المقاطعة والانتخابات بالمغرب: سؤال الجدوى قبل سؤال المشاركة قراءة نقدية في موقف جماعة العدل والإحسان

 

 

 

 

 

 

ذ.سليمان الزوير
باحث في الشأن الاجتماعي والسياسي/ المغرب

 

         في معنى المقاطعة كما تقدمها جماعة العدل والإحسان، وفي السؤال الذي يتجاوز المشاركة إلى جدوى الانتخابات نفسها.     

         مع اقتراب الانتخابات التشريعية المغربية المقررة في 23 شتنبر 2026، يعود النقاش حول الانتخابات إلى واجهة المشهد السياسي، وتعود معه، بالضرورة، قضية جماعة العدل والإحسان وموقفها من الانتخابات. فبينما تستعد الأحزاب لخوض الاستحقاقات، اختارت الجماعة، كما دأبت، أن تظل خارج العملية الانتخابية.

         غير أن اختزال موقفها في خيار المقاطعة يبدو، أقل من أن يحيط بمضمون الموقف السياسي الذي راكمته الجماعة عبر عقود؛ فهي لا تكتفي برفض المشاركة في الانتخابات، ولا تقدم المقاطعة باعتبارها عقيدة سياسية مغلقة،  بل تضع المسألة في سياق أوسع بكثير، تشير إليه أسئلتها: ما وظيفة الانتخابات؟ ماذا ينتج عنها؟ ومن يملك السلطة الفعلية بعد أن تنتهي عملية الاقتراع؟

وهنا تحديداً يبدأ النقاش الحقيقي: ليست المشكلة عند الجماعة في الانتخابات من حيث المبدأ.

         قد يبدو لأول وهلة أن جماعة العدل والإحسان تقع في تناقض: كيف يمكن لتنظيم يقاطع الانتخابات أن يتحدث في الوقت نفسه عن الديمقراطية والتداول على السلطة والمؤسسات المنتخبة؟

         لكن هذا التناقض يختفي تماما عندما نقرأ الموقف في سياقه العام، فالجماعة تميز بين الانتخابات باعتبارها آلية ديمقراطية وبين الانتخابات كما تجري داخل بنية سياسية محددة.

         وفي وثيقتها السياسية الصادرة سنة 2024، تقدم الجماعة تصوراً لدولة تقوم على القانون والمؤسسات، والفصل، والتوازن، والتعاون بين السلطات، والتداول السلمي على السلطة من خلال انتخابات حرة ونزيهة وفعالة، مع إخضاع المسؤولين للمساءلة والمحاسبة.

         وهذا يعني أن الاعتراض ليس من حيث المبدأ، على أن يختار المواطنون ممثليهم؛ بل يقع على الانتخابات حين لا يكون لصندوق الاقتراع الأثر السياسي الذي يفترض أن يكون له في النظام الديمقراطي.

         ربما يكون أهم ما في خطاب الجماعة أنها تحاول نقل النقاش من السؤال التقليدي: من سيفوز؟ إلى سؤال آخر أكثر جذرية: ماذا يستطيع الفائز أن يفعل؟

         في نقاش حول جدوى المقاطعة سنة 2021، اعتبر القيادي في الدائرة السياسية للجماعة الأستاذ عمر إحرشان أن المشاركة والمقاطعة ليستا غايتين في حد ذاتهما، وإنما وسيلتين، وأن الجماعة ستشارك في الانتخابات إذا توفرت شروط تجعل الانتخابات وسيلة فعلية للوصول إلى الحكم والتداول عليه. وقد حدد من بين هذه الشروط تعددية سياسية حقيقية، وحق التنظيم، ونزاهة الانتخابات، ومؤسسات حاكمة، ومسؤولين منتخبين قابلين للمساءلة الشعبية.

         أما الأستاذ حسن بناجح، فقد ركز في تصريحات سابقة على أن المشكلة، في تقدير الجماعة، بنيوية، لأن الانتخابات بالمغرب لا تفضي إلى إفراز من يحكم فعلياً.

         إن الديمقراطية ليست مجرد عملية حسابية تنتهي بإعلان عدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب، بل جوهرها أن تكون هناك علاقة واضحة بين الإرادة الشعبية والسلطة السياسية، وكلما اتسعت المسافة بينهما، أصبح من حق المواطن أن يسأل عن قيمة صوته.

هل الديمقراطية هي نزاهة الاقتراع؟

         هنا تبرز إحدى أهم نقاط الاختلاف بين الجماعة وبين الخطاب الانتخابي السائد، فحتى إن افترضنا أن الانتخابات نزيهة، وسليمة من الناحية التقنية: صناديق مفتوحة، أصوات تحصى، نتائج تعلن، ومقاعد توزع.

هل يكفي ذلك؟

         إن الجماعة تنظر إلى الانتخابات باعتبارها مساراً سياسياً كاملاً، يبدأ من البيئة التي تسبق يوم الاقتراع، ويمر بشروط التنافس والحريات وتكافؤ الفرص، وينتهي بموقع المؤسسات المنتخبة في صناعة القرار.

وهذا تصور يتجاوز مفهوم نزاهة الانتخابات إلى سؤال الجدوى.

فما فائدة انتخابات نزيهة إذا كان ممثلي الشعب لا يمتلكون القدرة الكافية على تنفيذ البرامج الذي انتُخبوا على أساسها؟

وما معنى التداول إذا تغيرت الوجوه داخل المؤسسات بينما ظلت قواعد توزيع السلطة على حالها؟

إنها أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بمجرد الحديث عن سلامة الاقتراع.

دستور 2011 في قلب الخلاف

         كان دستور 2011، في أعقاب حراك 20 فبراير، لحظة مفصلية في النقاش حول مستقبل النظام السياسي بالمغرب؛ فقد جاء في سياق احتجاجي واسع رفع عدة مطالب تتعلق بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وطالب بإصلاحات سياسية ودستورية عميقة؛ غير أن الدستور الذي أفرزته تلك المرحلة لم يبلغ، في نظر قطاعات واسعة من المجتمع المغربي، مستوى التطلعات التي عبّر عنها الشارع المغربي، سواء فيما يتصل بتوزيع السلطة أو بحدود صلاحيات المؤسسات المنتخبة أو بضمانات التداول الفعلي على الحكم.

         لكن الإشكال الحقيقي، لا يتوقف عند حدود النص الدستوري نفسه، فحتى المقتضيات التي اعتبرت في حينها تقدما مهمّا لم يتم تنزيلها على أرض الواقع. وهكذا أصبح السؤال مزدوجاً: هل كان دستور 2011 كافياً في الأصل لتحقيق التحول الديمقراطي المنشود؟ ثم، حتى بافتراض وجود مقتضيات كان يمكن البناء عليها، إلى أي حد جرى تفعيلها وترجمتها إلى ممارسة سياسية ومؤسساتية؟

         وهنا تحديداً تلتقي هذه المسألة مع موقف جماعة العدل والإحسان، فالجماعة لا تنظر إلى الإصلاح الدستوري من حيث كونه مجرد تعديل تقني لبعض الفصول، وإنما تربطه بالسؤال الأعمق المتعلق بمصدر السلطة وكيفية توزيعها والضمانات التي تحول دون احتكارها؛ ولذلك دعت في وثيقتها السياسية إلى نظام سياسي يقوم على سيادة الإرادة الشعبية، وعلى الفصل والتوازن بين السلطات، واستقلال القضاء، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان التداول السلمي على السلطة.

         إن العلاقة بين الدستور والانتخابات –وفق تصور الجماعة- هي علاقة عضوية مباشرة، فإذا كانت الانتخابات هي الآلية التي يفترض أن تترجم الإرادة الشعبية إلى مؤسسات وسلطة، فإن قيمتها الديمقراطية لا تتحدد فقط بنزاهة عملية التصويت، وإنما أيضاً بمدى امتلاك المؤسسات المنبثقة عنها القدرة الفعلية على ممارسة اختصاصاتها، وبمدى تأثير نتائج الاقتراع في صناعة القرار السياسي.

         وبهذا المعنى، فإن المشكلة ليست في مبدأ الانتخابات، ولا في فكرة المؤسسات المنتخبة، وإنما في محدودية ما تستطيع هذه المؤسسات، في ظل البنية السياسية القائمة، أن تنتجه من تغيير فعلي في موازين السلطة. وبذلك يصبح موضوع المشاركة أو المقاطعة جزء لا ينفصل عن الموضوع الأهم وهو جدوى الممارسة: هل تمتلك الانتخابات، في صورتها الحالية، القدرة على إنتاج التداول الحقيقي على السلطة الذي يجعل من صوت المواطن مصدراً فعلياً للقرار؟

المقاطعة ليست انسحاباً من السياسة

         من الانتقادات المتكررة التي توجه إلى الجماعة هو أن مقاطعة الانتخابات تعني الانسحاب من الحياة السياسية.

         ففي العديد من الخرجات الصحفية لقياديي الجماعة، يؤكدون فيها بشكل واضح على أن المقاطعة ليست مرادفاً للعزلة السياسية، وإنما خيار من خيارات الفعل السياسي. وقد شدّد الأستاذ عمر إحرشان في نقاش سابق على أن المقاطعة والمشاركة مجرد وسائل، وأن الجماعة تعتبر حضورها في المجتمع وممارسة الشأن العام جزءاً من نشاطها السياسي، لا سيما من خلال المشاركة في  النقاش العمومي والإسهام في التأطير، والدفاع عن قضايا المجتمع.

         يمكن أن يختلف المرء مع فعالية المقاطعة، لكن ذلك شيء، والقول إنها تعني بالضرورة التخلي عن السياسة شيء آخر؛ فالعملية السياسية في نظر الجماعة أوسع من البرلمان والحكومة، وإن كان البرلمان والحكومة يمثلان بلا شك إحدى أهم ساحاتها. وهناك العديد من المحللين والمتابعين يعتبرون أن خيار المقاطعة يحتاج بدوره إلى مساءلة، حيث أنها قد تطرح مشكلة حقيقية:

إذا كان الهدف هو تغيير موازين القوى، فهل يمكن تحقيق ذلك من خارج المؤسسات الانتخابية؟

وإذا كانت الجماعة تمتلك كفاءات ورؤية سياسية ومشروعاً لإدارة الدولة، ألا يكون دخولها المؤسسات، ولو تدريجياً، وسيلة لاختبار مشروعها أمام المجتمع؟

         هذا السؤال ليس بالبساطة التي يبدو عليها، بل ربما يكون أقوى سؤال يواجه خيار المقاطعة. فالانتخابات ليست فقط آلية تمنح الشرعية للسلطة؛ بل إنها أيضاً مجال لاختبار البرامج والكفاءات، وتحويل الأفكار إلى سياسات عمومية، وتحمل المسؤولية أمام المواطنين. ومن هذه الزاوية، فإن المقاطعة لها كلفة سياسية لا يمكن تجاهلها؛ لكن الكلفة لا تعني بالضرورة أن الخيار خاطئ.

فالسؤال المقابل هو: هل المشاركة، في ظل الشروط التي تنتقدها الجماعة، تنتج أثراً أكبر من كلفتها؟

وهنا يعود النقاش إلى نقطة البداية.

تجربة العدالة والتنمية لا تحسم الجدل

         يصعب تناول هذا الموضوع من دون التوقف عند تجربة حزب العدالة والتنمية بوصفه حزبا إسلاميا، فالحزب اختار المشاركة في المؤسسات، ووصل إلى قيادة الحكومة، بينما اختارت العدل والإحسان الاستمرار خارج العملية الانتخابية، ومن الطبيعي أن تصبح التجربة مادة للمقارنة.

         لكن الجماعة نفسها تحاول ألا تجعل من تجربة العدالة والتنمية دليلاً آلياً على صحة موقفها؛ وفي تصريحات قياداتها، هناك إشارات واضحة على أن كل تجربة ينبغي أن تقرأ في سياقها، وإن المشكلة الأساسية تتعلق بالشروط التي يشتغل داخلها الفاعل السياسي.

         وهذا أكثر إنصافاً من تحويل التجربة إلى دليل حاسم على صواب المشاركة أو خطئها؛ فنجاح حزب أو فشله لا يكفي وحده للحكم على جدوى المشاركة السياسية، ما لم يُنظر إلى التجربة في سياقها السياسي والمؤسساتي الذي جرت داخله.

ولعل الأسئلة الجوهرية كما تتبدّى في هذا النقاش، يمكنها صياغتها كالآتي: ما مقدار السلطة التي يمتلكها الفائز في الانتخابات؟ ومن يملك القرار ضمن دائرة السلطة الفعلية في المغرب؟

ربما تكون هذا السؤال هو الأكثر اختصاراً للموقف كله: من يملك القرار؟

         إذا كانت الانتخابات تغير فعلياً من يملك القرار، يصبح التصويت ممارسة سياسية حاسمة، أما إذا كانت الانتخابات تغير فقط جزءاً من النخبة التي تدير مؤسسات محددة، بينما تبقى القرارات الاستراتيجية خارج المجال الانتخابي، فإن وظيفتها حينئذ تصبح محل سؤال؛ ولا يتعلق الأمر هنا بالعدل والإحسان وحدها.

إنه سؤال نظري وسياسي يواجه كل نظام يريد أن يصف نفسه بكونه ديمقراطيا: ما حجم السلطة التي يملكها المواطن من خلال صوته؟

هل المقاطعة موقف دائم؟

         هذه نقطة أخرى كثيراً ما تضيع في النقاش، فالجماعة لا تقدم المقاطعة باعتبارها مبدأ ثابتاً لا يقبل التغيير، فقد سبق أن أكدت في العديد من المحطات أن المقاطعة ليست عقيدة ثابتة ولا موقفاً مبدئياً غير قابل للمراجعة، وأنها يمكن أن تعيد النظر فيها متى تغيرت الشروط السياسية التي أسست عليه هذا الخيار.

         وفي السياق نفسه، جاءت تصريحات صادرة عن الجماعة بالتزامن مع الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، لتؤكد استمرار موقفها الرافض للمشاركة، مع التشديد على أن اعتراضها لا ينصب على مبدأ الانتخابات في حد ذاته، وإنما على طبيعة العملية الانتخابية ووظيفتها السياسية في ظل الشروط القائمة. وفي هذا الإطار، صرّح الأستاذ حسن بناجح، في أبريل 2026، بأن دعم حزب بعينه في الانتخابات غير وارد بالنسبة إلى الجماعة، رابطاً ذلك بموقفها من العملية الانتخابية برمتها. كما واصلت الجماعة، في خطابها السياسي خلال الفترة الأخيرة، مناقشة الأسئلة المرتبطة بجدوى المقاطعة ومآلاتها، مؤكدة أن هذا الخيار لا ينبغي أن يُفهم بمعزل عن تصورها العام للإصلاح والتغيير، ولا أن يُختزل في مجرد الامتناع عن التصويت.

         إن المقاطعة، وفق هذا التصور، ليست تقليداً سياسياً تكرره الجماعة لأنها اعتادته، وإنما هو موقف اجتهادي مشروط بقراءة للواقع السياسي وتقدير لجدوى المشاركة في ظل شروطها القائمة؛ فإذا تغيرت هذه الشروط، فإن منطق هذا التصور نفسه يقتضي إعادة النظر في الموقف. 

انتخابات 2026 تعيد السؤال نفسه

         اليوم، وقد حُدد موعد الانتخابات التشريعية في 23 شتنبر 2026، تدخل البلاد مرحلة انتخابية جديدة. وقد بدأت السلطات بالفعل اتخاذ الترتيبات الرسمية للاستحقاقات، كما عقدت وزارة الداخلية اجتماعات مع قادة الأحزاب بشأن التدابير التنظيمية والعملية للانتخابات. لكن الذي لم يتغير، هو السؤال الذي تطرحه الجماعة منذ سنوات: هل نحن أمام انتخابات تغير فعلاً من يملك السلطة، أم أمام انتخابات تغير أساساً تركيبة المؤسسات المنتخبة؟

         وهذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً كلما اتسعت الفجوة بين المواطن والسياسة، فحين يشعر المواطن أن صوته لا يستطيع تغيير السياسات التي تمس حياته، لا تكون المشكلة في المواطن وحده، ولا في عزوفه المبرر، فقد تطال أيضا قدرة النظام السياسي على إقناع مواطنيه بأن أصواتهم مؤثرة، وهنا لا ينبغي أن تكون المقاطعة مريحة لأحد.

         إذا كان موقف الجماعة يطرح سؤالاً مشروعاً حول جدوى الانتخابات، فإن المقاطعة نفسها يجب أن تبقى موضع مساءلة، فالمقاطعة ليست نجاحاً في ذاتها، ولا تصبح كذلك لمجرد أن نسبة المشاركة انخفضت، كما أن المشاركة ليست نجاحاً لمجرد ارتفاع عدد المصوتين.

المعيار الحقيقي هو: هل يتقدم المجتمع نحو نظام سياسي تصبح فيه الإرادة الشعبية أكثر تأثيراً في القرار؟

فإذا كانت المشاركة تؤدي إلى ذلك، فإنها حينئذ تكون هي الخيار الأكثر جدوى.

وإذا كانت المقاطعة تستطيع، في سياق سياسي معين، أن تفتح الطريق نحو إصلاحات تجعل الانتخابات أكثر معنى ودفعا في اتجاه امتلاك السلطة وإحداث التغيير، فقد تصبح المقاطعة حينها فعلاً سياسياً محبذا ومطلوبا.

         أما إذا تحولت المشاركة والمقاطعة إلى مجرد هويتين سكونيتين، كل طرف يكرر موقفه دون مراجعة، فإن السياسة تفقد جوهرها وديناميتها، وهنا تحديداً تبدو إحدى نقاط قوة الخطاب الذي تقدمه الجماعة: إصرارها على أن المشاركة والمقاطعة وسيلتان وليستا عقيدتين.

من الانتخابات إلى الانتقال الديمقراطي

         يبدو أن جماعة العدل والإحسان، لا تقف، حسب تصورها، عند حدود الاعتراض على المشاركة الانتخابية، فوثيقتها السياسية قدمت تصورا أشمل للإصلاح: في مقدمته دستور يعبّر عن الإرادة الشعبية، وفصل حقيقي للسلط، واستقلال القضاء، وحريات سياسية ومدنية، ومؤسسات منتخبة ذات صلاحيات فعلية، وتداول سلمي على السلطة، ومحاسبة للمسؤولين، ومن ثم، لا يبدو موقف الجماعة من الانتخابات منفصلاً عن تصورها لطبيعة الإصلاح السياسي الذي تنشده؛ فالمسألة بالنسبة إليها، لا تختزل في سؤال المشاركة من عدمها، وإنما تتصل بشروط تجعل الانتخابات ذات جدوى ومعنى ومخرجات سياسية حقيقية. ولذلك يتحول السؤال من: هل ستشارك الجماعة في الانتخابات؟ إلى سؤال أعمق: ما هي الشروط السياسية والدستورية التي تجعل الانتخابات أداة فعلية للتعبير عن الإرادة الشعبية والتداول على السلطة؟

         وهذا هو التحول الذي ينبغي أن يحدث في النقاش العمومي نفسه، فبدلاً من استهلاك النقاش في سؤال ما إذا كان أعضاء الجماعة سيذهبون إلى صناديق الاقتراع أم لا، ينبغي مساءلة النظام السياسي كله حول الشروط التي تجعل المشاركة الانتخابية ذات معنى في ظل فقدان الثقة، والركود، وضعف الأحزاب السياسية.

         قد لا يكون من الضروري الاتفاق مع كل ما تقوله العدل والإحسان حتى نعترف بأن جزءاً من خطابها يضع أصبعاً على مسألة مركزية؛ فالانتخابات ليست غاية، والديمقراطية ليست فقط انتخابات، والتمثيلية ليست مجرد عدد المقاعد المحصل عليها، ذلك أن التداول على السلطة لا يتحقق بمجرد تغيير الحكومة إذا بقيت موازين السلطة الحقيقية على حالها.

         لكن في المقابل، لا يمكن أيضاً أن تصبح هذه المقدمات ذريعة لتجميد الفعل السياسي خارج المؤسسات إلى أجل غير مسمى. وهنا تقع مسؤولية الجماعة في التحيين المستمر لقراءة الواقع ومستجداته وتطوراته.

          ومن هنا، إذا كانت المقاطعة وسيلة وليست عقيدة، فعلى الجماعة أن تقدم باستمرار جواباً عن سؤال البديل العملي: كيف يمكن تفعيل المقاطعة وتطوير آلياتها لكي تكون هي بدورها فعالة وذات جدوى؟ بمعنى، كيف يتحول الاعتراض إلى قوة سياسية قادرة على تغيير موازين القوى؟ فالمجتمع يحتاج إلى بدائل ومؤسسات وقواعد جديدة وقدرة على تحويل التصور إلى واقع.

لذلك، ربما لا يكون السؤال الأكثر أهمية عشية انتخابات 2026 هو: هل ستشارك العدل والإحسان أم ستقاطع؟ فالجواب عن هذا السؤال، في ضوء مواقفها الحالية، معروف إلى حد كبير.

بل السؤال الأهم هو: متى تصبح الانتخابات في نظرها ذات جدوى؟ وما الآليات التي تقترحها لإحداث التغيير في هذه الشروط وإنضاج هذا السياق؟

         وعندما نطرح السؤال بهذه الطريقة، نجد أن موقف الجماعة ليس رفضاً للانتخابات بقدر ما هو اشتراط لمعناها، إنها تقول في جوهر تصورها: نريد انتخابات يستطيع الفائز فيها أن يحكم، ومؤسسات يستطيع المواطن أن يحاسبها، وتداولاً حقيقياً على السلطة، وتنافساً لا تكون نتائجه محسومة سلفاً بفعل بنية النظام، وقواعد سياسية تجعل صوت المواطن جزءاً من صناعة القرار لا مجرد لحظة إجرائية في مسار سياسي أوسع.

         هناك دائما -من طبيعة الحال- من يختلف مع هذه القراءة، قد يرى أن الإصلاح التدريجي من داخل المؤسسات أكثر واقعية، وأن المشاركة نفسها يمكن أن تكون وسيلة لتغيير المؤسسات من الداخل. لكن حتى هذا الاعتراض لا يلغي السؤال الأصلي: ما جدوى الانتخابات إذا لم يكن لصندوق الاقتراع أثر حقيقي في السلطة؟

         ربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد، في نهاية المطاف، ليس فقط مستقبل موقف العدل والإحسان من الانتخابات، وإنما أيضاً مقدار الثقة التي سيضعها المغاربة في الانتخابات نفسها.

فالديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد من يدخلون إلى مكاتب التصويت، وإنما بما يستطيع هؤلاء الناخبون أن يغيروه من خلال مشاركتهم هاته.

         وهنا تحديداً ينبغي أن يبدأ النقاش المجتمعي الحقيقي حول الانتخابات وجدواها، حتى لا يستمر هدر الزمن السياسي في نقاشٍ ينشغل بصندوق الاقتراع، بينما يظل السؤال الأهم بلا جواب: هل يملك صوت المواطن القدرة الفعلية على تغيير موازين السلطة وصناعة القرار؟

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...