أرقام تُظهره “عدوا خطيرا” وأخرى تجعله “شريكا لا غنى عنه”.. هل تكشف استطلاعات الرأي النظرة الحقيقية للإسبان تجاه المغرب؟

إيطاليا تلغراف متابعة

لا تبدو نظرة الإسبان إلى المغرب قابلة للاختزال في موقف واحد، فبينما يؤيد 82,2 في المائة منهم تعزيز حدود سبتة ومليلية، ويتمسك أكثر من ثلاثة أرباعهم بإسبانية المدينتين، يرى 86,3 في المائة أن التفاهم مع الرباط مهم أو مهم جدا لضمان أمن الحدود.

تكشف هذه الأرقام، الواردة في بارومتر شتنبر لمركز البحوث الاجتماعية الإسباني، مفارقة بين تصاعد الخطاب السياسي الداعي إلى التشدد مع المغرب، وإدراك أهمية التعاون معه، في ظل مصالح اقتصادية وأمنية وتجارية تجعل القطيعة خيارا مكلفا لمدريد.

أدخلت أزمة سبتة العلاقة مع المغرب في قلب المواجهة السياسية مع حكومة بيدرو سانشيز، بعدما تجاوز النقاش تدبير الحدود إلى تحميل الرباط المسؤولية ومستقبل التعاون معها.

فالحزب الشعبي وصف ما جرى بأنه “هجوم هجين” تتحمل المملكة مسؤوليته “بفعل أو امتناع”، لكنه تمسك في الوقت نفسه بعلاقة مستقرة قائمة على الاحترام المتبادل، أما “فوكس” اليميني المتطرف، فطالب بوقف منح التأشيرات للمغاربة إلى حين “اعتراف” الرباط صراحة بالسيادة الإسبانية على سبتة ومليلية.

ووصل الضغط إلى البرلمان الأوروبي، الذي تبنى قرارا، وإن كان غير مُلزم، يلوح بمراجعة التعاون والتمويل المرتبطين بالهجرة، لكنه رفض مقترحات أشد تدعو إلى تعليق المساعدات واتفاق الشراكة مع المغرب.

ويظهر هذا التباين أن التلويح بالقطيعة أو تقليص التعاون يُستخدم أداة للتصعيد السياسي، خصوصا وأن إسبانيا مقبلة على انتخابات تشريعية في 2027، أكثر من كونه خيارا متكاملا يحظى بإجماع إسباني أو أوروبي، إذ تفرض المصالح المشتركة إبقاء قنوات العلاقة مفتوحة.

لا تكتمل صورة الموقف الإسباني من المغرب بنتائج بارومتر شتنبر وحدها، ففي يوليوز 2025، أظهر استطلاع للمعهد الملكي إلكانو أن 55 في المائة من الإسبان يعدون المغرب أكبر تهديد خارجي لبلادهم، مقابل 49 في المائة سنة 2024 و35 في المائة سنة 2021.

وشمل الاستطلاع ألف شخص تتراوح أعمارهم بين 18 و80 سنة، من مختلف الأقاليم الإسبانية، بما فيها سبتة ومليلية.

وتعززت هذه النظرة بعد أزمة سبتة، إذ حمّل 89 في المائة من المشاركين في استطلاع أجرته مؤسسة 40dB الحكومة المغربية مسؤولية كبيرة أو معتبرة عما حدث.

واستند الاستطلاع إلى ألفي مقابلة عبر الإنترنت، أُنجزت قبل نشر التقرير الأمني الإسباني المتعلق بالأزمة.

استطلاع رأي آخر جرى كشف نتائجه مؤخرا، رأى فيه 68 في المائة من المشاركين أن روسيا هي التي تشكل أكبر تهديد عسكري لإسبانيا، ثم حل المغرب ثانيا بـ57,6 في المائة، لكن لا بد من فهم الأمر في سياقه، ليس فقط ارتباطا بأزمة سبتة، بل لأن الجهة التي تقف وراء الاستطلاع هي صحيفة “إل إسبانيول” اليمينية، التي تتبنى خطابا معاديا للمغرب.

لكن بارومتر مركز البحوث الاجتماعية الإسباني، المنجز بعد الأزمة، أظهر وجها آخر للموقف نفسه، فقد اعتبر 86,3 في المائة أن التفاهم بين إسبانيا والمغرب مهم أو مهم جدا لضمان أمن الحدود، رغم تأييد 82,2 في المائة تعزيزها لمنع تكرار الدخول الجماعي.

لا تصنع استطلاعات الرأي وحدها صورة المغرب لدى الإسبان، فطريقة عرض نتائجها تؤدي دورا مماثلا، وعند تقديم استطلاع “40dB”، أبرزت صحيفة “إلباييس” أن نحو تسعة من كل عشرة إسبان يحمّلون الحكومة المغربية مسؤولية أزمة سبتة.

لكن الاستطلاع نفسه كشف موقفا أقل حسما بشأن مستقبل العلاقة، إذ أيد 45,7 في المائة تشديدها وتقليص التعاون، مقابل 36,8 في المائة رأوا أن تعزيز التعاون ضروري لضبط الحدود. 

وبعد أسبوع، أظهر بارومتر مركز البحوث الاجتماعية أن 86,3 في المائة يعتبرون التفاهم مع المغرب مهما أو مهما جدا لضمان أمنها.

ولا تقيس هذه النتائج السؤال نفسه، لكنها تكشف مجتمعة صورة أكثر تركيبا مما توحي به العناوين المنفردة: قد يُحمل المغرب مسؤولية الأزمة، بينما يُنظر إلى تعاونه في الوقت ذاته بوصفه ضروريا لأمن الحدود.

وتتعزز هذه الانتقائية حين تطغى صور العبور والفوضى على الاتجاهات العامة، إذ قال مفوض الهجرة الأوروبي ماغنوس برونر إن صور أزمة سبتة حجبت انخفاض الهجرة غير النظامية إلى أوروبا وأسهمت في تغذية خطاب اليمين المتشدد، فيما تراجعت إلى الخلفية المصالح الأمنية والتجارية التي تقوم عليها العلاقة اليومية بين مدريد والرباط.

تبدو الدعوة إلى القطيعة مع المغرب أقل بساطة عند نقلها من الخطاب السياسي إلى الحسابات الاقتصادية، فالصادرات الإسبانية إلى السوق المغربية تتجاوز 12 مليار يورو، ولا يفصلها الكثير عن صادرات إسبانيا إلى الولايات المتحدة، المقدرة بنحو 16 مليارا، وفق وزير الاقتصاد كارلوس كويربو.

وتنتظر الشركات الإسبانية، إلى جانب تجارتها القائمة، فرصا ضمن برنامج استثمارات عمومية مغربية يقدر بنحو 45 مليار يورو إلى غاية 2050، ويتعلق الرقم بأوراش يمولها المغرب ويمكن للشركات الإسبانية المنافسة عليها، وليس باستثمارات إسبانية ستُمنح للرباط.

وجاء تسليم شركة “نافانتيا” سفينة “مولاي الحسن” للمغرب وسط أزمة سبتة ليجسد هذا التداخل، فقد وفر المشروع نحو 1100 منصب شغل وأكثر من مليون ساعة عمل في إسبانيا، بما يبين أن العلاقة تشمل عقودا صناعية واستراتيجية لا تتوقف تلقائيا عند ارتفاع منسوب الخلاف السياسي.

تتجاوز حاجة إسبانيا إلى المغرب ملف الهجرة لتشمل مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات، فمنذ سنة 2014، نفذت الأجهزة الأمنية في البلدين 31 عملية مشتركة أوقفت 150 شخصا، منهم 83 في إسبانيا و67 في المغرب، ما دفع وزارة الداخلية الإسبانية إلى وصف الرباط بالشريك الأساسي في استراتيجيتها لمكافحة الإرهاب.

وتجسد ذلك في عملية نونبر 2024 التي أوقفت تسعة أشخاص، بينهم أربعة في سبتة وثلاثة في الفنيدق، بتعاون مغربي وصفته مدريد بالحاسم.

وفي ملف الهجرة، أثبتت أزمة سبتة أن مراقبة الحدود وإعادة العابرين تقتضيان استمرار التنسيق مع الرباط، ورغم اتهام الحزب الشعبي المغرب بالمسؤولية “بالفعل أو بالامتناع”، أكد بيدرو سانشيز غياب دليل ملموس على تخطيط الحكومة المغربية للعملية، مع إقراره بأن قواتها سمحت بالعبور خلال ساعات حاسمة.

وكشفت مرحلة الاحتواء حدود التصعيد، إذ عاد معظم المهاجرين البالغين إلى المغرب، فيما أعلنت الرباط استعدادها للمساعدة في تحديد هويات القاصرين وإعادتهم وفق الإجراءات القانونية، وهكذا جعلت الأزمة الحاجة إلى التعاون أكثر وضوحا، لأن الإجراءات الإسبانية داخل سبتة لا تعوض التنسيق مع الجانب الآخر من الحدود.

في مقابل تصاعد المواقف السياسية الإسبانية الداعية إلى التشدد مع المغرب، وضعت الرباط هذا الخطاب ضمن سياق التنافس الداخلي في إسبانيا.

فبلاغ وزارة الشؤون الخارجية المغربية الصادر في 10 شتنبر الجاري، لم يكتف بنفي وجود معطيات أو تقارير تثبت تورط السلطات المغربية في أحداث سبتة، بل أعرب عن أسفه لاستمرار بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية في توظيف المملكة لخدمة أجندات داخلية.

وبدا البلاغ أكثر وضوحا حين رفض أن يتحول المغرب إلى موضوع للمزايدة الانتخابية أو إلى “كبش فداء لتصفية حسابات سياسوية”، منتقدا انخراط أحزاب إسبانية تاريخية في ما وصفه بالمزايدات غير العقلانية والشعبوية.

وهي صياغة تكشف أن الرباط لا تنظر إلى التصعيد باعتباره خلافا عابرا بشأن تدبير الحدود فحسب، بل جزءا من خطاب سياسي يجري توظيفه داخل المنافسة الحزبية الإسبانية.

وفي مواجهة هذا الخطاب، أعاد البلاغ التذكير بالبنية الفعلية للعلاقات التي تأسست منذ الإعلان المشترك الصادر في 7 أبريل 2022، والقائم على الثقة والحوار والشراكة ذات المنفعة المتبادلة. 

واستحضر في هذا السياق كون إسبانيا الشريك الاقتصادي الأول للمغرب، وكون المملكة شريكها التجاري الثاني خارج الاتحاد الأوروبي، إلى جانب التعاون الأمني ومكافحة الشبكات الإرهابية والإجرامية وتدبير تدفقات الهجرة.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...