في الاقتصاد والهجرة والأمن والاستخبارات.. حاجةُ مدريد للرباط التي يفهمها سانشيز ويتجاهلها اليمين الإسباني
في ذروة واحدة من أكثر الأزمات حساسية بين مدريد والرباط، اختار نائب رئيس الحكومة ووزير الاقتصاد الإسباني كارلوس كويربو أن يستحضر رقما لافتا: إسبانيا تصدر إلى المغرب بأكثر من 12 مليار يورو سنويا، مقابل نحو 16 مليارا إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
لم تكن المقارنة عابرة، فالوزير أراد بها إبراز حجم ما أصبحت تمثله السوق المغربية بالنسبة للشركات الإسبانية، في وقت أعادت فيه أزمة الهجرة في سبتة فتح النقاش داخل إسبانيا حول طبيعة العلاقة مع الرباط.
لكن الاقتصاد ليس سوى جزء من الصورة، فمن التجارة والاستثمارات إلى مراقبة الهجرة ومكافحة الإرهاب، تراكمت خلال السنوات الماضية مصالح تجعل المغرب شريكا يصعب على مدريد تعويضه بسهولة.
وهنا يبرز التساؤل حول حجم الحاجة الإسبانية إلى المغرب، والأسباب التي تجعل بيدرو سانشيز وحكومات الاشتراكيين أكثر تمسكًا بالحفاظ على استقرار العلاقة مع الرباط، حتى عندما تترتب عليها كلفة سياسية داخل إسبانيا.
أكثر من التجارة.. استثمارات إسبانية طويلة الأمد في المغرب
وتكشف التجارة حجم هذا الترابط بوضوح، فإسبانيا هي الشريك التجاري الأول للمغرب، بمبادلات سنوية تتجاوز 22,5 مليار يورو، وبفائض تجاري إسباني يفوق 3 مليارات يورو.
كما تعمل في السوق المغربية أكثر من 350 شركة إسبانية، ما يجعل استقرار العلاقة مع الرباط مرتبطا بصورة مباشرة بمصالح قطاع واسع من الاقتصاد الإسباني.
ولا تقف المصالح عند حدود التجارة، فالمغرب هو أول وجهة للاستثمار الإسباني في إفريقيا، برصيد يقترب من ملياري يورو.
كما باتت الشركات الإسبانية حاضرة في أوراش استراتيجية بالمملكة، من السكك الحديدية إلى تحلية المياه، بما يحول جزءًا من العلاقة الاقتصادية إلى ارتباط بمشاريع تمتد لسنوات.
ومن أبرز الأمثلة شركة CAF، التي فازت بمشروع تزويد المغرب بـ40 قطارا بين المدن، تدعمه مدريد بقرض يتجاوز 750 مليون يورو.
وفي قطاع المياه، تقود Acciona الائتلاف المكلف بمحطة تحلية مياه الدار البيضاء، باستثمار إجمالي يبلغ 6.5 مليارات درهم، وتتولى بناءها وتشغيلها وصيانتها لمدة 27 عامًا.
45 مليار يورو من الأوراش.. مدريد تترقب الفرص المغربية
ولا تنظر مدريد إلى المصالح الاقتصادية الحالية فقط، بل إلى الأوراش التي يعتزم المغرب إطلاقها مستقبلا.
فقد تحدث بيدرو سانشيز عن استثمارات عمومية مغربية مخطط لها بنحو 45 مليار يورو في أفق 2050، مشيرا إلى الفرص التي تتيحها للشركات الإسبانية، خصوصًا في النقل والطاقات المتجددة وتدبير الموارد المائية.
هذا التوجه لم يبق مجرد تصريح سياسي، ففي الإعلان المشترك المغربي الإسباني الصادر في دجنبر 2025، جدد البلدان التزامهما بتشجيع الشركات الإسبانية على استكشاف فرص الاستثمار التي يوفرها المغرب وتعزيز الشراكة الاقتصادية بينهما.
وامتدت المصالح المشتركة إلى الصناعة الدفاعية، إذ أنجزت شركة Navantia الإسبانية في حوض سان فرناندو سفينة دورية من طراز Avante 1800 لفائدة البحرية الملكية المغربية، دخلت تجاربها البحرية في أبريل الماضي، بعد إطلاقها إلى البحر في ماي 2025.
ولا تقتصر أهمية المشروع على التعاون العسكري، إذ تقول المعطيات المنشورة إن بناء السفينة وفر أكثر من مليون ساعة عمل ونحو 1100 وظيفة مباشرة وغير مباشرة ومستحثة في إسبانيا على امتداد ثلاث سنوات، إلى جانب خدمات الدعم والتكوين التقني لأفراد البحرية المغربية.
سبتة تكشف ثقل المغرب في حسابات الأمن الإسباني
يظهر وزن المغرب بالنسبة إلى إسبانيا بوضوح في ملف الهجرة، فخلال 2025، أعلنت الرباط إحباط 73 ألفا و640 محاولة للهجرة غير النظامية، إلى جانب تفكيك أكثر من 300 شبكة للتهريب.
وتتضح حساسية هذا التعاون بصورة أكبر عند حدود سبتة، خصوصا بعد أزمة 30 يوليوز 2026، التي شهدت تدفقا غير مسبوق لعشرات الآلاف من المهاجرين.
ورغم الأزمة، أكدت وزارة الداخلية الإسبانية أن القوات المغربية كانت قد أحبطت آلاف محاولات العبور خلال الأيام السابقة، قبل أن يتفق البلدان على تعزيز التنسيق لمواجهة التدفقات.
ولا يقل التعاون الاستخباراتي أهمية، ففي نونبر 2024، قادت عملية مشتركة بين الشرطة الإسبانية والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني إلى تفكيك بنية جهادية مرتبطة ب”داعش” كانت تنشط على محور سبتة – الفنيدق، واعتقال تسعة أشخاص، أربعة منهم داخل سبتة، في عملية أكدت الداخلية الإسبانية أن التعاون المغربي كان حاسمًا في إنجاحها.
وتندرج هذه العملية ضمن تعاون أوسع أفضى، منذ 2014، إلى 31 عملية مشتركة واعتقال 150 شخصًا في قضايا مرتبطة بالإرهاب الجهادي، ما دفع وزارة الداخلية الإسبانية في مارس 2026 إلى وصف المغرب بأنه “شريك أساسي” في استراتيجيتها لمواجهة هذه التهديدات.
سانشيز والمغرب.. المصالح قبل الخلافات
سياسيًا، اختار بيدرو سانشيز منذ 2022 الاستثمار في استقرار العلاقة مع الرباط، بعدما تبنت حكومته مقترح الحكم الذاتي المغربي للصحراء باعتباره أساسا “جديا وذا مصداقية وواقعيا” للحل.
ومنذ ذلك الحين، تحولت خارطة الطريق الجديدة إلى الإطار الذي تدير من خلاله الحكومتان علاقاتهما، على أساس الحوار الدائم والشفافية والاحترام المتبادل.
وحتى بعد أزمة سبتة الأخيرة، واصل سانشيز الدفاع عن أهمية التعاون مع المغرب، مؤكدا أمام البرلمان عدم وجود أدلة صلبة تثبت أن الرباط دبرت موجة العبور، ومذكرا بدورها في إعادة غالبية المهاجرين الذين دخلوا المدينة، رغم استدعاء مدريد السفير المغربي لاحقا احتجاجا على تصريحات بشأن سبتة ومليلية.
غير أن شبكة المصالح لا تسير في اتجاه واحد، فإسبانيا، منذ 2012، هي الشريك التجاري الأول للمغرب، كما تمثل بوابة اقتصادية أساسية نحو السوق الأوروبية، بينما أصبح المغرب بدوره أول وجهة للاستثمار الإسباني في إفريقيا، باستثمارات تقارب ملياري يورو.
وهو ما يجعل العلاقة أقرب إلى اعتماد متبادل، وإن كانت بعض الأوراق المغربية، خصوصًا الهجرة والأمن، شديدة الحساسية بالنسبة إلى مدريد.
ويضاف إلى ذلك وجود جالية مغربية هي الأكبر بين الجاليات الأجنبية في إسبانيا، فيما بلغ عدد المغاربة المساهمين في الضمان الاجتماعي الإسباني نحو 335 ألف شخص بنهاية 2025.
ويأتي مونديال 2030 ليضيف مصلحة جديدة إلى شبكة قائمة أصلا، لا ليؤسسها. فمدريد والرباط تنظران إلى التنظيم المشترك باعتباره فرصة لتوسيع التعاون، فيما تحدد الحكومة الإسبانية البنيات التحتية والنقل والرقمنة والتكنولوجيا والسياحة ضمن القطاعات التي يمكن للشركات الإسبانية الاستفادة منها في المغرب في أفق البطولة.
المصدر: الصحيفة





