“مؤسسة سمير” من فكرة بين أنقاض غزة إلى منظمة عالمية

إيطاليا تلغراف متابعة

غزة- لم يعد لدى الفلسطيني عز الدين لولو، طالب الطب المتطوع في مستشفى الشفاء بمدينة غزة، ما يفعله لإنقاذ بعض المرضى الذين يعتمدون عليه للبقاء على قيد الحياة.

كان ذلك يوم 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، بعد أن نفد الأكسجين في المستشفى، جراء حصار قوات الاحتلال الإسرائيلي لها، وبدأ المرضى في غرفة العناية المركزة بالاحتضار.

اقترب عز الدين من بعض المرضى، وبدأ يلقّنهم الشهادتين، محاولا البقاء إلى جوارهم في لحظاتهم الأخيرة، دون أن يعرف أن الموت الذي كان يراه، سيصل إليه.

ففي اليوم التالي، وصلته الأخبار التي ستغيّر حياته إلى الأبد: نحو 20 فردا من أسرته استشهدوا في قصف استهدف منزلا نزحوا إليه في حي الرمال، غربي غزة. كان بينهم والده سمير، وشقيقه الأكبر حذيفة وابنته وزوجته الحامل، وعدد من أخواله. أما والدته فنجت، لكنها أصيبت بجراح بالغة.

تطوع وفاجعة

كان عز الدين آنذاك، طالبا في السنة السادسة، بكلية الطب بالجامعة الإسلامية، واختار أن يترك أهله مع الأيام الأولى للحرب على غزة، وأن يتطوع للعمل في مستشفى الشفاء، بمباركة والديه.

رغم الفاجعة التي ألمت بعز الدين، لم يكن الوقت يسمح بانهيار طويل، فمجمع الشفاء نفسه كان في حالة انهيار شبه كاملة، وقوات الاحتلال تحاصره بشكل كامل، وسط نقص حاد في الوقود والأكسجين والأدوية والطعام والماء.

تحامل عز الدين على نفسه، وواصل عمله، قبل أن يشارك لاحقا في دفن الضحايا داخل باحات المجمع، دون أن يستطيع المغادرة لتفقد ذويه، ودفنهم، والاطمئنان على والدته الجريحة.

هكذا وجد نفسه، في أيام قليلة، أمام وجهين متلازمين للحرب: طبيب يحاول إنقاذ الآخرين، وابن يحاول استيعاب فقدان عائلته.

أحلام وأدتها الحرب

قبل الحرب، كان عز الدين يعيش حياة مختلفة تماما؛ كان طالبا متفوقا في سنته الأخيرة بكلية الطب في الجامعة الإسلامية، ويجد وقتا للرسم والتصميم الرقمي، ويوثق من خلالهما الوجوه وتفاصيل الحياة اليومية، وبعد فوزه في مسابقة دولية، أصبح سفيرا للنوايا الحسنة للاتحاد الأوروبي.

كان السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، يوم اندلاع الحرب، يوافق يوم مولده، ومع التحاقه بمجمع الشفاء متطوعا، تلاشت الحدود بين ما درسه في قاعات كلية الطب وما فرضته الحرب في غرف الطوارئ.

جروح غائرة تُعالج في ظروف قاسية، وإصابات تحتاج إلى عمليات عاجلة، وأنابيب صدرية تُركب للمصابين في ظل نقص شديد في الإمكانات، بينما تتدفق أعداد من الجرحى أكبر بكثير من قدرة المستشفى على الاستيعاب.

في مناطق الفرز، اضطر الأطباء إلى اتخاذ قرارات مؤلمة بشأن أولوية العلاج، فيما خُصصت منطقة لمن باتت فرص نجاتهم محدودة جدا، في محاولة لتخفيف الضغط عن الطواقم وتوجيه الموارد إلى من يمكن إنقاذهم.

ثم جاء حصار دبابات الاحتلال لمجمع الشفاء، والذي تحول إلى مكان يقترب فيه الموت من المرضى حتى من دون قصف مباشر.

سمير لولو.. الأب الصديق

كان والده، سمير لولو (57 عاما)، يحتل مكانة خاصة في حياته. فبعد يوم طويل من العمل في سوق القيسارية، حيث كان يعمل في تجارة الذهب، كان يعود إلى المنزل ويتجه إلى غرفة ابنه عز الدين، يسأله عما قرأ ودرس ورسم.

كان الرجل، الذي درس التربية الإسلامية إلى جانب عمله، يرى في العلم قيمة تتجاوز المال، وكان يتمنى أن يرى ابنه يوما بين كبار العلماء.

حين استشهد سمير، لم يفقد عز الدين أباه فقط، بل فقد أيضا الرجل الذي ظل يدفعه نحو العلم ويؤمن بمستقبله. وبعد إخلاء قوات الاحتلال مجمع الشفاء قسرا، بدأ عز الدين رحلة البحث عن والدته السيدة هنادي سكيك.

تنقل بين مراكز النزوح إلى أن عثر عليها في حي الدرج، مصابة بجراح بالغة. لكن العثور على والدته لم يضع حدا لمأساته؛ فجثامين أفراد عائلته، وبينهم والده سمير وشقيقه حذيفة وأسرته، ما تزال تحت الأنقاض.

مؤسسة سمير

كان على عز الدين أن يعتني بوالدته الجريحة، وأن يواصل في الوقت نفسه عمله الطبي، بعد أن نجح في التخرج من كلية الطب، وحصل على درجة البكالوريوس.

انتقل بين عيادة السلام والمستشفى المعمداني، وعمل إلى جانب جراحين متطوعين، مشاركا في عشرات العمليات وسط نقص حاد في الأدوية والمعدات والكوادر.

لكن تجربة الحرب بدأت تدفعه إلى سؤال آخر: ماذا يمكن أن يفعل خارج غرفة العمليات؟ جاءت الفكرة خلال محادثة مع طبيب موجود خارج قطاع غزة. اقترح عليه تأسيس كيان إغاثي.

وجد عز الدين في الاقتراح امتدادا لحلم والده، وقرر أن يحمل المشروع اسم “مؤسسة سمير” نسبة لوالده، محولا اسم الرجل الذي فقده إلى مشروع يستهدف دعم التعليم والصحة ومساعدة الفلسطينيين.

بناء ومثابرة

بدأ عز الدين في بناء المؤسسة من داخل القطاع بجهود ذاتية، مستفيدا من منصاته الرقمية وعلاقاته مع أطباء وداعمين في الخارج، وكان ينقل من خلالها واقع المستشفيات ومعاناة الكوادر الصحية، محاولا تحويل الاهتمام الذي جمعه عبر سنوات عمله الرقمي إلى دعم عملي.

وكان طلاب الطب أول من وصل إليهم هذا الدعم، فمع محاولة الجامعات استئناف التعليم والتدريب السريري، واجه الطلاب عقبات أساسية؛ كثير منهم لم يعد يملك المال حتى للوصول إلى المستشفيات التي يتعين عليهم التدريب فيها.

وعبر شراكة كندية، وفرت المؤسسة دعما ماليا لنحو 760 طالبا ومُعيدا من جامعتي الإسلامية والأزهر، لمساعدتهم على تغطية نفقات شهرية والعودة إلى التدريب العملي.

وكانت تلك الخطوة بداية تحول المبادرة من فكرة شخصية إلى مؤسسة تعمل على نطاق أوسع.

حاضنة ومنحة ومساعدات

في قلب قطاع غزة، يجلس عز الدين اليوم داخل مساحة مضيئة تعرف باسم “ميديكال هب”، وحوله عشرات من طلبة الطب أمام شاشاتهم وكتبهم، يدرسون في مكان يبدو بعيدا عن المشهد الذي يحيط به من الخارج.

المكان ليس مجرد قاعة للدراسة، بل محاولة لاستعادة جزء من التعليم الطبي الذي تعطّل بفعل الحرب، فالكهرباء والإنترنت والمساحة الهادئة أصبحت، في حد ذاتها، أدوات لمقاومة انهيار المسار التعليمي.

ومع الوقت، توسعت “مؤسسة سمير” لتصبح منظمة دولية غير ربحية مرخصة في بريطانيا، وتضم شبكة من نحو 350 سفيرا في 47 دولة، بينهم أساتذة في جامعتي أكسفورد وكامبريدج.

وإلى جانب دعم طلاب الطب، قدمت المؤسسة مساعدات إغاثية للنازحين وعمال النظافة في المستشفيات.

كما أطلقت المؤسسة “منحة سمير” كإحدى كبرى المنح المتخصصة في دعم طلبة الطب البشري في فلسطين؛ استفاد منها 100 طالب وطالبة عام 2025، وشملت 80 منحة جزئية لتغطية فصل دراسي كامل (بحد أدنى 1300 دولار لكل طالب)، و10 منح بكفالة كاملة حتى التخرج، و10 منح لتغطية عام دراسي كامل.

وتستعد المؤسسة أيضا لإطلاق منحة عام 2026 بقيمة 100 ألف دولار لتشمل طلبة الطب في جامعات الإسلامية، والأزهر، والإسراء (كلها بغزة)، وفق مقابلات ومعايير اختيار دقيقة.

مهام إنسانية

نظمت مؤسسة سمير في مجمع الشفاء حفلا لتخريج طلبة الطب من جامعتي الأزهر والإسلامية، في تجمع للخريجين هو الأول من نوعه بين الجامعتين منذ عام 2006، وفق المؤسسة.

وتولت المؤسسة ترميم وصيانة وتأهيل أكثر من 5 قاعات داخل مستشفيات قطاع غزة المتضررة، من بينها مستشفى الرنتيسي، ومستشفى الخدمة العامة (شمال القطاع)، وقاعة مستشفى شهداء الأقصى (وسط).

وحُوّلت هذه المرافق إلى مساحات مجهزة للاجتماعات الطبية، والدراسة، والتدريب السريري، متجاوزة عقبات شح المواد وارتفاع التكاليف التشغيلية.

تحديات وطموحات و”مفارقة”

اليوم، يواجه مشروع مؤسسة سمير تحديات جديدة، فما تزال مواد ومعدات طبية ونماذج للمحاكاة السريرية عالقة خارج القطاع، فيما يعمل الفريق على ترميم القاعات المتضررة وافتتاح مساحات تعليمية جديدة في خانيونس وشمال غزة.

لكن عز الدين ينظر إلى ما هو أبعد من الدعم الطارئ، ويسعى إلى إنشاء مركز للمحاكاة السريرية (بيئة تدريبية وتعليمية)، والعمل مستقبلا على بناء كلية طبية متكاملة.

كل ذلك يحدث تحت اسم والده سمير لولو، والمفارقة هنا أن المؤسسة التي تحمل اسم “سمير” وتوسع نشاطها لدعم طلاب الطب وبناء مستقبل التعليم الطبي، ما تزال عاجزة منذ ثلاث سنوات عن الوصول إلى صاحب الاسم نفسه، ومنحه قبرا يواري جثمانه.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...