قبل سنوات قليلة، كانت الدهون تبدو في نظر كثيرين العدو الأول للصحة والرشاقة؛ كانت تُحذف من قوائم الطعام وتُحمَّل مسؤولية زيادة الوزن وارتفاع الكوليسترول. ثم جاء الكيتو ليقلب المعادلة رأسا على عقب، ويعيد للدهون مكانتها، بل جعلها أساسا لنظام غذائي كامل.
بعد الكيتو تصدر الصيام المتقطع قوائم البحث قبل أن تنتشر الحميات النباتية باعتبارها طريقا يجمع بين الصحة والاعتبارات الأخلاقية. أما اليوم فيتزايد الحديث عن حمية الكارنيفور، التي تعتمد على اللحوم والمنتجات الحيوانية وتستبعد الأطعمة النباتية.
بين كل موجة وأخرى، يبدو الأمر وكأن “الحقيقة الغذائية” تتبدل جذريا كل سنة أو سنتين. يظهر بطل جديد يعد بالصحة والطاقة وفقدان الوزن، فيما يتراجع البطل السابق إلى الظل، أو يتحول فجأة إلى متهم. فهل يعني ظهور نظام غذائي جديد أن ما سبقه كان خاطئا من الأساس؟ أم أن المسألة تتعلق بطريقة تعاملنا نحن مع المعلومة، أكثر مما تتعلق بالغذاء نفسه؟
هل يغير العلم رأيه بهذه السرعة؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن العلم نفسه هو الذي يتقلب، وأن كل حمية جديدة تأتي لتنسف ما قبلها بالدليل والبرهان. لكن الحقيقة أدق من ذلك بكثير. فالأبحاث العلمية لا تصل عادة إلى أحكام نهائية بين ليلة وضحاها، بل تتراكم نتائجها ببطء، وتبنى الاستنتاجات على مدى سنوات، وغالبا ما تأتي مشروطة بتحفظات وحدود تجعل من الصعب اختزالها في عنوان واحد.
المشكلة ليست في أن العلم يغير رأيه كلما ظهرت حمية جديدة، وإنما في الطريق الذي تسلكه المعلومة قبل أن تصل إلى الجمهور. فبين البحث العلمي وشاشة الهاتف، تمر النتائج غالبا بعملية تبسيط شديدة، وأحيانا ينتقى جزء واحد من دراسة كبيرة لأنه يخدم رسالة معينة، ثم يعاد تقديمه في صيغة حاسمة وجذابة بعيدة عن التحفظ العلمي الذي بدأت منه.
وهكذا قد تتحول نتيجة تقول إن “هناك ارتباطا محتملا” إلى عنوان يقول إن “هذا الطعام يحميك”، وقد تصبح دراسة صغيرة أو أولية دليلا قاطعا على نجاح حمية كاملة.
ومع تكرار الرسالة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل، يختفي تدريجيا ذلك الجزء الأهم من البحث العلمي: حدود ما نعرفه، وما لا نعرفه بعد.
يؤكد تيم سبيكتور، أستاذ علم الأوبئة في كلية كينغز لندن، وكريستوفر غاردنر، أستاذ الطب في جامعة ستانفورد في مقال لهما على موقع المجلة الطبية البريطانية ( The BMJ)، أن مشكلة التغذية لا تكمن فقط في نقص الأدلة، وإنما أيضا في الميل إلى تبسيط العلوم المعقدة وتحويل نتائجها إلى توصيات عامة تتجاهل التفاصيل والسياق. ويرى الباحثان أن هذا التبسيط ساهم في إرباك الجمهور ودفعه إلى البحث عن “الخبير” أو الحمية التالية.
لماذا نفضّل الحميات ذات القواعد الواضحة؟
يميل كثيرون إلى الحميات التي تقدم قواعد واضحة وحاسمة، لأنها تحول موضوعا معقدا إلى تعليمات سهلة التطبيق: امتنع عن الكربوهيدرات، تناول اللحوم فقط، أو حدد وقتا صارما للأكل. فمثل هذه القواعد تقلل الحيرة اليومية بشأن ما نأكل وكم ومتى، وتمنح الشخص شعورا بالسيطرة والانضباط، كما توحي بوجود خطة محددة يمكن اتباعها لتحقيق نتائج سريعة.
وفي المقابل، تبدو النصائح العامة مثل “تناول غذاء متوازنا ومتنوعا” أقل إرضاء لمن يبحث عن إجابات جاهزة. لكن وضوح القاعدة لا يعني بالضرورة أنها أكثر صحة أو ملاءمة للجميع، كما أن سهولة الالتزام بها في البداية لا تضمن القدرة على الاستمرار عليها أو مناسبتها لاحتياجات الجسم على المدى الطويل.
كيف تصنع وسائل التواصل “موضة غذائية”؟
لو كانت الموضات الغذائية تنتشر فقط عبر الكتب والمجلات، لربما احتاجت سنوات حتى تصبح ظاهرة. لكن منصات التواصل اختصرت الطريق.
فيديو قصير لشخص يقول إنه خسر وزنه بعد تغيير نظامه الغذائي قد يكون أكثر تأثيرا من تقرير علمي طويل. وصورة “قبل وبعد” تمنح المشاهد نتيجة بصرية مباشرة، بينما تحتاج الدراسات العلمية إلى وقت طويل للتصميم والتحليل والمراجعة.
وهنا تظهر مشكلة أخرى: التجربة الشخصية ليست دليلا علميا على أن النظام نفسه سيعطي النتيجة ذاتها للجميع، كما أن خوارزميات المنصات يمكن أن تجعل المستخدم يعيش داخل دائرة معلوماتية مغلقة.
فإذا بدأ بمشاهدة محتوى عن الكيتو، ثم تكرر أمامه المحتوى نفسه، قد يشعر بأن الجميع يتحدث عن الكيتو وأن نجاحه أمر محسوم. والشيء ذاته يمكن أن يحدث مع أي نظام آخر.
صناعة عالمية تبحث دائما عن الجديد
هناك أيضا جانب اقتصادي يصعب تجاهله؛ فالتغذية والعافية أصبحتا صناعة عالمية ضخمة ومليارية شديدة التنافس لا تقتصر على بيع الأغذية، بل تمتد إلى المكملات والمنتجات الرياضية والطبية، والتطبيقات والبرامج والخدمات المرتبطة بالصحة ونمط الحياة.
وفي سوق بهذا الحجم تحتاج الشركات باستمرار إلى التجديد وطرح منتجات وأفكار جديدة لجذب المستهلكين وفتح أسواق إضافية. لذلك، فإن ظهور حمية جديدة قد يتحول إلى فرصة تجارية تتجاوز تغيير ما يوضع على طبق الطعام.
فكل اتجاه غذائي يمكن أن يخلق حوله مجموعة من المنتجات والخدمات التي تحمل هويته: أطعمة ومشروبات مخصصة، مكملات غذائية، منتجات رياضية، تطبيقات لتتبع النظام، وكتب وبرامج تدريبية.
ومع اتساع الاهتمام بالحمية، تتوسع السوق المحيطة بها، ويصبح الاتجاه الغذائي جزءا من صناعة أكبر تستفيد من رغبة المستهلك الدائمة في تجربة الجديد.
ربما حان وقت التخلي عن فكرة “أفضل نظام”
ربما لا تكون المشكلة في تجربة نظام غذائي جديد من حيث المبدأ؛ فبعض الأنظمة قد تناسب فئات معينة، وقد تساعد بعض الأشخاص على تنظيم تناولهم للطعام أو فقدان الوزن، خصوصا عندما تتبع بطريقة متوازنة وتحت إشراف متخصص.
لكن تبدأ المشكلة عندما يتحول النظام إلى عقيدة، ويصبح نجاح شخص واحد دليلا على صلاحيته للجميع، أو عندما يصنف طعام كامل على أنه “سم” وآخر على أنه “دواء”. فالغذاء لا يعمل بمعزل عن بقية نمط الحياة؛ إذ تتداخل النتيجة مع كمية الطعام، والنشاط البدني، والنوم، والعمر، والحالة الصحية، والأهم هو القدرة على الالتزام بالنظام على المدى الطويل.
بعد سنوات من البحث عن “الطعام الخارق” والحمية المثالية، ربما تكون الإجابة الأقل إثارة هي الأكثر فائدة: لا يوجد نظام غذائي واحد يصلح للجميع.
وقبل أن ننتقل من حمية إلى أخرى وبدلا من أن نسأل أنفسنا “ما الحمية الرائجة الآن؟”، ربما علينا أن نطرح السؤال الأهم: “هل تناسبني؟ وهل أستطيع الاستمرار عليها؟ وهل تستند فوائدها إلى أدلة موثوقة؟”.
ربما لهذا السبب لا تختفي موضة الحمية، حتى عندما تتغير أسماؤها. فالسوق يتغير، والمنصات تتغير، وحتى الأدلة العلمية تتطور، لكن رغبتنا في العثور على إجابة بسيطة لسؤال معقد تبقى كما هي.
وفي كل مرة يظهر “بطل” غذائي جديد، لا نحتاج بالضرورة إلى قبوله أو رفضه بالكامل؛ ربما يكفي أن نتوقف لحظة ونسأل السؤال الأقل إثارة والأكثر أهمية: ماذا تقول الأدلة فعلا، وهل هذا النظام مناسب لي وقابل للاستمرار؟
المصدر: الجزيرة






