استطلاع إسباني يُكسّر “الإجماع المطلق” حول سبتة ومليلية.. 14.3% يطالبون بتفاهم مع المغرب بشأنهما و73.6% يتمسكون بحسن الجوار
كشف أحدث بارومتر لمركز البحوث السوسيولوجية الإسباني عن معطى لافت في النقاش المتجدد حول سبتة ومليلية، بعدما اعتبر 14.3 في المائة من الإسبان أن وضع المدينتين “غامض وخاص” وينبغي أن يكون موضوع تفاهمات واتفاقات مع المغرب، في مؤشر يكشف وجود أقلية معتبرة داخل الرأي العام الإسباني لا تتبنى الرواية التقليدية لمدريد بشأن وضع المدينتين باعتبارهما ملفًا مغلقًا لا يقبل النقاش.
وأُنجز الاستطلاع عبر 4,042 مقابلة هاتفية بين فاتح و4 شتنبر 2026، في أعقاب أزمة سبتة نهاية يوليوز. ورغم أن 77.1 في المائة من المستجوبين قالوا إن سبتة ومليلية “إسبانيتان مثل أي جزء آخر من شبه الجزيرة”، فإن نسبة 14.3 في المائة تظل ذات دلالة سياسية، لأنها تنفي وجود إجماع كامل داخل المجتمع الإسباني حول المقاربة الرسمية، وتكشف عن شريحة ترى أن خصوصية المدينتين الجغرافية والتاريخية تفرض تفاهمًا مباشرًا مع الرباط.
ولا تعني هذه النسبة أن غالبية الإسبان باتت تشكك في السيادة الإسبانية، لكنها تكشف عن ثغرة واضحة في سردية “الإسبانية غير القابلة للنقاش”، خصوصا أن المدينتين تقعان جغرافيا في شمال المغرب وتظل وضعيتهما موضع خلاف جذري بين الرباط ومدريد، حيث يعتبرهما المغرب أراضي محتلة وجزءا من استكمال وحدته الترابية، بينما تتمسك إسبانيا باعتبارهما جزءا من أراضيها الوطنية.
وتزداد أهمية نتائج هذا الاستطلاع بالنظر إلى أن 73.6 في المائة من الإسبان يعتبرون الحفاظ على سياسة الصداقة وحسن الجوار مع المغرب مهما في المرحلة الحالية، كما يرى 86.3 في المائة أن التفاهم مع الرباط مهم لضمان أمن الحدود، فيما يطالب 89.4 في المائة بدور أكبر للاتحاد الأوروبي في التعامل مع أزمة سبتة.
وتكشف هذه الأرقام أن الرأي العام الإسباني، حتى مع تمسك أغلبيته بالطرح الرسمي حول المدينتين، يدرك في الوقت نفسه أن إدارة الملف الحدودي والأمني لا يمكن فصلها عن التعاون مع المغرب.
وتتقاطع هذه المعطيات مع استطلاع أجرته “الصحيفة” حول مستقبل التعاطي المغربي مع ملف سبتة ومليلية. فقد سُئل المشاركون عما إذا كان الوقت قد حان لنقل الملف إلى لجنة الـ24 الخاصة بتصفية الاستعمار في الأمم المتحدة، وهي آلية مرتبطة بملفات اللجنة الرابعة للجمعية العامة.
ومن أصل 989 مشاركًا، أيد 41 في المائة طرح الملف دوليًا بشكل فوري، فيما فضّل 32 في المائة القيام بذلك بعد بناء تحالف دبلوماسي وقانوني دولي. وبذلك بلغ مجموع المؤيدين لتدويل الملف 74.6 في المائة، أي 738 مشاركًا، مقابل 25 في المائة فضلوا الإبقاء على الحوار الثنائي مع إسبانيا.
وتكتسي هذه النتيجة بعدا إضافيا بالنظر إلى السوابق الأممية للملف، فقد تقدمت الرباط سنة 1975 رسميًا إلى لجنة الـ24 بطلب إدراج سبتة ومليلية والجزر المجاورة ضمن الأراضي غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وهو ما رفضته مدريد، ولم تُدرج المدينتان لاحقًا في القائمة الأممية للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، لكن الوثائق تثبت أن المغرب سبق أن نقل النزاع بالفعل إلى الإطار متعدد الأطراف.
المؤشرات الجديدة لا تعكس تحولا جذريا في الرأي العام الإسباني، لكنها تكشف أن ملف سبتة ومليلية لم يعد محصنا تماما من النقاش داخل إسبانيا نفسها، بالتوازي مع ارتفاع الأصوات المغربية الداعية إلى إخراجه من الإطار الثنائي ووضعه مجددا على طاولة المؤسسات الدولية.
المصدر: الصحيفة





