بين تدبير الفشل ورهانات 2026: نخب الداخل وأزمة التمثيل السياسي لمغاربة العالم

 

 

 

 

 عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية قضايا الهجرة والبحث في الفكر والإسلام.

 

 

ليست المواعيد الانتخابية مجرد محطات تقنية لتوزيع المقاعد ورسم الخرائط الحزبية الباهتة بل هي المرآة الكاشفة لعقم بنيوي وأزمة أفق مستحكمة تعتري المشهد السياسي المغربي بأكمله. وحين يتأمل المرء مخاضات ما بعد الاقتراع وما أسفر عنه من تكليف ملكي لتشكيل الحكومة وسط تناسل الحسابات الضيقة والتوافقات الهشة يبرز السؤال الجوهري الذي تهرب منه دوائر القرار لصالح من تُدار هذه المعارك الوهمية؟ وكيف تصر بعض النخب الحزبية على اجترار ذات الأسطوانة المشروخة بينما الوطن ينوء تحت ثقل معضلات هيكلية قاتلة قوامها زواج السلطة بالثروة وتغول الرأسمال الريعي وتضارب المصالح والإجهاز المنهجي على مقومات الطبقات الشعبية والمتوسطة بلا رادع أو مبالاة؟ لكن الوجه الأكثر قتامة في هذه المهزلة السياسية ليس فقط عجز الداخل الحزبي بل هو الإقصاء المنهجي والمقصود لمغاربة العالم من دائرة الفعل السياسي المباشر والتقرير في مصير الأمة. إننا من موقعنا كصحفيين ومثقفين وكفاءات تعيش خارج الحدود لا نراقب المشهد كأجانب متفرجين بل كجزء عضوي لا ينفصل عن نبض هذا الوطن الذي يسكننا وتسكنه.

وحين نتابع كواليس هذا الإقصاء ندرك حجم الخطيئة السياسية الكبرى فأن يُستبعد ملايين المغاربة المقيمين بالخارج عن صناديق الاقتراع ودوائر التشريع رغم كل الخطابات الملكية السامية التي تجعل من الجالية ركيزة أساسية للتنمية والعمق الاستراتيجي يكشف بجلاء عن هلع وخوف بعض النخب التقليدية من صوت حر وطني وغير قابل للتدجين بأوراق الأعيان وترحالهم الحزبي المفضوح. إن القراءة النقدية الصارمة للمشهد تكشف بالمكشوف أن النخب الحزبية المغربية بيمينها ويسارها تعيش إفلاساً مرجعياً تاماً. فأحزاب الأغلبية المنتهية ولايتها أدمنت التباهي بأرقام ماكرو-اقتصادية وهمية لا علاقة لها بتاتاً بوجع المواطن اليومي الذي يكتوي بنار ارتفاع الاسعار وتآكل القدرة الشرائية. وفي المقابل يظل أداء باقي التشكيلات السياسية محكوماً بالعجز عن تقديم بدائل مؤسساتية واقتصادية حقيقية مكتفية بالاستثمار الظاهري في صدى الاحتقان الاجتماعي دون رؤية استراتيجية واضحة تضع المواطن في صلب الاهتمام.

أما الطامة الكبرى والعمياء التي تتغافل عنها كل هذه الدوائر الحزبية فهي تدمير مقومات الدولة الاجتماعية كيف يمكن بناء اقتصاد منتج وشغل حقيقي في ظل سيطرة أقلية جشعة تحتكر سلاسل الإنتاج والغذاء والخدمات وتجهز بوحشية على ما تبقى من مجانية التعليم العمومي الرصين؟ وكيف يمكن لمؤسسة البرلمان أن تمثل الأمة وهي تتحول تدريجياً إلى نادي للأثرياء ومنتجع لناهبي المال العام ومرتزقة الانتخابات؟ وحين نعرّج على تركة التدبير الحكومي الكارثية للسنوات الفارطة نلفيها مثقلة بتغول الواجهات الاستثمارية وسطوة تضارب المصالح والانفلات الجنوني لأسعار المواد الغذائية واللحوم وانهيار الفلاحة المعيشية وصولاً إلى الفضيحة المدوية لأموال الدعم المخصصة للأضاحي والتي صبت في جيوب شبكات المحظوظين والفراقشية تاركة المواطن المغربي يواجه القهر وحيداً.

 في خضم التحولات المتسارعة التي يعيشها المشهد السياسي المغربي عقب إفرازات الاستحقاقات التشريعية وتكليف السيدة فاطمة الزهراء المنصوري برئاسة الحكومة لتشكيل الأغلبية الجديدة دخلت كواليس المشاورات الرسمية مرحلة الحسم والتدقيق. وتكشف المعطيات الميدانية والرصد المهني أن رئيسة الحكومة المكلفة تقود مساراً تفاوضياً شاقاً وماراثونياً مع مختلف التشكيلات الحزبية الممثلة في البرلمان وسط ترقب واسع من الشارع المغربي ودوائر القرار. وتشير التقارير الواردة من كواليس المشاورات إلى أن النقاشات لا تخلو من تجاذبات حادة وحوارات مفتوحة حول رسم هندسة الائتلاف الحكومي القادم.

فبينما تسعى القيادة الحزبية المتصدرة للانتخابات إلى بناء توافقات واسعة تضمن الاستقرار المؤسساتي والدعم البرلماني اللازم لتمرير الأوراش الكبرى تصطدم هذه المساعي بشروط متباينة وخطوط حمراء ترفعها بعض الأطراف الحزبية من اجل ان تحظى ببعض الحقائب الوزارية. وفي المقابل اختارت تيارات أخرى من المعارضة الاصطفاف المبكر خارج حسابات الأغلبية معلنة قطيعتها مع منطق التوافقات الهشة. هذا الحراك الحكومي المتأتي يضع الحكومة المرتقبة أمام مرآة التحديات الكبرى والملفات الملحة فالمواطن المغربي الذي اكتوى طويلاً بتداعيات السياسات السابقة وتغول الغلاء لم يعد يكترث بالصراعات الحزبية الضيقة أو صراع المقاعد بقدر ما ينتظر إجابات عملية وحلولاً جذرية تنقذ القدرة الشرائية وتستعيد الثقة في المؤسسات. واليوم وأمام الأوراش الكبرى التي تنتظر الحكومة برئاسة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري فإن المسؤولية التاريخية والأخلاقية تفرض عليها مواجهة الحقيقة دون مواربة فالحكومة السابقة التي كان حزبكم أحد أعمدتها الأساسية في الأغلبية أخلت بوعودها وتنكرت لبرامجها وأمعنت في إثقال كاهل المواطن بغلاء مفضوح وسياسات رعناء أجهضت القدرة الشرائية. إن القطع مع هذا الإرث الثقيل وتدبير الفشل لا يتحقق بإعادة تدوير الوجوه أو الهروب إلى الأمام بل يستوجب شجاعة سياسية حقيقية ترفع الوصاية عن مغاربة العالم وتدمجهم كشركاء فعليين في البناء فمحك المرحلة الجديدة اليوم ليس في توزيع الحقائب بل في مصداقية الوفاء بالعهود وطي صفحة الريع والوعود الزائفة.

إن رسالتنا اليوم من ضفة مغاربة العالم قاطعة ودامغة نحن نتابع ونرصد ولا ننسى إن الوطن ليس ضيعة خاصة لنخب الداخل الضيقة وحرمان الكفاءات المهاجرة من حقها الدستوري في البناء والتشريع هو جريمة في حق استقرار البلاد ومستقبلها. إن أي إصلاح حقيقي يبدأ حتماً رد الاعتبار للسياسة كفعل أخلاقي نبيل وكسر جدار العزلة المفروض على الامتداد العالمي للوطن ليكون مغاربة العالم فاعلين أساسيين في معركة التغيير لا مجرد خزانات أصوات موسمية أو أرقام في حسابات التحويلات المالية.

فمتى تدرك نخبنا أن قوة المغرب الحقيقية تبدأ حين يعلم الجميع أن لا تنمية ولا استقرار دون ديمقراطية حقة ومكتملة تشمل أبناء الوطن في الداخل والخارج على حد سواء؟

 

 


شاهد أيضا

شاهد أيضا