أثنار يحاول العودة إلى الواجهة السياسية عبر بوابة سبتة: زار المدينة للمطالبة بـ”استعادة السيادة الوطنية”.. وفيفاس يستحضر “حزمهُ” في التعامل مع أزمة جزيرة ليلى
استعاد رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق والرئيس السابق للحزب الشعبي، خوسيه ماريا أثنار، خلال زيارته إلى سبتة، اليوم الخميس، نبرة التشدد التي طبعت تعامله مع المغرب خلال أزمة جزيرة ليلى سنة 2002، داعيا إلى “تغيير في الاتجاه السياسي” لإسبانيا، ومعتبرا أن موجة العبور الجماعي التي شهدتها المدينة نهاية يوليوز الماضي شكلت، وفق تعبيره، “انتهاكا للوحدة الترابية” لبلاده.
وجاءت تصريحات أثنار خلال نشاط مؤسساتي جمعه برئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، في سياق تداعيات أزمة الهجرة التي شهدتها المدينة، بعدما دخل إليها أكثر من 70 ألف مهاجر، بحسب المعطيات التي أوردتها وكالة الأنباء الإسبانية، فيما لا يزال نحو 5 آلاف منهم في المدينة، وفقا للحكومة المركزية الإسبانية.
وتوجه أثنار رفقة زوجته، عمدة مدريد السابقة آنا بوتيلا، إلى سبتة للتعبير عن “دعمه وتضامنه” مع سكان المدينة ورئيس حكومتها المحلية، خوان خيسوس فيفاس، الذي عقد معه اجتماعا في “قصر الجمعية”، مقر البرلمان المحلي، كما وقع رئيس الحكومة الأسبق في السجل الشرفي، واجتمع مع عدد من أعضاء حكومة المدينة، بعدما استقبل بالتصفيق والثناء من جانب بعض الحاضرين، وتحديدا من اليمين.
وقال أثنار إن الموجة التي شهدتها سبتة كانت “الأكبر”، لكنها لن تكون بالضرورة “الأولى”، معتبرا أن الأولوية يجب أن تكون لمنع تكرار مثل هذا السيناريو، وأضاف أن هذه الأزمة “يجب أن تكون الأخيرة التي تفاجئنا ونحن غير مستعدين”، داعيا إلى اتخاذ إجراءات تضمن استقرار الحدود الأكثر عرضة للضغط بشكل دائم.
وحذر الزعيم الأسبق للحزب الشعبي من أن “مستقبل سبتة” هو أيضا “مستقبل إسبانيا”، مطالبا الحكومة المركزية بـ”الحزم”، لأن “ضعف الدولة سيؤدي لابتزازها”، على حد توصيفه وقال إن “السيادة الوطنية لا تأخذ عطلة”، وإنها بعد أن تعرضت لـ”اعتداء” جراء الدخول الجماعي للمهاجرين من المغرب، “لا سبيل سوى استعادتها”، كما شدد على أن الواجب الأول للدولة يتمثل في إعادة “النظام والأمن والحياة الطبيعية” إلى المدينة، وهي أوضاع قال إنها تعرضت لانتهاك واضح منذ أكثر من شهر.
ووجه أثنار، من خلال هذه التصريحات، انتقادات إلى طريقة تعامل حكومة بيدرو سانشيز مع الأزمة، رغم أنه لم يذكر رئيس الحكومة الإسبانية بالاسم، معتبرا أن الدفاع عن الوحدة الوطنية لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد “اختلاق رواية”، وأن الأولوية يجب أن تكون لما يعيشه سكان سبتة وما ينتظرونه من السلطات، وليس لما يقال على الجانب الآخر من الحدود.
كما دعا رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق إلى إعادة النظر في السياسة الخارجية الإسبانية، معتبرا أن مدريد لا ينبغي أن تجد نفسها “معزولة” أو عرضة لما وصفه بـ”الابتزاز” عند اندلاع الأزمات، في إشارة إلى ضرورة امتلاك إسبانيا شبكة من الحلفاء القادرين على دعمها في مواجهة التحديات التي تمس مصالحها وأمنها.
وقال أثنار إن المرحلة الحالية تستدعي “تغييرا كاملا في السياسة والاتجاه السياسي للبلاد”، حتى يكون واضحا، في حال تعرضت الدولة لاختبار، أن مؤسساتها قادرة على اتخاذ القرار والرد، مضيفا أن إزالة حالة عدم اليقين لا ينبغي أن تقتصر على سبتة، بل يجب أن تشمل أيضا مليلية.
وتحضر في خلفية هذه التصريحات قضية الحدود بين إسبانيا والمغرب، إذ شدد أثنار على أن الحدود التي ينبغي تأمينها بشكل دائم هي في الوقت نفسه حدود إسبانية وأوروبية، في محاولة لوضع أزمة سبتة ضمن إطار أوسع يتجاوز تدبير الهجرة إلى قضايا الأمن والسيادة والعلاقات الخارجية.
ولم يكتف أثنار بانتقاد أداء الحكومة المركزية، بل دعم أيضا مقترحات زعيم الحزب الشعبي ألبرتو نونيث فييخو المتعلقة بخطة لاستعادة الاستقرار في سبتة، مؤكدا أن الأشخاص الذين يعبرون الحدود بشكل غير قانوني لا ينبغي أن يظلوا داخل التراب الإسباني.
وتأتي زيارة أثنار إلى سبتة في ظرف سياسي حساس بالنسبة إلى المدينة، التي لا تزال تواجه تداعيات أزمة نهاية يوليوز، سواء على مستوى الخدمات العمومية أو تدبير ملف المهاجرين أو انعكاسات الأحداث على الحياة اليومية للسكان.
ويسعى رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس، بدوره، إلى نقل القضية إلى المستوى الأوروبي، إذ يرتقب أن يتوجه إلى بروكسيل خلال الأسبوع الثاني من شتنبر لإطلاع المؤسسات الأوروبية على الوضع الذي تعيشه المدينة والمطالبة بدعم يتناسب مع خصوصيتها الحدودية.
وتكتسي زيارة أثنار أهمية إضافية بسبب ارتباطها المباشر بإحدى أبرز الأزمات التي طبعت العلاقات المغربية الإسبانية خلال العقود الأخيرة، وهي أزمة جزيرة ليلى سنة 2002، عندما أمرت حكومة أثنار بعملية عسكرية لإعادة السيطرة على الجزيرة بعد انتشار عناصر مغربية فيها، قبل أن تنتهي الأزمة بتدخل دبلوماسي أميركي.
واستعاد رئيس حكومة سبتة هذه الواقعة خلال استقباله لأثنار، مشيدا بـ”الحزم” الذي أظهره آنذاك، ومعتبرا أن أزمة جزيرة ليلى شكلت اختبارا لمدى استعداد إسبانيا للدفاع عن سبتة ومليلية ومصالحها السيادية، ووصف فيفاس الرد الذي اتخذته حكومة أثنار سنة 2002 بأنه كان “واضحا ولا لبس فيه”.
وبذلك، حملت تصريحات أثنار من سبتة رسائل تتجاوز أزمة الهجرة الحالية، إذ أعاد الرجل، الذي قاد الحكومة الإسبانية بين 1996 و2004، طرح مقاربة تقوم على تشديد حماية الحدود، وتعزيز الحضور الإسباني داخل الاتحاد الأوروبي، وإعادة ترتيب التحالفات الخارجية، في وقت تحاول فيه سبتة تحويل تداعيات الأزمة الأخيرة إلى قضية تحظى باهتمام أوروبي أوسع.
كما أن استحضار أزمة جزيرة ليلى في هذا الظرف يضفي على الزيارة بعدا سياسيا إضافيا، خصوصا أن أثنار اختار الحديث عن “السيادة” و”الوحدة الترابية” وضرورة الرد على ما يعتبره اختبارات للدولة، وهي مفاهيم ارتبطت بشكل وثيق بخطابه خلال أزمة 2002، حين وصلت العلاقات بين الرباط ومدريد إلى واحدة من أكثر مراحلها توترا.
المصدر: الصحيفة





