الدكتور أحمد الريسوني
عالم وفقيه مغربي بارز متخصص في علم المقاصد شغل سابقًا منصب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
القضية الفلسطينية لا تزال قائمة ومستمرة بكل أبعادها وجبهاتها. وإعلان وقفُ إطلاق من حين لآخر، لا يعني نهايةَ الجرائم الصهيونية وحرب الإبادة المتواصلة بغزة وبغيرها، ولا يعني تحرير أي جزء من فلسطين من الاحتلال والاغتصاب، ولا يعني قيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، ولا يعني عودة ملايين اللاجئين إلى أرضهم وديارهم، ولا يعني وقف التمدد الاستيطاني السرطاني، أو إلغاء مشروع “إسرائيل الكبرى”، ولا يعني تخلي الدول الاستعمارية عن مكرها وتربصها ومخططاتها العدائية والعدوانية، وتبنيها للمشروع الصهيوني، الذي هو في النهاية، لا يخدم سوى الدول الاستعمارية.
فالمشروع الصهيوني، وإن كان موجها في الأساس ضد العرب والمسلمين، فإنه أيضا يستخدم اليهود والمسيحيين المصهيَنين وقودا وضحايا، بعد تضليلهم بالوعود الخادعة، وشحنهم بالأساطير التوراتية والتلمودية المزيفة.
فإذن المعركة لا تزال مستمرة، والجبهات لا تزال كلها مفتوحة.. فلا ينبغي الذهاب إلى فراش النوم وأرائك الاسترخاء.
وما دامت الأنظمة الإقليمية قد نفضت يدها من القضية، إلا من الخيانة والتنسيق والتعاون على الإثم والعدوان، فإن واجب النصرة والمؤازرة لفلسطين والمسجد الأقصى، يتأكد – أكثر فأكثر – في حق عموم المسلمين.
ويبقى الأمل في العلماء والدعاة ليكونوا طليعة الشعوب والنخب الإسلامية، وليكونوا خُداما للحق والحقيقة، وأن يكونوا مرابطين في مؤازرة للمقاومة والصمود، ومواجهة المشروع الصهيوصليبي، الذي يخترق ويجتاح المنطقة برمتها، وليس فلسطين فقط.
وكلمتي الآن مخصصة للحديث عن الجبهة العلمية وبعض متطلباتها، وواجبات العلماء والباحثين فيها..
الهيئات العُلمائية التي تناصر القضية الفلسطينية تعدُّ بالعشرات، فضلا عن الجهود الفردية لكثير من العلماء والدعاة. ولكن جهود العلماء وهيئاتهم تكاد تنحصر في مشاركات خفيفة وعابرة حسب المناسبات، وهي محمودة ومشكورة على كل حال، ومنها:
- الخطب المعتادة،
- الفتاوى المتشابهة أو المتكررة،
- البيانات والمواقف الاستنكارية.
- النداءات التحفيزية الآنية للعون والإغاثة،
وكل هذه الأعمال مقدرة ومرحب بها {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُم} [الأعراف: 85]. ولكن المجال المؤكد، الذي يظل مهملا وشبه فارغ، ويحتاج من العلماء والباحثين القيام عليه والإسهام في تلبية احتياجاته هو: المجال العلمي البحثي.
وللأسف، فالعلماء المعتدُّ بهم – كغيرهم من الناس – يؤثرون الاقتصار على بعض المشاركات الآنية فصيرة المدى، من قبيل ما سبق ذكره.. ولا يحبون العمل بنفَس طويل وصبر ثقيل، وأمد بعيد، وبمثابرة ومرابطة. مع أن هذا بالذات هو ما يتطلبه العمل العلمي والإسناد العلمي للقضية الفلسطينية. وهذا هو الواجب الغائب المنسي.
فما المطلوب لسد هذه الثغرة وتفعيل هذا النوع من الإسناد والنصرة؟
- الخطوة الأولى:
في البداية، وبعد البداية، لا بد من القيام بحملات وجهود، ترمي إلى التوعية والتحسيس والاستنهاض بالموضوع وأهميته، والتحفيز لذوي العزائم والمبادئ، من لعلماء والباحثين، والطلبة الباحثين، لكي يوجهوا عنايتهم وجهودهم إلى هذه الجبهة، لشحذ استعداداتهم وحشد طاقاتهم، كل حسب اختصاصه ومؤهلاته وهمته.. لأن كثيرا من العلماء والدعاة والمفكرين والجامعيين، قد يظنون أن البحث العلمي لا علاقة له بالمعركة الدائرة مع المشروع الصهيوني الاستعماري. وهذا رأس الخلل، ومنبع الزلل. ولذلك يجب التركيز عليه أولا..
- الخطوة الثانية: أضواء على الطريق
بجانب جهود التحسيس والتوعية بأهمية الإسناد العلمي، يجب تجلية المجالات والقضايا المحتاجة إلى بحوث ودراسات، وكتابات وسجالات، لكشف الحقائق ودحر الأباطيل..
لقد أحدثت التطورات الأخيرة بعد “طوفان الأقصى” هزة ويقظة في الأوساط الأكاديمية والثقافية، وهذا شعاع يجب تثمينه وتعزيزه وتوسيع دائرته، قبل أن تحاصره أجهزة الشر وتمحوه.
وفيما يلي أمثلة من الملفات والقضايا التي تحتاج إلى بحوث ودراسات علمية رصينة، داخل الجامعات وخارجها:
- متابعة السير على خطى المفكر الكبير المرحوم عبد الوهاب المسيري، بالدراسة العلمية المتخصصة والرصينة للظاهرة اليهودية وما تفرع عنها، وخاصة في كتابه الجليل (موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية)[1]، وهو إنجاز كلفه نحو ربع قرن من العمل المتواصل. ولو تكلفت به جامعة الدول العربية، أو منظمة التعاون الإسلامي، أو وزراء الثقافة، أو الألكسو، أو الإيسيسكو، لبقي المشروع متعثرا عندهم أمدا طويلا، بدون نتيجة تذكر.
وقد كان المسيري يعمل على إصدار موسوعة ثانية عن (إسرائيل والصهيونية) من الداخل، ولكن المرض ثم الأجل، لم يمهلاه لذلك. فرحل عنا وترك هذه الأمانة في أعناقنا..
لقد كان المسيري يزعج (إسرائيل والصهيونية)، أكثر مما تزعجها الجيوش العربية المحيطة بها.. فهل بقي عندنا اليوم من يفري فَـرِيَّه ويقوم مقامه؟
ولا بد هنا من الإشارة والإشادة بالعمل المتميز الذي قام الدكتور الحبيب الشوباني، بكتابه ومحاضراته في موضوع (المسألة اليهودية في عصر الطوفان).
- متابعة السير كذلك فيما بدأه الفيلسوف الحر رجاء جارودي رحمه الله، من الدرس والتفنيد للأساطير والخرافات الدينية المؤسِّسة للنظريات الصهيونية وللسياسات الإسرائيلية، وهي أساطير وحكايات إما محرفة عن أصلها، أو مختلقة من أصلها، ولكنها تُـنسب زورا إلى التوراة والإنجيل.. ولكن أغلبية اليهود، وربما ثلث الأمريكيين، وثلث الأوروبيين، وبالتأكيد عشرات الملايين منهم، يُساقون اليوم ويحركون بفعل تلك الأساطير والأكاذيب والتحريفات، بالإضافة إلى سرديات سياسية حديثة، ومضلِّلة للرأي العام العالمي. والآن أصبح حتى بعض العرب وبعض المسلمين، وبعض حكامهم، يؤمنون بها أو ببعضها، أو يتعللون بها لتبرير مواقفهم المخزية..
- معركة فلسطين والمسجد الأقصى تحتاج وجوبا إلى باحثين متخصصين في التاريخ اليهودي، وفي التراث الصهيوني، الديني والسياسي، وفي المذاهب والطوائف اليهودية، وفي علاقة اليهود بالمسيحيين، وفي تاريخ فلسطين القديم والحديث، وفي اللغة العبرية..
قبل سنوات زارني أحد الفقهاء الفلسطينيين المبعدين عن وطنهم، وأهداني بعض مؤلفاته الفقهية.. وأثناء الحديث أخبرني أنه يتقن اللغة العبرية، العامية والفصحى، وقد زاد من إتقانه لها أنه كان، في فترة سجنه الطويلة لدى الاحتلال، يقرأ بها، ويتكلم بها مع السجانين والأمنيين اليهود، ومع زملائه السجناء الفلسطينيين، وأنه دارس للتوراة بشكل ممتاز.
فقلت له: أنا أرى أن تنصرف عن تدريس الفقه والاشتغال به، والتأليف فيه، وأن تقوم بالدراسة والتدريس للغة العبرية، وللتوراة وغيرها من كتب التراث اليهودي، وأن يصبح هذا هو تخصصك العلمي والجامعي. فالفقه عندنا من يُدَرِّسونه ويؤلفون فيه، أما في اللغة العبرية والتراث اليهودي، فعندنا خصاص رهيب وجهل معيب..
- التاريخ اليهودي مشْبع بالنظريات والصياغات الصهيونية، لأجل توظيفه عالميا وإعلاميا، لفائدة الاحتلال، ولاستدرار التعاطف معه والتأييد له، من مختلف الدول والشعوب: مملكة سليمان الضائعة منذ ثلاثين قرنا، وأرض الميعاد، وشعب الله المختار، والاضطهاد والشتات، والهولوكوست.. الخ..
وهنا أيضا تأتي قضية “معاداة السامية”، التي أصبحت سيفا مسلطا على السياسيين والمفكرين والمؤرخين والحقوقيين والقضاة، وعلى كل من ظن يوما أن “العالم الحر” فيه فعلا حرية فكر وحرية تعبير حقيقية. فهذه القضية تحتاج إلى تفكيك دعاواها، وكشف حقيقتها، وبيان أسبابها، وما فيها من حقيقة وتزييف، وتهويل وتوظيف. وبصفة خاصة استعمالها في محاربة الأفكار والآراء والمواقف الحرة المنصفة.
- في المغرب الآن، ومنذ عشرات السنين، يجري تزييف تاريخ يهود المغرب، وتلميعُه وطمس فضائحه الخيانية، وتحويلها إلى أمجاد، على أساس أن يهود المغرب هم أصحاب السبق والفضل في تاريخ المغرب ومنجزاته الحضارية، بينما هم في الحقيقة يعتبرون أنفسهم بعثة إسرائيلية مدسوسة، تقوم بخدمة “مملكة سليمان”.
تزييف تاريخ يهود المغرب، الذي هو تزييف لتاريخ المغرب، يجري اليوم تحت سمعنا وبصرنا وفي جامعاتنا، وعلى أيدي أساتذة وطلبة باحثين مغاربة، وبمنحٍ وتمويلاتٍ صهيونية مسمومة، مباشِرة أو غير مباشِرة.. وبعض أساتذة التاريخ وعلم الاجتماع والأدب، أصبحوا متخصصين في خدمة “يهود المغرب”، والإشراف على البحوث التي تضخم وتمجد “المكون العبري”، كما يسمونه. وبعضهم أصبحوا سماسرة في جلب المنح والتمويلات البحثية. فمن الأساتذة والطلبة من يسيل لعابهم لتلك التمويلات البحثية، فيقبلون عليها، ويسيرون في خطها ومخططها. ومنهم من يشمئزون منها ويرفضونها.
وقد قطع هذا التزييف “الأكاديمي/ الأكاذيبي” أشواطا بعيدة.. ولا مَن يتصدى له – من أهل التخصص- بالتفنيد العلمي، ليبطل سحره، ويقلب السحر على صاحبه..
ولا شك أن مواجهة ما جرى ويجري من صناعة مزيفة لتاريخ وطني مجيد ليهود المغرب، تحتاج إلى جهود وإمكانات كبيرة. ولكنها اليوم أيسر وأجدى منها في أي زمن لاحق.
فلنبدأ قبل فوات الأوان، وستظهر هشاشة تلك التزييفات التي نسجوها.. وبمجرد الشروع في فضحها وتفنيدها، سيظهر أنها أوهى من بيت العنكبوت. ولكن إذا طال عليها الأمد، ومضت الأجيال التي كانت شاهدة على الوقائع، أو حديثة عهد بها، فسيصبح التزييف هو عين الحقيقة.
ومما يمكن البدء به سريعا: إعداد بحوث ببليوغرافية تعريفية، عن الرسائل والأطروحات والمذكرات البحثية، المنجزة في الجامعات المغربية حول يهود المغرب، بأسماء الباحثين والمشرفين عليها، وغير ذلك من المعلومات حولها.. ثم تناول مضامينها بالفحص والدراسة..
- ثالثا: مناشدة أخيرة
بقيت عندي مناشدة خاصة لمن يتقنون اللغات الأجنبية: كالعبرية، والإنجليزية، والإسبانية، والفرنسية؛ بأن يستثمروا هذه اللغات في الخدمة العلمية للقضية الفلسطينية، وأن يكتبوا بها، ويترجموا إليها، وأن ينشروا كتاباتهم وترجماتهم حيث يقرأها أهل تلك اللغات ومستعملوها. ونحن حين نقتصر على استعمال اللغة العربية، ونقصر في استعمال اللغات الأخرى، فكأننا نتحدث في بيوتنا مع بعض أهلنا.
[1] وتقع في ثمانية مجلدات ضخمة. وهده الموسوعة نفسها تحتاج إلى جهود تعريفية بها وبقيمتها، عبر دراسات وندوات ومقالات حولها.





