سياسة الحدود و سياسة الهجرة بين إسبانيا، جبل طارق و المغرب.

 

 

 

 

 

د.عبد الرفيع التليدي
جامعة ليريدا/كطالونيا/إسباني

 

لقد كان لحدث فتح الحدود بين إسبانيا و جبل طارق، و هو إقليم ذو حكم ذاتي تابع سياسيا و إداريا للسلطات البريطانية وجغرافيا إلى التراب الإسباني، الأثر البالغ في نفسية العديد من المتتبعين و المهتمين بهذا الموضوع والذين إحتحسنوه و إعتبروه خطوة في الإتجاه الصحيح والتي قد تفتح نقاشا جديدا لتحديد مصير هذا الإقليم و عودته إلى السيادة الإسبانية في المستقبل. هذا الحدث البالغ الأهمية دفعني إلى زيارة هذه المنطقة خلال هذه العطلة الصيفية لمعاينة هذا الواقع الجديد عن قرب و الوقوف على هذه الحقيقة المتعلقة بتغير سياسة الحدود بين الدول و مدى تأثيرها الإيجابي على حياة الأفراد و المواطنين الذين كتب لهم العيش في تلك المنطقة بالرغم من إختلاف السلطات الإدارية بين الجانبين.
هذا من جهة، أما من جهة أخرى، فإن ربط هذه السياسة بعامل الهجرة وإقتحام السياجات الحدودية المغلقة بين الفينة والأخرى من طرف المهاجرين من مختلف الجنسيات في مدينتي سبتة و مليلية، المتواجدتين جغرافيا في شمال إفريقيا و في منطقة النفوذ المغربي، كعنصر تحليلي محوري يوضح الأسباب والآثار السلبية لهذه الحدود المغلقة على حياة الأفراد و الجماعات و على منطقة حوض البحر المتوسط ككل.
في الوقت الراهن، و أمام إنتشار العولمة و تسهيل المرور للأشخاص و السلع و البضائع والأموال بين دول و شعوب الأرض، لم تعد الحدود الجغرافية كونها مجرد خطوط ترسمها الخرائط وتحددها السيادة الوطنية و المقاربة الأمنية فحسب؛ بل إنها أصبحت تشكل الوعي اليومي للمواطنين وتحدد أفق حركتهم وهويتهم. لقد ترك القرار الأخير القاضي بإلغاء الحدود وتسهيل حركة المرور بين إسبانيا وجبل طارق أثراً بالغاً في نفسي، لا لكونه حدثاً جيوسياسياً فحسب، بل لما يعكسه من تحول عميق في مفهوم وجود الحدود من عدمها، وقد يشكل فرصة أمام المغرب و إسبانيا لفعل نفس الشيء و فتح النقاش حول مصير مدينة سبتة و مليلية و بالتالي تصحيح مسار و أطماع الحقبة الإستعمارية و تفادي العديد من المشاكل و التعقيدات التي تسببها الوضعية الراهنة. إن معاينة عدم وجود الحواجز في تلك الرقعة الضيقة وتسهيل حركة الأفراد يثير في العقل أسئلة مركزية حول كيفية إعادة صياغة السياسة للمجالات الحدودية، وتحويلها من مناطق نفوذ و تماس وتوتر إلى مجالات للإندماج و التعاون و التعايش و المصالح المشتركة.
غير أن هذا التطور المفصلي في جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية يضع جميع الملاحظين و المسؤولين في مواجهة مفارقة صارخة عند تحويل النظر نحو الضفة الأخرى من البحر المتوسط. ففي الوقت الذي يُعاد فيه تعريف الحدود بين إسبانيا وجبل طارق بروح مرنة تتجاوز تعقيدات “البريكست” وتخدم المصلحة اليومية للساكنة التي كتب لها العيش في تلك المنطقة، تشهد الحدود بين المغرب ومدينتي سبتة ومليلية مساراً معاكساً تماماً يسير نحو التشديد و المراقبة بشتى أنواعها. إن هذا التناقض الجغرافي المزدوج على بعد كيلومترات قليلة يعكس إزدواجية السياسات الحدودية في الإتحاد الأوروبي و في العالم كله؛ حيث أصبحت الحدود في الشمال تدار بمنطق التسهيل وفتح الآفاق، بينما تُحكم بالجنوب عبر منطق “التأمين والتسييج” لمنع أي تدفق من قبل أي نوع من ألمهاجرين.
و بالفعل، يشكل ملف الهجرة غير النظامية المحرك الأساسي لغلق هذه الحدود وتحويلها إلى ثكنات من الأسوار المرتفعة والشباك الحادة. فالرغبة المستمرة لدى آلاف المهاجرين القادمين من المنطقة و من مختلف دول جنوب الصحراء، في العبور إلى الضفة الأوروبية عبر بوابة سبتة ومليلية، وما يتخلل ذلك من محاولات إقتحام جماعية بين الفينة والأخرى، حولت هذه الحدود إلى ساحة مواجهة أمنية دائمة و مصدر للعديد من التقارير و التأويلات المغلوطة و الإتهامات و المزايدات بين العديد من المنابر الإعلامية و الفاعلين السياسيين. إن مشاهد الإقتحام هذه لا تعكس فقط يأس المهاجرين وبحثهم عن آفاق جديدة، بل تُستغل إعلاميا و سياسياً لتبرير مثلا؛ فشل حكومة بيدرو شانشيز في معالجة هذا النوع من الهجرة و دفع السلطات المحلية إلى التعامل معها بمنطق الخطر الأمني والمواجهة المباشرة بدلاً من إدارة التواجد البشري عبر حلول تنموية وشراكات إقليمية شاملة بين الدول المصدرة للمهاجرين و دول الإتحاد الأوروبي. كما تشكل مناسبة لتوجيه الإتهامات للسلطات المغربية في عدم القيام بواجبها في المراقبة أو إستعمال هؤلاء المهاجرين كوسيلة ضغط للحصول على المزيد من الإمتيازات. و قد أثبتت هذه الإتهامات فشلها عبر تصريح وزير الرئاسة والعدل والعلاقات مع المحاكم فيليكس بولانيوس (Félix Bolaños) الذي أكد فيه عن عدم وجود أية أدلة تشير إلى تورط السلطات المغربية في دخول أعداد كبيرة من المهاجرين إلى مدينة سبتة و الأحداث الأخيرة التي وقعت في هذه المدينة يومي 30 و 31 من شهر يوليوز الماضي.
إن هذا التركيز الأمني المفرط لمواجهة تدفق المهاجرين في الجهة الجنوبية يلقى بظلاله الثقيلة على الأثر الإجتماعي والنفسي للأشخاش في كلا الجانبين و سياسة الكيل بمكيالين المتبعة في معالجة هذه الإشكالية. ففي الوقت الذي يعزز فيه نموذج جبل طارق تشكيل “هوية عابرة للحدود” ترتكز على الإقتصاد و الإستقرار و التعاون المشترك و حرية الحركة و التنقل، يلاحظ أن الإغلاق والتحصين الموجه ضد الهجرة في سبتة ومليلية يرسخ في النفس شعوراً بالحصار والتوجس الأمني و الخوف المستمر لدى المواطنين الذين وجدوا أنفسهم يدفعون ثمن “تأمين” الحدود و ما ينتج عنه من مضايقات و نتائج غير إيجابية.
إن المقارنة بين هذين النموذجين تقودنا إلى الإستنتاج بأن الحدود ليست قدراً جغرافياً ثابتاً، بل هي خيارا سياسيا بين الدول والحكومات يعكس تصورها و فلسفتها في التعامل مع الجوار وقضايا التنقل و الهجرة البشرية. إن تجربة إلغاء الحدود بين إسبانيا وجبل طارق تثبت أن الإرادة السياسية قادرة على تجاوز أعقد الملفات التاريخية لصالح رفاه و تقدم المجتمعات و الشعوب، في حين يظل الإغلاق والتحصين في سبتة ومليلية حلاً أمنياً بإمتياز متغاضيا عن جذور ظاهرة الهجرة والأبعاد الإنسانية والإجتماعية للمهاجرين في تطلعهم و بحثهم عن آفاق جديدة تضمن لهم سبل العيش الكريم. و يبقى السؤال المطروح حول مدى قدرة الحكومات و المنظمات الدولية و الفاعلين السياسيين في المنطقة على إعادة التفكير في كيفية التعامل مع إشكالية هذه الهجرة و هذه الحدود البحرية والبرية لهذه المنطقة المتوسطية، لتحويلها من أسوار للمواجهة والأزمات إلى فضاءات للتكامل والتنمية المستدامة بين الجميع.


تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...