صالح المطيري
إعلامي كويتي.
السؤال الخليجي اليوم ليس ما إذا كانت دول الخليج تؤيد العقوبات الأمريكية على إيران أو تعارضها، وإنما إلى أي مدى تستطيع هذه الدول أن تحمي مصالحها عندما تتحول العقوبات إلى سياسة أمريكية شاملة، وعندما يصبح تنفيذها مرتبطا بالنظام المالي والتجاري العالمي الذي تملك واشنطن أدوات مؤثرة فيه.
والسؤال الآخر الذي لا يقل أهمية: ما الذي تستطيع دول الخليج أن تقوله لإيران إذا حاولت طهران تحميلها كلفة الصراع مع الولايات المتحدة؟
أسمي هذه المواقف “اللاءات الخليجية”، على وزن “لاءات الخرطوم”، مع اختلاف الظروف والوقائع بين المرحلتين. والفكرة هنا ليست البحث عن موقف خليجي صدامي مع واشنطن أو طهران، وإنما محاولة تحديد مساحة القرار التي تستطيع دول الخليج أن تتحرك داخلها عندما تتعارض مصالحها المباشرة مع خيارات القوى الكبرى، أو مع حسابات الجوار الإقليمي.
بدأت دول الخليج، في سياق التصعيد مع إيران، بتحديد موقف مهم يتعلق باستخدام أراضيها وقواعدها العسكرية. فقد أكدت أنها لن تسمح باستخدام أراضيها لشن اعتداءات على إيران.
وهذا الموقف يحمل دلالة سياسية وأمنية واضحة؛ لأنه يفصل بين وجود اتفاقيات أمنية وقوات في دول الخليج، وبين استخدام هذه الأراضي في أي حرب مباشرة مع إيران. وقد حاولت طهران، في مراحل مختلفة، أن تجعل من الوجود العسكري الأمريكي في الخليج جزءا من خطابها تجاه دول المنطقة، وأن تربط بين أي تصعيد أمريكي وبين مسؤولية الدول التي تستضيف قوات أمريكية.
لكن الملف الذي سيضع المواقف الخليجية أمام اختبار أكثر تعقيدا هو ملف العقوبات.
العقوبات الأمريكية على إيران ليست تجربة جديدة، وإيران عاشت سنوات طويلة تحت العقوبات واستطاعت أن تطور شبكات اقتصادية ومالية للالتفاف على جزء منها. وفي المقابل، ظلت الشركات الأجنبية التي تتعامل مع السوق الإيرانية أمام مشكلة مختلفة.
فالحكومة الصينية، على سبيل المثال، قد تعترض سياسيا على العقوبات الأمريكية، وكذلك روسيا، لكن الشركات الصينية والروسية نفسها تحسب حساب مصالحها في الولايات المتحدة وحجم ارتباطها بالنظام المالي العالمي. ولذلك فإن الموقف السياسي للدولة لا يعني بالضرورة أن شركاتها تستطيع التصرف بحرية كاملة.
هذه النقطة تحديدا مهمة بالنسبة لدول الخليج. فحين تصدر الولايات المتحدة حزمة عقوبات جديدة، فإن التأثير لا يتوقف عند الحكومة التي تتلقى القرار. المصارف والشركات وشركات النقل والتأمين والاستثمار تدخل كلها في الحساب. وقد تجد شركة خليجية نفسها مضطرة إلى الاختيار بين التعامل مع جهة إيرانية، وبين المحافظة على علاقتها بالنظام المالي الأمريكي أو بالشركاء الأمريكيين والدوليين.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
هل تستطيع دولة خليجية أن تقول لواشنطن: “لا، لن نطبق هذه العقوبات”؟
من الناحية السياسية، تستطيع الدول أن تعلن مواقفها وأن تطالب باستثناءات وأن تفاوض على مصالحها. أما من الناحية العملية، فالمسألة أكثر تعقيدا؛ لأن الولايات المتحدة لا تحتاج دائما إلى فرض إرادتها عبر طلب مباشر من الحكومات. يكفي في بعض الحالات أن تعرف الشركات والمصارف أن مخالفة العقوبات قد تعرضها لعقوبات أمريكية أو لخسارة تعاملاتها مع السوق الأمريكية حتى تبدأ في اتخاذ قراراتها بنفسها.
وهذا يفسر كثيرا من التناقض الذي ظهر في تجارب دول أخرى مع العقوبات الإيرانية. فقد تكون الدولة سياسيا على خلاف مع واشنطن، لكن الشركات الموجودة فيها تتصرف بحذر شديد حتى لا تدفع ثمنا يفوق الأرباح المتوقعة من السوق الإيرانية.
وإذا انتقلنا إلى الخليج، فإن الصورة تصبح أكثر حساسية بسبب طبيعة الاقتصادات الخليجية وتشابكها مع الأسواق العالمية. هناك شركات خليجية كبرى لها استثمارات وعلاقات تجارية في الولايات المتحدة وآسيا وأوروبا، وهناك مصارف ومؤسسات مالية مرتبطة بشبكة واسعة من التعاملات الدولية. وبعض الاقتصادات الخليجية بنت خلال العقود الماضية علاقات تجارية متنامية مع الصين والهند وروسيا وغيرها، وهي علاقات لا يمكن فصلها عن الحسابات الأمريكية.
لذلك فإن السؤال عن العقوبات الإيرانية لا يتعلق فقط بما إذا كانت الحكومات الخليجية ستلتزم بها أو لا. السؤال يتعلق بما إذا كانت الشركات الخليجية تستطيع تحمل تبعات مخالفتها، وما إذا كانت الحكومات قادرة على حماية تلك الشركات من الضغوط الخارجية، وما إذا كان هناك أصلا مجال قانوني واقتصادي يسمح بمثل هذه المناورة.
وهنا تصبح “اللاءات الخليجية” مرتبطة بحدود القوة الاقتصادية والسياسية لكل دولة.
لكن لدى دول الخليج “لا” أخرى يمكن أن تكون أكثر أهمية، وهي “لا” التي توجهها إلى إيران.
إذا كانت طهران تريد نظاما إقليميا يقوم على التعاون الاقتصادي والأمني مع دول الجوار، فإن هذا الهدف يفترض وجود قاعدة أساسية في العلاقات بين الدول: احترام سيادة الجيران وعدم تحويل الخلافات مع الولايات المتحدة إلى تهديد للدول الخليجية. تستطيع إيران أن تطلب من دول الخليج تطوير علاقات اقتصادية معها، وأن تسعى إلى بناء ترتيبات أمنية إقليمية، وهذا أمر يمكن مناقشته سياسيا. لكنها في المقابل مطالبة بأن تقبل حق هذه الدول في بناء علاقاتها وتحالفاتها وفق مصالحها.
وهنا يظهر التناقض في بعض الخطابات الإيرانية. فالدعوة إلى التعاون الإقليمي تأتي أحيانا إلى جانب رسائل تحذير من تبعات بعض الخيارات الخليجية. وتتحول العلاقة مع دول الجوار إلى جزء من معادلة الضغط على واشنطن. فإذا اتخذت دولة خليجية موقفا لا يعجب طهران، جرى التعامل معه باعتباره جزءا من سياسة أمريكية ضد إيران، وكأن المنطقة لا تملك مصالح مستقلة عن الصراع الأمريكي الإيراني.
وهذا تحديدا ما يجب أن ترفضه دول الخليج.
دول الخليج ليست مطالبة بأن تختار بين إيران والولايات المتحدة بالمعنى الذي يريده الطرفان. مصالحها تفرض عليها التعامل مع الولايات المتحدة كشريك أمني وإستراتيجي رئيسي، كما تفرض عليها التعامل مع إيران كدولة جارة ذات وزن جغرافي وسياسي لا يمكن تجاهله. والجمع بين الأمرين يحتاج إلى سياسة دقيقة، وإلى قدرة على الفصل بين الملفات.
المشكلة تبدأ عندما تحاول إحدى القوتين إلغاء هذه المساحة.
فالولايات المتحدة قد تطلب من شركائها الالتزام بسياسة العقوبات، وإيران قد تطلب منهم في المقابل رفضها، وكل طرف سيقدم حجته السياسية والأمنية. لكن دول الخليج هي التي ستتحمل نتائج أي تصعيد يقع على أراضيها أو في محيطها. وهي التي ستتعامل مع آثار اضطراب الملاحة والطاقة والتجارة والاستثمار، وهي التي ستدفع ثمن أي توتر طويل في المنطقة.
لهذا فإن المصلحة الخليجية تقتضي أن يكون هناك موقف واضح من استخدام الأراضي الخليجية في أي حرب، وموقف واضح من استهداف دول الخليج أو منشآتها، وموقف واضح أيضا من تحويل الشركات الخليجية إلى أدوات في الصراع بين واشنطن وطهران.
أما العقوبات نفسها، فالتعامل معها يحتاج إلى حسابات دقيقة. لا تستطيع دول الخليج تجاهل النظام المالي الدولي، ولا تستطيع في الوقت نفسه أن تتعامل مع اقتصادها وكأنه تابع تلقائيا لكل قرار أمريكي. المساحة الواقعية تقع في التفاوض على الاستثناءات، وحماية المصالح الوطنية، والتأكد من أن أي التزام بالعقوبات لا يتحول إلى كلفة غير محسوبة على الشركات الخليجية.
وهذا يحتاج إلى تنسيق خليجي أكبر، لأن التعامل المنفرد مع هذه الملفات يضع كل دولة أمام ضغوط أكبر. أما الموقف الخليجي المتسق، فإنه يمنح دول المجلس مساحة تفاوضية أوسع مع الولايات المتحدة، كما يرسل إلى إيران رسالة واضحة بأن أمن الخليج ومصالحه لا يمكن التعامل معهما باعتبارهما أوراقا في المفاوضات الإيرانية الأمريكية.
وتزداد أهمية هذا الموقف عندما نضع العقوبات في سياقها التاريخي. العقوبات الاقتصادية يمكن أن تكون وسيلة ضغط، لكنها قد تتحول مع الوقت إلى حصار شامل يترك آثارا عميقة على المجتمع والدولة. والعراق قدم تجربة قاسية في هذا المجال، حيث أدى الحصار الطويل إلى آثار اقتصادية واجتماعية كبيرة، ثم جاءت الحرب لتفتح مرحلة أخرى تماما. وفنزويلا عاشت بدورها تحت عقوبات واسعة ساهمت في تعميق أزمتها الاقتصادية والسياسية، وإن كانت ظروفها مختلفة عن الحالة الإيرانية.
لذلك فإن السؤال حول العقوبات على إيران لا ينبغي أن يقتصر على مدى قدرتها على إضعاف الاقتصاد الإيراني. السؤال الأهم هو ما الذي سيحدث إذا فشلت العقوبات في تغيير السلوك الإيراني، وتحولت بدلا من ذلك إلى سبب إضافي للتصعيد؟ عندها ستجد دول الخليج نفسها أمام وضع شديد الحساسية: اقتصاد إيراني أكثر ضغطا، ورد فعل إيراني أكثر حدة، وضغوط أمريكية أكبر، ومصالح خليجية مطالبة بالتكيف مع واقع متغير.
لهذا تبدو “اللاءات الخليجية” الأربع ضرورة سياسية أكثر منها شعارا. هناك “لا” لاستخدام الأراضي الخليجية في الحرب، و”لا” لاستهداف دول الخليج، و”لا” لتحويل اقتصاداتها وشركاتها إلى ضحايا جانبية للصراع الأمريكي الإيراني، و”لا” أيضا لأي محاولة إيرانية لفرض خياراتها على دول الجوار.
وفي المقابل، هناك “نعم” واضحة للتعاون الاقتصادي، ولعلاقات حسن الجوار، ولترتيبات أمنية إقليمية تقوم على المصالح المتبادلة، ولعلاقة إستراتيجية مع الولايات المتحدة تحفظ الأمن الخليجي من دون أن تلغي استقلال القرار الخليجي.
المطلوب في النهاية ليس أن تتحول دول الخليج إلى طرف ثالث في الصراع، وإنما أن تتحول إلى طرف يملك قراره. وهذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط الحسابات الأمريكية والإيرانية: الخليج له مصالحه، وله أمنه، وله اقتصاده، وله علاقاته الدولية، ومن حقه أن يدير هذه الملفات وفق حساباته هو.
وقد تكون قيمة “اللاءات الخليجية” في أنها تقول لكل طرف، في اللحظة المناسبة: هذه حدودنا، وهذه مصالحنا، وهذا قرارنا.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





