“4+4” توقع بالأحرف الأولى.. هل تبدأ الانتخابات أم معركة الشرعية بليبيا؟

إيطاليا تلغراف متابعة

طرابلس- لم يكن توقيع أعضاء لجنة الحوار المصغرة “4+4” بالأحرف الأولى على مسودة اتفاق بشأن القوانين الانتخابية ومجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات نهاية لمسار الخلاف، بقدر ما كان انتقالا به إلى مرحلة أكثر تعقيدا: كيف يتحول تفاهم سياسي أُنجز في تونس إلى التزام قانوني ومؤسسي قادر فعلا على قيادة ليبيا نحو الانتخابات؟

ففي 20 أغسطس/آب الجاري، وقّع أعضاء اللجنة بالأحرف الأولى على المسودة النهائية، على أن يجتمعوا مجددا داخل ليبيا قبل نهاية الشهر لاستكمال ترتيبات التنفيذ والإعلان الرسمي عن الاتفاق.

لكن التوقيع بالأحرف الأولى لا يعني في حد ذاته دخول الاتفاق حيز النفاذ، وهو ما يضع المسار الجديد أمام سؤالين متلازمين: من يملك صلاحية اعتماد مخرجات اللجنة؟ وهل تستطيع المؤسسات الليبية التي عجزت طويلا عن حسم الخلافات الانتخابية أن توفر الغطاء القانوني لما تم التوصل إليه؟

وكانت لجنة “4+4” قد شُكلت في أبريل/نيسان الماضي، لتكون آلية مصغرة تعمل على معالجة ملف الانتخابات برعاية أممية، بعدما عجز مجلسا النواب والدولة عن إجرائها.

تفاهم لا يزال في انتظار التنفيذ

يقول المتحدث باسم بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا محمد الأسعدي للجزيرة نت إن توقيع وفدي الاجتماع المصغر “4+4” بالأحرف الأولى يمثل “خطوة مهمة” واختتاما للمفاوضات بشأن جميع النقاط محل البحث.

وأضاف أن وثيقة الاتفاق ستُنشر للرأي العام عقب التوقيع النهائي عليها، مؤكدا إتاحتها للاطلاع العام، وداعيا إلى تحري الدقة والاعتماد على المصادر الرسمية في تناول بنودها ومخرجاتها.

وتأتي الخطوة بعد سلسلة اجتماعات رعتها البعثة الأممية في تونس، وركزت على عقدتين ظلتا من أبرز عوائق المسار الانتخابي، هما الإطار القانوني للانتخابات وإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية.

ويرى المحلل السياسي وخبير العلاقات الدولية إلياس الباروني أن ما حدث يمثل تقدما سياسيا “لكنه ليس بعد اتفاقا نهائيا يضمن إجراء الانتخابات”، معتبرا أن التوقيع بالأحرف الأولى يعني التوصل إلى تفاهم على نص المسودة، لا تحولها تلقائيا إلى اتفاق نافذ وملزم.

ويضيف للجزيرة نت أن المسار انتقل بذلك من إدارة الخلاف بشأن القوانين والمفوضية إلى سؤال أكثر حساسية: من يملك السلطة والمؤسسات القادرة على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه والوصول بالبلاد إلى الانتخابات؟

اختبار المشروعية

من الناحية القانونية، يضع التوقيع اللجنة أمام فجوة محتملة بين الأطراف التي تفاوضت والمؤسسات التي تملك صلاحية إصدار القوانين والقرارات اللازمة للتنفيذ.

ويقول الخبير القانوني المهدي كشبور للجزيرة نت إن التوقيع بالأحرف الأولى “يمثل خطوة سياسية لها أهميتها في تسريح حالة الانسداد، لكنه ليس خطوة حاسمة، ولا يعني أن الاتفاق أصبح نافذا أو ملزما لجميع مؤسسات الدولة”.

ويضيف أن الحجية القانونية للمخرجات ترتبط بطبيعة الاتفاق وصفة الموقعين ومدى التفويض الممنوح لهم، فضلا عن الإجراءات الدستورية والقانونية اللازمة لاعتماد كل بند.

وبحسب كشبور، فإن أي تفاهم يتضمن تعديلا للقوانين الانتخابية أو تغييرا في اختصاصات المؤسسات لا يمكن أن يستند إلى التوافق السياسي وحده، بل يحتاج إلى استكمال الإجراءات من الجهات صاحبة الاختصاص.

ويحذر من أن أخطر ما قد يواجه الاتفاق هو “الفجوة بين الجهة التي تفاوضت ووقعت، والمؤسسات التي تملك قانونا سلطة إصدار التشريعات والقرارات اللازمة لتنفيذه”، بما قد يفتح الباب أمام الطعن في أي إجراءات تصدر خارج الاختصاصات المقررة.

تحفظات من المؤسسات

وتتقاطع هذه القراءة مع التحفظات التي ظهرت في مواقف مؤسسات ليبية، رغم الترحيب بأي خطوة تقرّب موعد الانتخابات.

فالمجلس الأعلى للدولة شدد على أن أي تفاهمات سياسية ينبغي أن تستند إلى المرجعيات القانونية النافذة وتحترم اختصاصات المؤسسات، وألا تتحول الآليات التيسيرية أو التشاورية إلى بديل عن الجهات صاحبة الاختصاص.

وقال عضو المجلس الأعلى للدولة نوح المالطي -في تصريح خاص للجزيرة نت- إن المجلس لم يتسلم حتى الآن نسخة رسمية من الاتفاق الذي جرى التوصل إليه، مؤكدا أن الاتفاق لم يُعرض على المجلس رسميا.

وأوضح المالطي أن ما يُتداول بشأن الاتفاق يشير إلى إجراء تغييرات في القوانين الانتخابية، معتبرا أن هذه التغييرات لا تحظى بتوافق داخل المجلس.

وأضاف أن الأعضاء الذين شاركوا في التوصل إلى الاتفاق لا يمثلون -وفق قوله- موقف المجلس رسميا، مشيرا إلى أن المجلس لم يطلع على نقاط الخلاف التي جرى الاتفاق بشأنها أو تلك التي لم تحظ بالقبول. وأكد أن المجلس سيحدد موقفه من الاتفاق بعد تسلمه نسخة رسمية والاطلاع على تفاصيله.

كما انتقد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي الغموض الذي أحاط ببعض الترتيبات، مؤكدا أن نجاح أي توافق يرتبط بوضوح سنده واختصاصاته وقابليته للتنفيذ، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمؤسسات سيادية مثل مفوضية الانتخابات.

أما عضو لجنة المالية بمجلس النواب خليفة الدغاري، فيقول للجزيرة نت إن أعضاء المجلس لم يشاركوا في اختيار ممثليهم ضمن لجنة “4+4″، مشيرا إلى أنهم لا يعلمون إن كان اختيار هؤلاء الأعضاء جاء من جانب البعثة الأممية أم بتوجيه من رئيس مجلس النواب عقيلة صالح.

ويوضح الدغاري أن أعضاء مجلس النواب تابعوا تفاصيل اجتماعات اللجنة ومجريات محادثاتها عبر وسائل الإعلام والبيانات الرسمية، من دون أن يتلقوا أي إحاطة مباشرة بشأن ما دار فيها أو مخرجاتها، مضيفا أن النواب المشاركين في اللجنة لم يطلعوا بقية أعضاء المجلس على تفاصيل المباحثات، في ظل ما وصفه بالتكتم على مجرياتها.

ويؤكد أن مجلس النواب لا يستطيع -بالتالي- تحديد موقفه من الاتفاق قبل الاطلاع رسميا على نصه ومخرجاته، مشددا على أن الإعلان الدستوري يمثل المرجعية التي سيحتكم إليها المجلس في التعامل مع أي ترتيبات جديدة. ويضيف أن النواب سيناقشون الاتفاق وما قد يترتب عليه من إجراءات إذا عُرض عليهم رسميا.

ويكشف هذا الموقف إحدى عقد التنفيذ المحتملة: اتفاق سياسي توصلت إليه لجنة مصغرة، مقابل مؤسسات تشريعية لا يزال مطلوبا منها تحديد موقفها ومدى استعدادها لتحويل مخرجاته إلى إجراءات نافذة.

من الانتخابات إلى الحكومة؟

لكن العقدة القانونية ليست الوحيدة، فحتى إذا نجح الفرقاء في تجاوزها، تبرز معركة أخرى تتعلق بالسلطة التنفيذية التي ستقود البلاد إلى الانتخابات.

ويرى الخبير الباروني أن الاتفاق حل جزءا من الخلاف، لكنه قد ينقل الأزمة من سؤال: كيف تجرى الانتخابات؟ إلى سؤال أكثر تعقيدا: من يحكم ليبيا إلى حين إجرائها؟

ويضيف أن تشكيل حكومة موحدة قد يصبح الاختبار السياسي الأصعب، لأن الحكومة التي ستدير المرحلة الانتقالية تمتلك أدوات الإدارة والإنفاق والموارد، وتتحرك في بيئة أمنية وسياسية شديدة الحساسية.

لذلك، فإن التوقيع بالأحرف الأولى قد يفتح الباب فنيا أمام الانتخابات، لكنه لا يحسم بعد الصراع حول السلطة التي ستشرف على الطريق إليها.

وبينما رحبت البعثة الأممية والولايات المتحدة بالتقدم المحرز باعتباره خطوة نحو مسار انتخابي، تكشف ردود الفعل الليبية أن الاتفاق لم يخرج بعد من اختبار المؤسسات والاختصاصات.

فالاختراق الحقيقي لن يقاس بلحظة التوقيع في تونس، بل بما سيحدث بعدها: نشر الاتفاق، وتحديد آلية اعتماده، ومنحه الغطاء القانوني، وإعادة ترتيب المؤسسات المعنية، ثم الاتفاق على سلطة تنفيذية قادرة على قيادة البلاد إلى صناديق الاقتراع.

عندها فقط سيتضح إن كانت “4+4”  قد فتحت بالفعل طريقا جديدا نحو الانتخابات، أم أنها نقلت الخلاف الليبي من القوانين والمفوضية إلى محطة أكثر صعوبة: من يملك تحويل التفاهم السياسي إلى التزام قانوني، ومن يضمن ألا تصبح المرحلة الانتقالية الجديدة امتدادا للمرحلة التي سبقتها؟

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...