هل أصبحت سي بي إس نيوز ساحة لصراعات داخلية تهدد هويتها؟

إيطاليا تلغراف متابعة

دخل رئيس الشبكة توم سيبروفسكي شبكة “سي بي إس نيوز” (CBS News) محملاً بسمعة المسؤول الهادئ القادر على إدارة الأزمات وضبط غرف الأخبار المضطربة، لكن بعد نحو عام ونصف العام وجد نفسه في قلب واحدة من أعنف المعارك التحريرية والإدارية التي شهدتها الشبكة، وسط عمليات تسريح واسعة، وصدامات مع صحفيين بارزين، وتدخلات متزايدة لرئيسة التحرير باري وايس، وأرقام مشاهدة لا تمنح الإدارة الجديدة كثيراً من الطمأنينة.

ويرسم الصحفي آدم بيور، في تقرير نشرته مجلة كولومبيا جورناليزم ريفيو، صورة لرئيس “سي بي إس نيوز” ومحررها التنفيذي توم سيبروفسكي، محاولاً الإجابة عن سؤال أصبح يتردد داخل الشبكة: هل ما زال الرجل يمثل عنصر التوازن بين رئيسة التحرير باري وايس وغرفة الأخبار، أم تحول تدريجياً إلى شريك في مشروعها لإعادة صياغة هوية المؤسسة؟

جاء لإخماد الحرائق

انضم سيبروفسكي إلى “سي بي إس ” في مارس/آذار 2025، في لحظة شديدة الحساسية، كان دونالد ترمب قد عاد إلى البيت الأبيض، وكانت الشركة الأم باراماونت تسعى إلى إتمام اندماج يحتاج إلى موافقة السلطات، في حين رفع ترامب دعوى بقيمة 10 مليارات دولار ضد الشبكة بسبب تقرير لبرنامج 60 دقيقة.

وانتهى النزاع بتسوية دفعت بموجبها باراماونت 16 مليون دولار لصالح مكتبة ترمب الرئاسية ورسوم قانونية. وفي تلك الأجواء، كان سيبروفسكي يُقدم باعتباره شخصية قادرة على الحفاظ على الهدوء واتخاذ قرارات عقلانية وسط الأزمات.

وكانت له خبرة طويلة في “إيه بي سي” (ABC)، حيث ساهم في قيادة برنامج صباح الخير أمريكا إلى صدارة المشاهدة، وعُرف بقدرته على إدارة المواهب والتعامل مع بيئات تلفزيونية شديدة الفوضى.

لذلك استُقبل تعيينه في “سي بي إس” بقدر كبير من التفاؤل، خصوصاً في مؤسسة عانت تغييرات متكررة في قيادتها وتراجعاً في أداء نشراتها الصباحية والمسائية؛ لكن التفاؤل بدأ يتراجع مع تغير ميزان السلطة داخل الشبكة.

وصول باري وايس يغير المعادلة

بعد إتمام اندماج باراماونت وسكاي دانس، عُينت باري وايس رئيسة لتحرير “سي بي إس نيوز” ، بينما بقي سيبروفسكي رئيساً للشبكة ومحرراً تنفيذياً. وعلى الورق، بدا أن الاثنين سيعملان كشريكين، لكن الهيكل الإداري منح وايس طريقاً مباشراً إلى الرئيس التنفيذي ديفيد إليسون، بينما ظل سيبروفسكي يعمل ضمن تسلسل إداري مختلف.

وتولت وايس مسؤولية تحديد الأولويات التحريرية والقيم العامة واتجاه الابتكار، بينما ركز سيبروفسكي أكثر على تشغيل البرامج، والعقود، والعلاقات مع المذيعين والمحطات المحلية، وتحسين نسب المشاهدة.

وبدا لفترة أنه يمثل الوجه الأكثر هدوءاً وقرباً من الموظفين مقارنة بوايس، لكن هذا التوازن أخذ يتغير مع بدء عمليات التسريح والتدخلات التحريرية.

60 دقيقة نقطة الانفجار

وصل التوتر إلى ذروته مع برنامج 60 دقيقة، أحد أهم رموز الصحافة التلفزيونية الأمريكية وأكثر برامج الشبكة نجاحاً.

فبعد موسم ظل فيه البرنامج الأكثر مشاهدة بين البرامج الإخبارية الأمريكية للعام الـ52 على التوالي، وارتفعت نسب مشاهدته 9%، أقدمت وايس على إقالة مجموعة من أبرز قياداته وصحفييه، بينهم المنتجة التنفيذية تانيا سايمون، والمحرر التنفيذي دراغان ميهايلوفيتش، والمراسلتان شارين ألفونسي وسيسيليا فيغا.

وفي الداخل، لم يعد السؤال يتعلق بقرارات وايس وحدها، بل بدور سيبروفسكي في تنفيذها أو عدم مواجهتها. ووجه منتج 60 دقيقة السابق روم هارتمان انتقاداً شديداً إليه، معتبراً أن محاولاته لمساعدة وايس جعلته شريكاً في ما وصفه بتدمير البرنامج.

ثم جاء الصدام مع مراسل 60 دقيقة المخضرم سكوت بيلي، فخلال اجتماع لتقديم المنتج التنفيذي الجديد نيك بيلتون، اتهم بيلي وايس بقتل البرنامج وشكك في مؤهلات بيلتون، وفي اليوم التالي أُقيل بيلي.

وبحسب روايته، كان سيبروفسكي من اعتبر موقفه سبباً يستوجب الفصل، قبل أن ينهي الاجتماع معه بصورة حاسمة. وهنا أصبح الرجل الذي عُرف طوال حياته المهنية بالقدرة على التوفيق بين الشخصيات المتنافسة جزءاً مباشراً من المواجهة.

من الصمت إلى الشراكة

لم تقتصر الخلافات على 60 دقيقة، فقد شهدت الشبكة نحو 100 حالة تسريح بعد وصول وايس، كما نشبت مواجهات بشأن تقارير حساسة، من بينها تحقيق المراسلة شارين ألفونسي عن سجن سيكوت في السلفادور، الذي تستخدمه إدارة ترامب لترحيل مئات الأشخاص.

أوقفت وايس التقرير في البداية، ثم عُرض لاحقاً بصيغة قريبة جداً من نسخته الأصلية، وتشير المادة إلى أن سيبروفسكي حضر اجتماعاً بشأن التحقيق ولم يتدخل كثيراً، ثم حاول لاحقاً إقناع الفريق بتغييره من دون نجاح.

كما أثارت رسالة داخلية من وايس عشية عيد الميلاد غضب صحفيين، عندما تحدثت فيها عن ضرورة بذل جهد أكبر لاستعادة ثقة الجمهور، وشارك سيبروفسكي في توقيعها. ورأت صحفية مخضرمة في الرسالة تقليلاً من التضحيات التي يقدمها العاملون في الميدان، قبل أن تتقاعد لاحقاً محذرة من شعورها بأن الصحفيين يُطلب منهم توجيه التغطية إلى جزء محدد من الطيف السياسي.

اختبار المشاهدة

وإذا كان أحد أهداف سيبروفسكي الأساسية هو تحسين نسب المشاهدة، فإن النتائج حتى الآن لا تمنحه كثيراً من القوة في مواجهة منتقديه.

فالنشرة المسائية ما زالت متأخرة كثيراً عن منافسيها، بينما تراجع جمهور البرنامج الصباحي في يوليو/تموز إلى أقل من 1.6 مليون مشاهد للمرة الأولى، بحسب التقرير. ومع ذلك، يواصل سيبروفسكي العمل على تقصير الفقرات وزيادة القصص الخدمية والطقس والجريمة والمواد الأخف، في محاولة لجعل النشرات أكثر جاذبية.

والمفارقة أن برنامج 60 دقيقة، الذي تعرض لأقسى التغييرات، ظل الاستثناء الأبرز من أزمة المشاهدة في الشبكة.

وفي النهاية، يرى بيور أن الصورة التي تتشكل داخل “سي بي إس نيوز” قد تغيرت، فالرجل الذي كان يُنظر إليه في البداية باعتباره الوسيط العملي الذي يضمن استمرار العمل وسط اندفاعات باري وايس، أصبح في نظر عدد من زملائه أكثر قرباً من مشروعها وأكثر استعداداً للدفاع عنه.

ويبقى السؤال بالنسبة إلى سيبروفسكي شخصياً هو أين يرسم الخط الفاصل بين الولاء للإدارة والحفاظ على السمعة المهنية التي بناها خلال 35 عاماً. إذ يحذره بعض أصدقائه وزملائه السابقين، بحسب التقرير، من أن استمرار غياب الخطوط الحمراء قد يجعل كلفة البقاء أكبر من كلفة المواجهة، وربما يكون عليه أن يحدد قريباً أين تقع تلك الخطوط، وما إذا كان الوقت قد تأخر بالفعل.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...