستشْرت وأصبحت تصرف الناس عن الزواج وتُـزَهدهم فيه، أو التنصيص على ترشيد التعدد وتوجيهه لحل مشكلة العنوسة والترمل. وقد سبق لي أن اقترحت جعل الزواج الثاني محصورا فيمن تجاوزن الثلاثين، أو الأرامل والمطلقات. فهكذا كان التعدد النبوي..
وأما إلزام الزوج بالإنفاق على زوجته بمجرد العقد، وقبل البناء، ففيه من التعسف والعبث، ومن التعقيدات والإشكالات، ما لا ينقضي منه العجب.
وها هو نص المدونة الحالي، في المادة 194: “تجب نفقة الزوجة على زوجها بمجرد البناء، وكذا إذا دعته للبناء، بعد أن يكون قد عقد عليها”.
فأي مشكل، أو أي ظلم، أو أي عيب، في هذه المادة؟ وأي فائدة في تعديلها المقترح؟ وما الداعي إليه؟
والحال أن كثيرا من الشبان يعقدون زواجهم، ثم ينتظرون مدة، قد تطول وقد تقصر، قبل التمكن من الزفاف والعيش المشترك تحت سقف الزوجية وبنفقة واحدة. وقد تكون الزوجة هي من يطلب تأجيل البناء، ربما إلى إنهاء دراستها، أو إلى مناقشة أطروحتها، أو إلى حين توظيفها، أو انتقالها الوظيفي من مكان إلى مكان أنسب..
فبأي حق يُـفرض على “الزوج العاقد”، أن ينفق على هذه الزوجة، وهي مستقرة في بيت والديها، أو في بيتها الخاص؟ ثم كيف ستتم هذه النفقة: تقديرها؟ وأداؤها؟ وما أمدها؟ أم ليس لها حد؟
أم أن هذا التعديل هو مجرد عقوبة لـ”لزوج العاقد”، وتخويفٍ لمن يريدون الزواج؟
على كل حال هذه نماذج من التعديلات البئيسة، التي تتضمن إفساد مدونة الأسرة والتنفيرَ من الزواج، وتعكير الحياة الزوجية.. وقد لقيت هذه المقترحات رفضا شعبيا عارما، ما زالت أصداؤه تتردد في المجالس الخاصة، وعند العدول، وفي وسائل التواصل الاجتماعي..
والظاهر أن هذا الرفض الشعبي، والشبابي خاصة، هو السبب وراء التجميد والصمت المطبق، حول مصير تلك التعديلات؛
فهل سيتم التخلي عن التعديلات الخبيثة؟ أو سيتم تعديلها، أو فقط تم تأجيلها؟
في جميع الحالات، فأعداء المدونة ذاتِ الأصول الإسلامية، سيظلون يلاحقونها ويتربصون بها الدوائر، كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا.. وإذا كانت خطواتهم التشريعية قد تتعثر أو تتأخر، فإن جهودهم ومشاريعهم الرامية إلى إفساد المجتمع وتغيير سلوكه وثقافته ومزاجه، وفرضِ واقع جديد عليه، أو على طائفة منه، ماضية لا تبالي بأحد.. وتظل المهرجانات القذرة، الممولة من المال العام، هي أمضى أسلحتهم التخريبية..
وسنجدهم – من حين لآخر – يتحركون وينادون: يجب تعديل المدونة، لمواكبة التحولات الواقعة في المجتمع!
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





