ثورة الملاكمين.. الانتفاضة التي صنعت الصين

إيطاليا تلغراف متابعة

حين يشدد الرئيس الصيني شي جين بينغ على أن الصين لن تسمح مجددا لأي قوة أجنبية بإذلالها، فإنه يستحضر ذاكرة تاريخية كامنة في الوعي الصيني. فقبل أكثر من قرن، عاشت البلاد أحد أحلك مراحلها، حين تحوَّلت إلى ساحة تتنافس فيها القوى الكبرى على النفوذ، وانتُزعت منها الموانئ والامتيازات التجارية، بينما وقفت أسرة تشينغ الحاكمة عاجزة عن صون سيادة الدولة وحماية أراضيها.

في خضم تلك الأوضاع، برزت حركة شعبية رأت أن خلاص الصين يبدأ بطرد الأجانب وإنهاء النفوذ التبشيري المسيحي. وسرعان ما تصاعدت الأحداث، وشهد الحي الدبلوماسي في قلب بكين حصارا للسفارات الأجنبية استمر 55 يوما، فيما اشتعلت قرى شمال الصين بالكنائس المحترقة، وتعالت هتافات: “ادعموا أسرة تشينغ، وأبيدوا الأجانب”، في انتفاضة دخلت التاريخ باسم “ثورة الملاكمين”.

ردا على ذلك، تحركت قوات 8 دول بذريعة حماية رعاياها، شملت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا واليابان والولايات المتحدة وإيطاليا والنمسا-المجر، رغم ما كان يُفرِّق بينها من تنافس استعماري محتدم وطموحات متضاربة، فاحتلت قوات التحالف الدولي العاصمة بكين، وفرضت تسوية قاسية على الصين. وحين انطفأت نيران المعارك، واجهت الصين عقدا من الانهيار انتهى بسقوط آخر سلالة إمبراطورية حاكمة عام 1911، ما مهَّد الطريق لتأسيس الصين الحديثة، وصعودها لاحقا إلى مصاف القوى العظمى.

قبل الثورة

قلبت الثورة الصناعية في أوروبا موازين القوى العالمية. وبفضل الأساطيل البخارية والتفوق الصناعي، أخذت بريطانيا تبحث عن أسواق جديدة لتصريف منتجاتها وتأمين المواد الخام. ومن ثمَّ تنامت التجارة البريطانية مع الصين، مدفوعة بشغف أوروبي بالحرير والخزف والشاي الصيني، حتى أصبحت شركة الهند الشرقية البريطانية، بحلول عام 1800، تستورد نحو 23 مليون رطل من الشاي سنويا مقابل تسديد ثمنه بكميات ضخمة من الفضة، في نمط تجاري هدَّد باستنزاف خزائن الإمبراطورية البريطانية.

وجدت لندن مخرجها في الأفيون المزروع في الهند، فبدأت تهريبه إلى الصين. وبحلول عام 1839 كان في البلاد نحو عشرة ملايين متعاطٍ للأفيون، بينهم ما يقارب مليوني مدمن، وحين قرَّرت حكومة أسرة تشينغ وضع حد لهذه التجارة غير المشروعة، اندلعت حرب الأفيون الأولى (1839-1842)، التي انتهت بهزيمة صينية قاسية، وتوقيع معاهدة نانجينغ، أولى “المعاهدات غير المتكافئة”، التي فتحت 5 موانئ أمام التجارة البريطانية، وتنازلت الصين بموجبها عن هونغ كونغ، ومنحت امتيازات تجارية وقضائية للبريطانيين.

“صاغت أمريكا سياسة الباب المفتوح، التي دعت إلى إبقاء السوق الصينية مفتوحة أمام كافة القوى الكبرى دون تقسيمها إلى مناطق نفوذ”

لم تتأخر الولايات المتحدة عن اللحاق بالركب، فوقَّعت معاهدة وانغشيا عام 1844، التي منحت الأمريكيين امتيازات مشابهة، وأقرت حماية خاصة للمبشرين المسيحيين، وصاغ وزير الخارجية الأمريكي جون هاي سياسة “الباب المفتوح”، التي دعت إلى إبقاء السوق الصينية مفتوحة أمام كافة القوى الكبرى دون تقسيمها إلى مناطق نفوذ.

ثم اندلعت حرب الأفيون الثانية (1856–1860)، بعدما استغلت بريطانيا حادثة السفينة التجارية “آرو”، المسجلة في هونغ كونغ البريطانية، رغم أن ملكيتها وطاقمها كانوا صينيين. فعندما صعدت السلطات الصينية إلى السفينة أثناء رسوها في ميناء قوانغتشو واعتقلت 12 من أفراد طاقمها بتهمة القرصنة، اعتبرت بريطانيا ذلك مساسًا بامتيازاتها، واتخذت الحادثة ذريعة لشن حرب جديدة، انضمت إليها فرنسا.

وبعد تجدد القتال، وصلت القوات البريطانية والفرنسية إلى بكين عام 1860 وأحرقت القصر الصيفي القديم، قبل أن تُبرم اتفاقية بكين التي أنهت الحرب ورسخت ووسعت الامتيازات التي كانت قد أقرتها اتفاقيات تيانجين (إحدي أبرز المعاهدات غير المتكافئة) عام 1858، ومنها السماح للمبعوثين الأجانب بالإقامة في العاصمة، وتوسيع نطاق التجارة، والسماح للمبشرين المسيحيين بالنشاط في مناطق واسعة من الصين.

دخلت اليابان أيضا على الخط وألحقت بالصين هزيمة ساحقة في حرب عاميْ 1894-1895، فيما استأجرت روسيا ميناء بورت آرثر، وانتزعت ألمانيا عقد إيجار لميناء جياوتشو ومدينة تشينغداو مدته 99 عاما، متذرعة بمقتل مبشرَيْن ألمانيَّيْن، وتسابقت الشركات الأجنبية إلى مد خطوط السكك الحديدية واستغلال المناجم والموانئ.

أتاحت هذه المعاهدات للمبشرين المسيحيين حرية الحركة داخل الصين، ومنحتهم حماية قانونية، فارتفع عددهم من نحو 80 مبشرا عام 1860 إلى أكثر من ثلاثة آلاف بحلول عام 1900، بينما اعتنق نحو 100 ألف صيني المذهب البروتستانتي، وما بين 700-800 ألف المذهب الكاثوليكي.

جسَّد المبشرون في المنظور الشعبي الصيني الوجه الثقافي للنفوذ الغربي، وعجز الدولة عن حماية سيادتها، إذ كثيرا ما تدخَّلوا لصالح المتحولين دينيا المتهمين في قضايا جنائية أو مدنية، فاستاء الصينيون من جيرانهم الذين اعتنقوا المسيحية ووصفوهم بـ”مسيحيي الأرز”، في إشارة إلى أن دافعهم لتغيير دينهم هو المصلحة.

وزاد الطين بلة أن جهود التحديث الغربي هدَّدت بالقضاء على حرف صينية كاملة، كما دمَّر فيضان النهر الأصفر عام 1898 المحاصيل، وتبعه جفاف امتد حتى عام 1900، ليضاعف معاناة السكان. وفي ظل هذه الأزمات، انتشرت شائعات بأن خطوط السكك الحديدية التي شقت المقابر القديمة، وأبراج الكنائس التي ارتفعت فوق المدن، أخلت بتوازن قوى الطبيعة وأغضبت الأرواح وفق الأفكار الدينية الشائعة في الصين آنذاك. وقد ظهرت ملصقات في شمال الصين تقول: “لا مطر من السماء. الأرض قاحلة وجافة، وكل ذلك لأن الكنائس حبست السماء”.

من هم الملاكمون؟

بدأت حركة الملاكمين في ريف مقاطعة شاندونغ شمال الصين تحت اسم “ييخه تشوان”، أي “قبضات الوئام والعدل”، وكانت واحدة من عشرات الجمعيات الشعبية التي انتشرت خلال القرن التاسع عشر، ومزجت بين فنون القتال والمعتقدات الدينية والطقوس الشعبية. أما اسم “الملاكمين” فقد أطلقه الغربيون على الحركة، بعدما بدت تدريبات أعضائها القتالية أقرب إلى رياضة الملاكمة.

رأى أعضاء الحركة أن ما أصاب الصين من هزائم ومجاعات وكوارث حدث نتيجة للتغلغل الأجنبي وانتشار المسيحية، فرفعوا شعار “ادعموا أسرة تشينغ، وأبيدوا الأجانب”، كما رددوا شعارا آخر هو “اطردوا الأجانب، واقضوا على المسيحية”. واستمد الملاكمون ثقتهم من معتقدات روحية تؤمن بأن التدريبات البدنية والطقوس الروحية تمنحهم حصانة في مواجهة الرصاص الحي، وأن الأرواح تحرسهم في ساحات القتال، وهو اعتقاد زاد من جرأتهم وأكسبهم قدرة على حشد آلاف الفلاحين.

“جسَّد المبشرون في المنظور الشعبي الصيني الوجه الثقافي للنفوذ الغربي”

وجدت الحركة أكبر حواضنها في شمال الصين، حيث كان النفوذ الأجنبي والنشاط التبشيري في أوجهما. ففي مقاطعة شاندونغ وحدها انتشرت أكثر من ألف كنيسة، وأصبحت القرى المسيحية رمزا للتدخل الغربي في نظر كثير من السكان. ولذلك وجَّه الملاكمون هجماتهم في البداية إلى المسيحيين الصينيين، باعتبارهم متعاونين مع القوى الأجنبية، ثم امتد العنف إلى المبشرين والكنائس. وفي عام 1898 أحرق مئات القرويين كنيسة كانت تُبنى على أرض معبد بوذي في شاندونغ، في أول هجوم كبير نُسب إلى الحركة، قبل أن تتصاعد أعمال العنف عام 1899، وتبلغ ذروتها بمقتل القس البريطاني سيدني بروكس، وقطع رأسه.

في البداية، نظر البلاط الإمبراطوري إلى الملاكمين بعين الريبة. وكانت الإمبراطورة الأرملة تسيشي قد أحكمت قبضتها على الحكم بعد أن أطاحت قبل عامين بابن أخيها الإمبراطور غوانغشو وأعدمت مستشاريه بعدما حاول تطبيق إصلاحات في الجيش والإدارة والتعليم عُرفت بحقبة “مائة يوم من الإصلاح”. وفي ربيع عام 1900 دعت الإمبراطورة قادة الملاكمين إلى بكين، وشاهد رجال البلاط عروضهم القتالية، واقتنعت الإمبراطورة بأن الحركة قد تتحول إلى أداة لتعبئة الشعب في مواجهة التدخل الأجنبي، فمنحتها دعمها الضمني.

وفي المقابل تعامل حكام الأقاليم الجنوبية والوسطى مع الملاكمين بحذر، وفضلوا الحفاظ على علاقاتهم مع القوى الأجنبية وتجنب جر مناطقهم إلى الحرب، في مؤشر على أن الإمبراطورية بدأت تتفكك من الداخل، وأن بكين لم تعد قادرة على فرض إرادتها على كافة أنحاء البلاد، وعند هذه النقطة، اقتربت الصين من الشرارة التي اندلعت مع حصار حي السفارات في العاصمة.

تفاقم الاضطرابات

بدأ الوجود العسكري الأمريكي في مياه الصين في أربعينيات القرن التاسع عشر، حيث عمل أسطول أمريكي على حماية الممتلكات الأمريكية وتأمين حرية الملاحة، ونفَّذ دوريات منتظمة في نهر اليانغتسي. وعانى هذا الأسطول من نقص الإمدادات والذخيرة بسبب افتقار الولايات المتحدة إلى قاعدة بحرية قريبة من السواحل الصينية، إذ كانت أقرب قواعدها في هاواي. وتغيَّر المشهد جذريا بعد انتصار واشنطن في الحرب الإسبانية الأمريكية عام 1898 وسيطرتها على الفلبين، التي تحولت إلى قاعدة متقدمة مكَّنتها من توسيع حضورها العسكري في شرق آسيا.

ومع تصاعد نشاط الملاكمين في مطلع عام 1900، اتَّسعَت دائرة الهجمات لتشمل خطوط السكك الحديدية ومحطات التلغراف والمنشآت الأجنبية، قبل أن تمتد إلى العاصمة بكين، إذ أصبح حي السفارات مركز الأزمة، وسرعان ما احتمى داخله الدبلوماسيون ورعايا الدول الغربية واليابان، إلى جانب نحو ألفي مسيحي صيني، تحت حماية قوة قوامها نحو 400 جندي من 8 دول، بينما أحاط بالمجمع آلاف من الملاكمين ووحدات من الجيش الإمبراطوري الموالية للإمبراطورة تسيشي.

“استمر الحصار 55 يوما، وسط قصف متبادل، ونقص في الغذاء والمياه”

استمر الحصار 55 يوما، وسط قصف متبادل، ونقص في الغذاء والمياه. وأصبح مصير المُحاصَرين داخل الحي قضية ذات أولوية دفعت العواصم الكبرى إلى التحرك. وطلب السفير الأمريكي في بكين إدوين كونغر دعما بحريا عاجلا، فأرسلت واشنطن سفنا حربية من الفلبين واليابان. وقد راهنت الدول الأجنبية في البداية على عملية إنقاذ محدودة. ففي 9 يونيو/حزيران 1900، قاد نائب الأدميرال البريطاني إدوارد سيمور قوة مشتركة ضمت أكثر من 2000 جندي من الدول الثماني، بهدف الوصول إلى بكين عبر خط السكك الحديدية وفك الحصار عن حي السفارات. ولكن القوة واجهت مقاومة عنيفة من الملاكمين ووحدات الجيش الإمبراطوري بقيادة الجنرال رون لو، لا سيَّما فرقة الجنرال المسلم دونغ فوكسيانغ.

تحوَّلت إذن رحلة كانت تستغرق 3 ساعات في وقت السلم إلى 9 أيام من القتال المتقطع، وانتهت البعثة بالفشل التام، إذ اضطر سيمور للتراجع بعد أن تكبَّد رجاله 62 قتيلا و232 جريحا. وقُتل السفير الياباني سوجياما أكيرا أثناء انتظاره وصول بعثة سيمور، كما قُتل السفير الألماني البارون كليمنس فون كيتيلر أثناء توجهه إلى مقر الحكومة الصينية لمناقشة المرور الآمن للأجانب خارج بكين. وعقب فشل حملة سيمور، قررت دول التحالف شن عملية عسكرية كبيرة. وكانت الخطوة الأولى السيطرة على حصون داغو عند مصب نهر هاي، بوابة العبور إلى تيانجين ومنها إلى بكين. وبعد معارك قصيرة، سقطت الحصون في أيدي قوات التحالف، وهو ما اعتبرته الإمبراطورة تسيشي إعلان حرب على بلدها، فأصدرت قرارا بمواجهة الدول الأجنبية المعتدية، ما نقل الأزمة من انتفاضة شعبية إلى حرب بين الصين وتحالف دولي ضم 8 قوى كبرى.

معركة تيانجين واحتلال بكين

كانت تيانجين البوابة الشمالية إلى بكين، وثاني أهم موانئ الصين بعد شانغهاي، ومركزا للتجارة الأجنبية والامتيازات الغربية. وقد أحاط بها سور ضخم من الطوب، وكان من بين المقيمين فيها آنذاك المهندس الأمريكي الشاب هربرت هوفر برفقة زوجته، الذي سيصبح لاحقا الرئيس الحادي والثلاثين للولايات المتحدة.

وفي منتصف يونيو/ حزيران اجتاح الملاكمون المدينة، فأحرقوا الكنائس والمتاجر الأجنبية، وامتدت النيران إلى المستوطنة الأجنبية التي كان يحرسها 2500 جندي، غالبيتهم من الروس. وخشي القنصل الأمريكي راغسديل أن تتحول الكلية العسكرية الصينية المجاورة إلى منصة لقصف المستوطنة، فألحَّ على قادة التحالف للاستيلاء عليها. وبعد معركة قصيرة، سقطت الكلية وقُتل نحو 50 من طلابها الذين رفضوا الاستسلام.

وفي 13 يوليو/تموز، وصلت تعزيزات قوات التحالف إلى مشارف تيانجين، وشن نحو 5650 جنديا هجوما على قوة صينية معها مقاتلي الملاكمين، وبلغ قوامها قرابة 20 ألفا، وانتهى القتال بسقوط المدينة في أيدي التحالف. وأصبحت تيانجين منذ ذلك الحين قاعدة الانطلاق نحو العاصمة، ففي يوم 4 أغسطس/آب، تحركت منها قوة قوامها قرابة 20 ألف جندي باتجاه بكين، في مسيرة امتدت نحو 80 ميلا، واجه خلالها الجنود حرارة خانقة أودت بحياة عدد منهم بضربات الشمس والحُمَّى.

“في 14 أغسطس/آب 1900، دخلت قوات التحالف بكين بعد أسابيع من القتال”

كانت بكين مدينة مُحصَّنة ذات تخطيط مربع، تمتد على مساحة تقارب 16 ميلا مربعا. وفي شمالها تقع مدينة التتار، التي ضمت داخل أسوارها المدينة الإمبراطورية، وفي قلبها المدينة المحرمة، مقر الحكم الإمبراطوري، التي سُميت بهذا الاسم لأن دخولها كان محظورا على عامة الناس، ولا يُسمَح به إلا للإمبراطور وأفراد البلاط ومن يُؤذن لهم.

وفي 14 أغسطس/آب 1900، دخلت قوات التحالف بكين بعد أسابيع من القتال، منهية حصار حي السفارات، بينما فرَّت الإمبراطورة الأرملة تسيشي وأفراد البلاط الإمبراطوري متنكرين في زي فلاحين إلى مدينة شين. ولم تدم المعركة الأخيرة طويلا، إذ حسم التفوق في التسليح والانضباط والتنظيم المواجهة لصالح قوات التحالف.

شروط مجحفة

انقسم قادة التحالف حول مصير المدينة المُحرَّمة، هل يحتلونها لإذلال البلاط الإمبراطوري، أم يكتفون بعبورها احتراما لرمزيتها الدينية؟ رأى بعض السفراء والجنرالات أن دخولها ضروري لتبديد الاعتقاد السائد لدى كثير من الصينيين بأن قوى غيبية تحميها وتمنع الأجانب من اجتيازها، بينما حذَّر آخرون من أن احتلالها سيؤدي إلى تحطيم معنويات الشعب بشكل قد يصعب التحكُّم في عواقبه.

في النهاية اختار الحلفاء حلا وسطا، فدخلوا المدينة المُحرَّمة في موكب رسمي عبر بوابتها الجنوبية وخرجوا من بوابتها الشمالية في 28 أغسطس/آب، دون احتلالها أو اتخاذها مقرا عسكريا. وتقدَّمت الموكب روسيا، تلتها اليابان، ثم بريطانيا، فالولايات المتحدة، وفرنسا، فألمانيا، فإيطاليا، وأخيرا النمسا-المجر. ومع نهاية أغسطس/ آب، ارتفع عدد قوات التحالف في بكين إلى نحو 40 ألف جندي بعد وصول تعزيزات إضافية.

وبعد إحكام السيطرة على العاصمة، قسمت قوات التحالف بكين إلى مناطق نفوذ خاضعة للأحكام العرفية، فتولت مشاة البحرية الأمريكية إدارة القطاع الغربي من المدينة، بينما تقاسمت بقية الجيوش القطاعات الأخرى. وكما حدث في تيانجين، شهدت العاصمة موجة واسعة من أعمال النهب والانتهاكات، بما في ذلك الاعتداءات على المدنيين وعمليات اغتصاب للنساء.

وبعد عام من المفاوضات، وُقِّع “بروتوكول الملاكمين” في سبتمبر/أيلول 1901، ليُكرِّس الهزيمة الصينية في صورة التزامات مالية وعسكرية وسياسية. فقد فُرِضَت على الصين تعويضات بلغت 450 مليون تايل من الفضة (معيار – عملة صينية استُخدِمَت حتى عام 1933)، تُسدَّد على مدى 39 عاما، وهو مبلغ صُمم ليعادل تايلا واحدا عن كل فرد من سكان الصين، الذين بلغ عددهم آنذاك نحو 450 مليون نسمة.

حصلت روسيا على أكبر حصة من هذه التعويضات بأكثر من 28%، بينما بلغت حصة الولايات المتحدة نحو 7%. غير أن الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت وافق لاحقا على إعادة فائض التعويضات الأمريكية إلى الصين، شريطة تخصيصه لتمويل منح دراسية للطلاب الصينيين في الجامعات الأمريكية. وبحلول انتهاء فترة السداد عام 1940، كانت الصين قد دفعت ما بين 600-700 مليون دولار نتيجة تراكم الفوائد.

كذلك ألزمت شروط البروتوكول الصين بتدمير حصون داغو، والسماح للقوات الأجنبية بالتمركز على امتداد نهر هاي، وحظر استيراد الأسلحة لمدة عامين، ومنح حي السفارات وضعا خاصا يخضع للسيطرة الأجنبية. كما فرضت الدول المنتصرة عقوبات على المسؤولين الذين دعموا الملاكمين، فنُفي الأمير دوان، وجُرِّد الجنرال دونغ فوكسيانغ من ألقابه، وأُجبِرَت الحكومة الصينية على إرسال بعثات اعتذار رسمية إلى ألمانيا واليابان، وإقامة نصب تذكاري للسفير الألماني كليمنس فون كيتيلر في موقع مقتله. وفي المقابل، روَّج بلاط تشينغ لرواية صوَّرت الإمبراطورة تسيشي على أنها كانت أسيرة للظروف وأُجبِرَت على مساندة الملاكمين، في محاولة لحفظ ماء وجه العرش.

في يناير/ كانون الثاني 1902، عادت تسيشي مع حاشيتها إلى بكين، بعد أن قضت أشهرا في المنفى الداخلي مُتنكِّرة، وشرعت في تنفيذ حزمة إصلاحات عُرفت لاحقا باسم “السياسات الجديدة”، وهي إصلاحات شابهت إلى حد بعيد تلك التي أجهضتها قبل سنوات عندما أطاحت بالإمبراطور غوانغشو وأنهت مشروعه الإصلاحي. وشملت الإصلاحات إعادة تنظيم الجيش على النمط الغربي، وإصلاح النظام التعليمي، وإلغاء امتحانات الخدمة المدنية الكونفوشيوسية التي حكمت اختيار موظفي الدولة لقرون، إلى جانب إطلاق نقاش حول وضع دستور وإنشاء هيئة تمثيلية محدودة. ولكن جاءت هذه الإصلاحات متأخرة، ولم تنجح في استعادة ثقة النخب الصينية الصاعدة، لا سيَّما الجيل الجديد من المثقفين والعسكريين الشباب الذين بدأوا يتطلعون إلى حلول جذرية.

“الضرر الذي خلَّفته هزيمة الملاكمين كان أكبر من أن تعالجه أي إصلاحات”

وقبل أيام قليلة من وفاتها عام 1908، اختارت الإمبراطورة الأرملة الطفل بويي وليا للعهد، وهو حفيد الجنرال رونغلو، صديق طفولتها ومستشارها الموثوق الذي قاد الحرس الإمبراطوري خلال الأزمة. لكن الضرر الذي خلَّفته هزيمة الملاكمين كان أكبر من أن تعالجه تلك الإصلاحات، فقد تآكلت هيبة البلاط، وتفاقمت الأعباء المالية الناتجة عن التعويضات، واتسع النفوذ الأجنبي داخل الصين. وبعد ثلاث سنوات فقط من اعتلاء بويي العرش، أطاحت ثورة 1911 بآخر السلالات الإمبراطورية في الصين، وأعلنت قيام جمهورية الصين، منهية أكثر من ألفي عام من الحكم الإمبراطوري. ومنذ ذلك الحين، أصبح إنهاء “قرن الإذلال” الذي بدأت فصوله مع حروب الأفيون، وبلغ ذروته مع هزيمة الملاكمين، هدفا جامعا للنخب الصينية.

إرث ثورة الملاكمين

تنظر الأدبيات العسكرية الأمريكية إلى ثورة الملاكمين بوصفها محطة تأسيسية في تطور الجيش الأمريكي. ففي كتيب “الأمريكيون والتنين: دروس في حروب التحالف من انتفاضة الملاكمين” الصادر عن كلية الحرب بالجيش الأمريكي، وكتاب “تمرد الملاكمين: البحارة ومشاة البحرية في الصين 1900-1901” الصادر عن قيادة التاريخ والتراث البحري بوزارة البحرية، تُقدَّم الحملة بوصفها أول تجربة حقيقية للولايات المتحدة في إدارة حرب ضمن تحالف متعدد الجنسيات.

وقد كشفت الحرب صعوبة تنسيق العمليات بين جيوش تختلف في العقيدة واللغة والأهداف، وأظهرت حجم التنافس بين الحلفاء حول قيادة العمليات، وأولوية دخول بكين، وتمثيل التحالف في المفاوضات، وتقاسم التعويضات. كما كشفت العمليات المشتركة بين الجيش والبحرية ومشاة البحرية عن غياب عقيدة أمريكية موحدة للعمل المشترك، وهو قصور سعت المؤسسة العسكرية إلى معالجته في العقود اللاحقة. كذلك أتاحت الحملة للضباط الأمريكيين فرصة نادرة لدراسة أداء الجيوش الأجنبية عن قرب، فدوَّن كثير منهم ملاحظات تفصيلية عن نقاط القوة والضعف لدى جيوش سيصطدمون بها أو يتحالفون معها لاحقا في الحرب العالمية الأولى، وكتب العديد منهم تحليلات مُفصَّلة تُقيِّم أداء قواتهم مقارنة بحلفائهم ومنافسيهم.

“كانت ثورة الملاكمين آخر محاولة صينية كبرى لمقاومة التفوُّق الغربي بالاعتماد على الحماسة الشعبية بدلا من بناء جيش حديث”

أما بالنسبة للصين، فقد مثَّلت ثورة الملاكمين فيها نهاية مرحلة وبداية أخرى. فمن ناحية، كانت آخر محاولة كبرى لمقاومة التفوُّق الغربي بالاعتماد على الحماسة الشعبية بدلا من بناء جيش حديث، وانتهت بهزيمة عسكرية وسياسية قاسية. ومن ناحية أخرى، أصبحت تلك الهزيمة جزءا من الذاكرة الوطنية الصينية، وأسهمت في بلورة خطاب “قرن الإذلال” الذي يربط بين الضعف الداخلي والتدخل الخارجي، ويجعل بناء القوة شرطا لاستعادة السيادة.

ويصعب فهم جانب كبير من السياسات الصينية المعاصرة بمعزل عن تلك التجربة، إذ إن برامج تحديث الجيش، والاستثمارات الضخمة في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا المتقدمة، والتشدد في قضايا السيادة، سواء في تايوان أو بحر الصين الجنوبي، تنطلق جميعها من قناعة مفادها أن الدولة التي تعجز عن حماية نفسها ستجد الآخرين يفرضون عليها شروطهم. ولهذا تُعد ثورة الملاكمين في الذاكرة الصينية درسا إستراتيجيا يلقي بظلاله على طريقة بكين في فهم العالم والتعامل معه بما يُجنِّبها تكرار ما حدث لها مطلع القرن العشرين.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...