الانتخابات المغربية… جيلٌ يراقب السياسة من خارجها

 

 

 

 

نور الهدى سعودي
كاتبة وباحثة مغربية، ماجستير في الفلسفة.

 

ثمّة شيء يتجاوز الرغبة المُعلَنة في تشبيب المؤسّسات داخل الترتيبات التي تسبق الانتخابات التشريعية المغربية في 23 الشهر المقبل (سبتمبر/ أيلول). فالدولة التي فتحت باب الدعم العمومي أمام مرشَّحين شباب، ووسّعت إمكان الدخول إلى المنافسة أمام من لم يصنعوا مسارهم داخل التنظيمات الحزبية، تضع يدها، من حيث تدري أو لا تدري، على واحدة من أعقد مشكلات السياسة المغربية: كيف يمكن إقناع جيل الشباب بدخول مؤسّسات لا يمنحها قدراً كبيراً من ثقته؟ المسألة أعمق من سِنّ المرشَّح، وهي تتجاوز تكلفة الحملة، لأنّها تتّصل بما جرى خلال سنوات طويلة لعلاقة الشباب بالحزب، وبالبرلمان، وبفكرة التمثيل نفسها، علاقة بقي فيها الاهتمام بالشأن العام حاضراً، بينما انتقل جزء معتبر منه إلى فضاءات أخرى أسرع في التقاط المزاج الاجتماعي، أشدّ التصاقاً بلغته.
لهذا تبدو انتخابات 2026 أبعد من منافسة حول من يتصدّر النتائج أو يقود الحكومة المقبلة. يتعلّق الامتحان الأصعب بقدرة النظام الحزبي على استعادة معنى التمثيل لدى جيل صار أكثر تحفّظاً في منح ثقته للمؤسّسات. القانون يخفّف كلفة الترشّح، يوسع حضور الوجوه الشابة داخل اللوائح، ويفتح الباب أمام مسارات لم تكن تجد لنفسها مكاناً بسهولة في البنية التقليدية؛ غير أنّ عبور العتبة الانتخابية يظلّ أيسر من استعادة الاقتناع بجدوى ما يوجد خلفها. فالمأزق الذي تواجهه الأحزاب يتمثّل في تضاؤل الأسباب التي تجعل شابّاً في العشرين أو الثلاثين يرى الحزب طريقاً طبيعياً إلى الفعل العام.

ظلّت الفوارق بين المشاريع الحزبية أقلّ وضوحاً ممّا يقتضيه تنافس يفترض أن يقوم على الاختيار بين اتجاهات سياسية متمايزة

يظهر “جيل زد” في قلب هذه المفارقة بوضوح خاص. فهذا أوّل جيل مغربي واسع الاتصال بالعالم منذ سنوات تكوينه الأولى، وقد تشكّل وعيه داخل فضاء مفتوح لم تعد المعلومة فيه حكراً على مؤسّسة أو لم يعد الرأي فيه يحتاج إلى موقع حزبي حتّى يصل إلى جمهور واسع. المسؤول السياسي حاضر أمامه في الشاشة بصفة شبه يومية، والقرار العام يدخل حياته لحظة صدوره، فيما تمنحه المقارنة المستمرّة بتجارب أخرى حساسيةً عاليةً تجاه الفارق بين الخطاب والنتيجة. تغيّرت لديه فكرة المشاركة من أساسها؛ العضوية الحزبية فقدت موقعها القديم بوصفه مدخلاً شبه وحيد إلى المجال العام، وصار الانخراط السياسي ممكناً خارج التنظيم من خلال أشكال جديدة يصعب على الأحزاب ضبط إيقاعها أو احتواؤها.
تكشف أرقام “أفروباروميتر” عن مستوى منخفض من الثقة السياسية لدى الشباب المغربي؛ إذ يمنح 37% منهم ثقتهم للبرلمان، فيما تستقرّ النسبة عند 33% تجاه أحزاب الأغلبية والمعارضة. والأهمّ في هذه المعطيات أنّها تقترن بتحوّلٍ في أنماط المشاركة نفسها: فالشباب أقلّ اقتراباً من الأحزاب والتصويت مقارنةً بالأجيال الأكبر سنّاً، في مقابل حضور أوضح في التعبير السياسي عبر شبكات التواصل والاحتجاج. نحن، بهذا المعنى، أمام علاقة مختلفة بالسياسة أكثر منّا أمام انسحاب منها؛ علاقة تضع المؤسّسة الحزبية أمام جيل لا يمنحها موقع الوسيط تلقائيّاً، ويبحث عن أثر أكثر وضوحاً لمشاركته في المجال العام.
تجد هذه المسافة تفسيرها أيضاً في جمود أصاب الحياة السياسية المغربية في السنوات الماضية التي تعاقبت فيها حكومات، عُرفت بتضارب المصالح وقلّة التواصل، فيما ظلّت الفوارق بين المشاريع الحزبية أقلّ وضوحاً ممّا يقتضيه تنافس يفترض أن يقوم على الاختيار بين اتجاهات سياسية متمايزة. اللغة التي تصدر عن مواقع الحكم والمعارضة كثيراً ما تتحرّك داخل المعجم نفسه، فتتكرّر وعود الإصلاح والتنمية والإنصاف بصيغ متقاربة، ثمّ يصعب على الناخب أن يلمس ما الذي سيتغيّر فعلياً إذا انتقلت المسؤولية من فريق إلى آخر، فعندما تضيق مساحة الاختلاف، يفقد التصويت جزءاً من ثقله السياسي لأنّ الورقة الانتخابية تصبح أقلّ قدرة على حمل تصوّر واضح للمستقبل.
في هذا السياق، يكتسب الدعم الموجّه إلى المرشَّحين الشباب دلالةً تتجاوز قيمته المادّية. فتح المنافسة أمام من لم يتدرّجوا داخل التنظيمات يضع الحزب أمام سؤال يتعلّق بجدوى الوساطة التي يمثّلها: ماذا يستطيع أن يمنح شاباً صار الوصول إلى الاقتراع متاحاً له من خارجه؟ الجواب المفترض يوجد في التكوين السياسي بصياغة رؤية جماعية تتجاوز الطموح الفردي، وببناء حياة سياسية تسمح للكفاءات الشابّة بالصعود من دون انتظار طويل تحت ظلّ القيادات المسيطِرة. عند هذه النقطة يصبح التشبيب اختباراً لبنية الحزب نفسها، لأنّ تجديد العمر من دون تجديد آليات الاختيار سيعيد إنتاج السياسة القديمة بوجوه أصغر.
وتزداد المسألة ثقلاً حين توضع داخل التجربة اليومية للشباب المغربي. الثقة السياسية تتشكّل في الطريقة التي يختبر بها الفرد أثر القرار العام في حياته، من دخوله سوق العمل إلى قدرته على بناء استقلال مادي يفتح أمامه أفقاً معقولاً للمستقبل. شابّ أنهى دراسته، ثمّ اصطدم بسنوات من الانتظار، سيستقبل الخطاب الانتخابي من موقع يصعب على البلاغة السياسية إقناعه. المسافة بين الوعد والتجربة تحدّد ما يبقى من الثقة بعد انقضاء الحملة، لذلك تبدو اللغة الشبابية التي تتبناها بعض الحملات قليلة الأثر إذا ظلّت السياسة نفسها عاجزة عن إنتاج تحوّل يمكن إدراكه في حياة من تخاطبهم.

حين تضيق المسافة بين البرامج السياسية يشعر المواطن أنّ الانتخابات تعيد ترتيب الأشخاص لا الخيارات

تدخل المعارضة هذا الامتحان من الباب نفسه، بعيداً من وجودها التأثيثي، لأنّ قيمتها السياسية تظهر في قدرتها على إعادة الخلاف إلى قلب المجال العام عبر تصوّرٍ للحكم يمكن تمييزه بوضوح. مراقبة الحكومة جزء من وظيفتها، غير أنّ مجتمعاً تتراجع ثقته في المؤسّسات يحتاج أيضاً إلى بديل قابل للفهم، له أولويات يمكن اختبارها بعد الوصول إلى السلطة. ضعف التمييز بين الأغلبية والمعارضة صار، في هذا المعنى، جزءاً من أزمة أوسع؛ فحين يتشابه القاموس وتضيق المسافة بين البرامج، يشعر المواطن أنّ الانتخابات تعيد ترتيب الأشخاص أكثر ممّا تعيد ترتيب الخيارات.
تبدو انتخابات 2026، خلف صخب اللوائح، والتحالفات، والحسابات الحزبية، في مواجهة مع سؤال تراكَم خلال سنوات: ماذا تفعل الديمقراطية التمثيلية عندما يصبح جيل واسع أكثر حضوراً في النقاش العام ومنعدم الثقة في المؤسّسات التي يفترض أن تمثّله؟ الإجابة لا تأتي من نسبة الشباب في اللوائح وحدها أو من الأموال المخصّصة لحملاتهم؛ ستظهر في قدرة السياسة المغربية على كسر الجمود الذي جعل المؤسّسة أبطأ من المجتمع، فيما فقد الحزب شيئاً من قدرته على أن يكون وسيطاً مقنعاً بينهما. دخول الشباب إلى البرلمان بالمنطق القديم سيغيّر الأعمار فقط. التحوّل الذي يستحقّ اسمه يبدأ حين يجد هذا الجيل داخل السياسة سبباً معقولاً للاعتقاد بأنّ صوته يترك أثراً يتجاوز يوم الاقتراع.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...