من نفي دور المافيات إلى الاعتراف بنشاطها.. كيف غيّرت أزمة سبتة الرواية الإسبانية بشأن شبكات تهريب المهاجرين؟
أعادت التطورات المرتبطة بأزمة الهجرة التي شهدتها مدينة سبتة إلى الواجهة ملف شبكات تهريب المهاجرين، بعدما بدأت السلطات الإسبانية وأجهزة الأمن تتحدث بشكل أكثر وضوحا عن نشاط منظم لنقل مهاجرين من شمال إفريقيا نحو الأراضي الإسبانية، في تحول لافت في الخطاب الذي رافق بداية الأزمة، حين انصب جزء كبير من التفسيرات الرسمية والسياسية والإعلامية على عوامل أخرى، بينما ظل دور شبكات التهريب محل نفي أو تقليل من شأنه.
وفي أحدث المعطيات، نشرت صحف إسبانية تقارير تحدثت فيها عن استفادة شبكات تهريب المهاجرين من الوضع الذي أعقب موجة الوصول الكبيرة إلى سبتة، مشيرة إلى أن هذه الشبكات لم تتوقف عن نشاطها، بل قامت بتكييف أساليبها لتقديم خدمات جديدة للمهاجرين، من بينها نقلهم مباشرة من السواحل الشمالية لإفريقيا إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، بعيدا عن نقاط المراقبة الحدودية التقليدية.
وتستند التقارير إلى معطيات منسوبة إلى الحرس المدني الإسباني، وإلى تصريحات لجمعية الحرس المدني الموحد (AUGC)، التي قالت إن الأجهزة الأمنية رصدت عمليات تستخدم فيها قوارب للوصول بالمهاجرين إلى السواحل الإسبانية، بما في ذلك منطقة خليج جبل طارق، مع توقيف أشخاص يشتبه في ارتباطهم بهذه الأنشطة.
ويكشف هذا التحول، عن انتقال لافت في التعامل الإسباني مع فرضية دور شبكات التهريب في الأزمة، فبعدما كان النقاش في بدايات موجة الهجرة إلى سبتة يدور بدرجة كبيرة حول العوامل السياسية والاجتماعية ونظرية “المؤامرة”، باتت السلطات الإسبانية نفسها تتحدث عن مافيات تستغل المهاجرين وتعرض عليهم طرقا غير قانونية للوصول إلى الأراضي الإسبانية.
ولا يتعلق الأمر، بحسب التقارير الإسبانية، بمجرد عمليات فردية أو محاولات عشوائية لعبور المضيق، إذ تتحدث التحقيقات الأمنية عن خدمات منظمة لها أسعار محددة ومسارات معروفة، وهو ما يعزز فرضية وجود نشاط إجرامي يستفيد ماليا من رغبة المهاجرين في الوصول إلى أوروبا.
وتقدر السلطات الإسبانية، وفق ما نقلته صحف إسبانية، كلفة نقل المهاجر الواحد بواسطة القوارب السريعة أو ما يعرف في إسبانيا بـ”الناركو لانشاس” بما بين 6 آلاف و10 آلاف يورو، حيث تشير التقارير إلى أن هذه الأسعار لم تعرف تغيرا كبيرا منذ يناير، رغم التحولات التي شهدها ملف الهجرة خلال الأشهر الأخيرة.
وتتحدث التحقيقات الأمنية الإسبانية، عن مسار آخر أكثر كلفة، يتمثل في تنظيم عمليات نقل المهاجرين من سبتة نحو إسبانيا ومن ثمة نحو بلدان أوروبية أخرى، حيث يمكن أن تصل التكلفة إلى ما بين 20 ألفا و25 ألف يورو للشخص الواحد.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الهجرة غير النظامية لم تعد بالنسبة إلى شبكات الجريمة المنظمة مجرد عملية تهريب عبر الحدود، وإنما تحولت إلى سوق مربحة تقوم على بيع مسارات متعددة للوصول إلى أوروبا، بأسعار تتغير بحسب مستوى المخاطر والوجهة والخدمات المقدمة للمهاجرين.
جدير بالذكر أنه في خضم أزمة الهجرة الجماعية نحو سبتة، استغلت بعض الأصوات السياسية، خصوصا في أوساط اليمين الإسباني المتشدد، موجة الوصول الجماعي إلى سبتة لتقديم الأزمة باعتبارها دليلا على ما وصفته بقدرة المغرب على استخدام ملف الهجرة للضغط على إسبانيا.
وذهبت بعض الخطابات السياسية والإعلامية إلى الربط بين توقيت الأزمة وبين مواقف أو خطوات اتخذتها حكومة بيدرو سانشيز، بما في ذلك تحركاته الدبلوماسية تجاه الجزائر وزياراته ومواقفه في المنطقة، في محاولة لتكريس فرضية مفادها أن الرباط أرادت، بشكل مباشر أو غير مباشر، معاقبة مدريد أو ممارسة الضغط عليها عبر ورقة الهجرة.
كما استخدمت هذه القراءة للطعن في صورة المغرب كشريك أمني في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية، وتحميله مسؤولية سياسية مباشرة عن موجة الهجرة التي شهدتها المدينة، إلا أن عودة شبكات تهريب المهاجرين إلى صدارة التقارير الأمنية والإعلامية الإسبانية تجعل هذه الرواية أمام اختبار جديد .
المصدر: الصحيفة





